فجّرت السلطات الجديدة مبنى فرع المخابرات الجوية في حلب يوم 30 نيسان، وأزالت معه بقايا أحد أبرز معالم القمع التي عايشها السوريون لعقود. ورغم أنه كان متهالكا فإن تحويله لأنقاض، يتجاهل أهمية الحفاظ على هذا المبنى كشاهد على الجرائم التي ارتكبها الأسد، وكفرصة لبناء وعي تاريخي يمكّن السوريين من مواجهة ماضيهم، كما فعل الألمان بعد سقوط جدار برلين. حيث تحول "شتازي" من مقر لجهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية إلى متحف مركز للتعليم والتوثيق، ويؤكد ضرورة وجود مشروع مشابه في سوريا لتوثيق حقبة الأسد، وتحويل مواقع التعذيب إلى متاحف تحفظ الذاكرة وتمنع تكرار الكارثة.
شتازي والسجون السورية شاهد على حقبة مظلمة
في مبنى رمادي بحي ليشتنبيرغ شرقي برلين، كانت تُدار واحدة من أعقد شبكات التعقّب والقمع في القرن العشرين، يقف متحف شتازي شاهدا على مرحلة مظلمة، بات منذ وحدة البلاد مركزا لتعليم الأجيال الجديدة ينبّه لمخاطر تلك الحقبة وكيفية العمل لمنع تكرارها.
وبعد أيام قليلة من سقوط النظام المخلوع في سوريا، أثارت مبادرة فريق تطوعي بطلاء بعض جدران فرع الأمن السياسي باللاذقية غضب السوريين بعد انتشار فيديو يوثق تغيير معالم المعتقل، وهو ما اعتبره كثيرون طمسا للأدلة يعيق تحقيق العدالة للضحايا، واستمرارا لما رأوه عبثا بمسارح الجريمة وغيابا لتوثيق جرائم نظام بشار الأسد.
في متحف شتازي يعمل كلاوس شتورتسه كدليل ومرشد تربوي يرافق المجموعات الزائرة لا سيما الطلبة منهم لشرح معالم وصور المتحف ويجيب عن أسئلتهم التي لا تنتهي عن المكان وعنه شخصيا لأنه مر بتجربة اعتقال لدى "شتازي" وهي وزارة أمن الدولة في ألمانيا (الشرقية 1949 - 1990) المعروف اختصارا بشتازي وهي اختصار للكلمة الألمانية Staatssicherheit وتعني حرفيا أمن الدولة، ليحدثنا عن فلسفة المتحف، وأهمية مواجهة الماضي في بناء المستقبل.
تاريخ الألم سلاح للمستقبل
عملت الحكومة الألمانية إبان الوحدة عام 1990 على حفظ تاريخ ألمانيا الشرقية بشكل متوازن، وأنشأت لهذا الهدف متاحف ومراكز توثيق لتسليط الضوء على الحياة اليومية والنظام السياسي في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، كما فتحت ملفات جهاز الأمن "شتازي" لتعزيز الشفافية والمصالحة. ورغم تجديد أو إزالة بعض الرموز المعمارية للنظام الاشتراكي، تم الحفاظ على معالم أخرى كجزء من الذاكرة الوطنية ولا يزال النقاش المجتمعي بشأن إرث ألمانيا الشرقية حاضرًا اليوم، خاصة مع ظاهرة "النوستالجيا الشرقية" أو ما يُعرف بـ"أوستالجي".
وفي هذا السياق يقول شتورتسه لموقع تلفزيون سوريا: "لم نرغب في طمس هذه الحقبة أو التستر عليها، كان القرار واضحا منذ البداية بأن هذه الأماكن يجب أن تظل قائمة، لا كرمز للقمع، بل كتحذير للأجيال القادمة، في متحف شتازي، نحن لا نعرض فقط مكاتب الضباط وأجهزة التنصت، نحن نعرض قصص البشر، ويمكن للزائر أن يشاهد وثائق تظهر كيف كان الجار يراقب جاره، وكيف فقد آلاف الأشخاص حريتهم بسبب كلمة أو موقف سياسي".
أوضح شتورتسه أن المتحف يعتمد على برنامج تربوي دقيق يضمن أن تكون الزيارة تجربة تعليمية عميقة وليست مجرد جولة سياحية، فقبل قيام الطلاب بزيارة المتحف، يدرسون في مناهجهم حقبة النازية وحقبة ألمانيا الشرقية، ويدرسون شهادات حقيقية لضحايا الأنظمة القمعية وهنا يجب العمل على تضمين حقبة الجرائم في سوريا في المناهج التعليمية حتى يدرك الطلاب هول ما شهدته المعتقلات في سوريا فمثلا سجن صيدنايا الذي استخدمه نظام الأسد لتقطيع جثث معارضيه وإذابتها في الأحماض، وتم العثور على إحدى الوثائق التي ضمّت نحو 30 ألف عملية إعدام، يمكن أن يتم تحويله لمتحف أشبه بمتحف شتازي.
"وشدد شتورتسه على أهمية تضمين جرائم الأسد في المناهج التعليمية "نحن نؤمن أن زيارة الموقع من دون فهم خلفيته التاريخية قد تترك أثرا عابرا، أما حين يأتي الطالب وهو يدرك القصة الإنسانية خلف كل مكتب وجدار، فإن التجربة تصبح جزءا من وعيه الشخصي ويدرك مخاطر تكرار التجربة على البلاد لأنها ستدمر ما تم بناؤه خلال زمن طويل".
كيف تبدأ الديكتاتوريات؟
ينظم متحف شتازي سلسلة من الورش التفاعلية التي تهدف إلى إحياء تجربة الحياة تحت المراقبة القمعية في ألمانيا الشرقية، وتشمل هذه الورش محاكاة لأساليب الاستجواب التي كان يعتمدها جهاز الأمن، وتحليل نماذج حقيقية من ملفات المراقبة السرية، كما تقدم ورش عمل حول قضايا الأمن الرقمي والخصوصية، مستلهمةً من ممارسات الرقابة الجماعية آنذاك، ويتيح برنامج الورش للزوار المشاركة في إعادة تمثيل مشاهد من الحياة اليومية في ظل سيطرة شتازي، بالإضافة إلى لقاءات مباشرة مع سجناء سياسيين سابقين وشهود عيان، مما يوفر تجربة تعليمية حية تعزز الوعي بتاريخ القمع وأساليبه.
وتهدف الورشات وفقا لشتورتسه إلى تحفيز التفكير النقدي لدى الزوار "نسألهم كيف تبدأ الديكتاتوريات؟ ما الذي يجعل مجتمعات بكاملها تتخلى عن حريتها؟ وماذا يمكن للفرد أن يفعل اليوم لحماية الديمقراطية على سبيل المثال لا الحصر، ومن ضمن الأنشطة، يقرأ الطلاب رسائل سرية كتبها معتقلون، أو يحللون ملفات مراقبة حقيقية، ويشاركون في مناقشات مفتوحة حول الحرية والخصوصية في العصر الرقمي، فالمتحف ليس فقط مكانا للذكرى بل مساحة للنقاش الحي حول قضايا الحرية والحقوق المدنية لتحصين مجتمعنا ضد الوقوع في الأخطاء نفسها مجددا."