تناوب اللبنانيين (..والسوريين) بين الطائفية والعنصرية

تاريخ النشر: 29.04.2018 | 00:04 دمشق

في كلمة وجهها رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، عشية الانتخابات النيابية، دعا مواطنيه إلى نبذ "من يؤجج المشاعر الطائفية والعصبيات". والحال، أن كلام الرئيس إذ يصيب معظم الزعماء السياسيين وأحزابهم، إلا أنه يطال في الصميم تاريخ الحزب الذي أسسه الرئيس نفسه، خصوصاً السياسات التي اتبعها منذ العام 2006، إثر تفاهمه الشهير مع "حزب الله". فطوال 12 عاماً اتسم خطاب "التيار العوني" بمنسوب مرتفع من التحريض المذهبي والطائفي العلني والسافر، وبسعي دؤوب على تغذية الخوف في نفوس المسيحيين والتهويل عليهم، والترويج لنظرية "حلف الأقليات". ومع نجاح هذا الخطاب في استقطاب شريحة واسعة من المسيحيين، استجابت بالمقابل الطوائف الأخرى، وتبنت خطاباً مماثلاً في التحريض والتخويف المضاد.

هذا المزيج الفتاك من المشاعر الطائفية والخوف من "الآخر"، أفضى إلى اشتعال الكراهية المتبادلة بين الجماعات اللبنانية، وتبادل الشك والحذر فيما بينها إلى حد العداوة. وعلى الرغم من أن "حزب الله" استطاع أخذ الطائفة الشيعية بعيداً عن "الإجماع الوطني" الذي تحقق تدريجياً طوال التسعينات وحتى لحظة الذروة في ربيع العام 2005، إلا أن "التيار العوني" هو الذي أسهم على نحو فعال في تحطيم هذا الإجماع وتشظيته، عبر مقولة "حلف الأقليات" بمواجهة السنّة.

والأصل في العقلية السياسية لهذا التيار هو اليمين المسيحي المحافظ والفاشي، الذي ساد بالقرن العشرين في دول أميركا اللاتينية وبعض دول جنوب أوروبا على مثال ديكتاتورية فرانشيسكو فرانكو في إسبانيا. والنسخة اللبنانية من هذا اليمين المسيحي متخمة بأساطير وحقائق تاريخية عن اضطهاد مسيحيي الشرق، طوال عهود الإمبراطوريات الإسلامية، يتم دوماً استدعاؤها واستثمارها على نحو انتقائي ونفعي، يضاف إليها قناعة راسخة بأن المسلمين ليسوا فقط متمنعين عن "الحداثة"، بل هم أيضاً غير مؤهلين لدولة المواطنة والمساواة و"العلمانية"، وبالتالي لا يجوز التعايش معهم إلا وفق "ضمانات"، ومن الأفضل في هذه الحال أن تكون الضمانات عبارة عن "امتيازات" للمسيحيين تمنحهم طمأنينة الوجود.

والحق يقال أن المسيحيين اللبنانيين، وعبر تأسيس الجمهورية، استطاعوا بناء دولة حديثة منفتحة، تتمتع بحريات واسعة، ويزدهر فيها التعليم والصحافة والفن، ويتميز اقتصادها بالحيوية والنشاط وتراكم الثروات، والأهم هو نظام سياسي ديموقراطي يشهد تبادلاً للسلطة، على نحو يتيح وجود رؤساء سابقين على قيد الحياة، في محيط دول عربية حيث كل رئيس سابق فيها إما ميت أو سجين أو منفي. إلا أن عطب هذه الجمهورية الجذابة كان كامناً في فشل الدولة الوطنية بتوسيع المساحة المشتركة خارج الطوائف، حيث من المفترض ولادة المواطنة والمساواة والهوية المدنية، الحديثة والمركبة. كان فشلاً ذريعاً في الانتقال من طور "الاعتراف المتبادل" للجماعات، وما فيه من إقرار بالهويات الأهلية والدينية والإثنية والتاريخية.. إلى طور الهوية المصطنعة والمركبة والجامعة. فكانت الحرب الأهلية، وما تناسل منها كحروب إقليمية، نتيجة حتمية لذاك الفشل.

كان خطاب التحريض الطائفي هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق شعبية انتخابية وقوة تمثيل شرعية

لم يستطع "اتفاق الطائف" (1989)، الذي أنهى حقبة الحرب، التغلب على ذاك الفشل التاريخي. بل إن تعثر تطبيقه وعدم الالتزام به نصاً وروحاً وتطلعات، أفضى إلى تصليب الهويات الطائفية والمذهبية على نحو أشد بكثير مما كانت عليه "الجمهورية الأولى".

هذا هو لبنان في الوقت الراهن، حيث السياسة هي فقط منازعات وتسويات مستمرة بين الطوائف، وتحت الخطر اليومي بوقوع الفتنة. وفي السنوات الأخيرة، كان خطاب التحريض الطائفي هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق شعبية انتخابية وقوة تمثيل شرعية. من يبدو حريصاً أكثر ومتطرفاً أكثر في الذود عن مصالح طائفته، وفي ذم الطوائف الأخرى، ينال تأييداً أكبر من أهل ملته وجماعته.

في هذا الفضاء المسموم والمليء بالبغض الطائفي والضغينة المذهبية، تهيمن ثقافة "التمييز"، التي تشوبها خرافات "التفوق" أو "المظلومية" أو "الغبن" أو "التهميش"، إلخ. وينتج عن تلك الثقافة، لغة الكراهية والتنابذ والبغض، وتتحول إلى معطى أخلاقي ثابت، ليس محصوراً فقط بالبعد الطائفي. فأخلاق التمييز الراسخة تتحول إلى عنصرية تلقائية، تصيب عاملة المنزل الفلبينية أو الأثيوبية أو البنغلادشية، أو الأفريقي الأسود، أو السائح الخليجي، أو العمال المصريين أو سكان المخيمات الفلسطينية، أو مطلق "غريب"، حسب عبارة سادت أدبيات اليمين المسيحي إبان الحرب. ويمكن ملاحظة أن عقلية التمييز تتوسع لتشمل التمايز الطبقي والثقافي، فيسع المسيحي أن يتمسك بخرافة "المسلم المتخلف والفقير"، ويسع السنّي أن يتمسك بخرافة "الشيعي الفلاح والأمي غير المتمدن" ويسع الشيعي أن يشهر "شرف المقاومة والتحرير" بوجه الطوائف الأخرى الكافرة والعميلة والمتخاذلة، فيتجبر عليها ويستقوي بفائض سلاحه وميليشياته، إلخ.

وإذا وضعنا كل هذا في سلة إعلام سمته الأولى الإسفاف والابتذال وإثارة الغرائز واللهاث خلف إرضاء جمهور موتور وطائفي، يأتي الناتج على شاكلة برامج "ترفيهية" بذيئة ومنحطة وفضائحية، موغلة بالعنصرية والتفاهة. ومن بطن هذا الإعلام، يولد الكثيرون من أمثال شربل خليل وكليباته الغنائية المتخمة بالتحقير والكليشيهات العنصرية الموجهة ضد اللاجئين السوريين. وهي في مضمونها، تقدم السوري على صورة الشاب الفقير والأمي والمتخلف حضارياً النازح إلى لبنان والذي ينجب أعداداً كبيرة من الأطفال. وهو المضمون نفسه الذي كان في الأصل نظرة اليمين المسيحي وبعض أهل السنّة إلى الشيعي اللبناني النازح من الأرياف إلى المدينة، وفي حقبات أقدم، كانت هي نفسها نظرة المسيحيين الأرثوذكس من أهل المدن إلى النازحين الموارنة من الجبال إلى الساحل.  

النازحون السوريون اليوم هم مادة "التمييز"، ومادة التحريض المتعمد من قبل أحزاب وزعماء سياسيين يرهنون شعبيتهم وشرعية سلطتهم ومكانتهم بالقدرة على التجييش والتعبئة والتخويف. فزاعة "التوطين" التي استخدمت منذ أواخر الستينات لشد العصبية المسيحية ضد الفلسطينيين، ترفع اليوم أيضاً ضد النازحين السوريين. وفاعلية تلك الفزاعة ليست قائمة على أساس قومي – إثني، فخطر التوطين مصدره الخوف من تفاقم الاختلال في الديموغرافيا الطائفية لصالح المسلمين السنّة.

بطبيعة الحال، تشترك في هذا الرهاب شرائح واسعة من اللبنانيين ومن مختلف الطوائف، فخطاب العنصرية الشعبوي يتلاعب أيضاً بهواجس الناس وأسباب مشكلاتهم اليومية، فأزمة الكهرباء وأزمة المواصلات وشح مياه الشرب، واهتراء البنى التحتية وغلاء الأسعار وارتفاع بدل إيجارات البيوت، وتفاقم البطالة، ووقوع الجرائم.. هي كلها من صنع النازحين السوريين ووجودهم في لبنان. النازح السوري هو العائق الوحيد بين اللبناني والحياة الهانئة! 

ما يحيلهم إلى كتلة بشرية محاصرة ومخنوقة بالفقر والعوز والمذلة في مخيماتها

ليس صدفة أن يكون هؤلاء على الأغلب من التيار العوني، ومن دون تبرئة الأحزاب والبيئات الأخرى. فـ"العونية" لا تنضح سوى بالحنين إلى زمن الغلبة المسيحية و"لبنان المسيحي"، رغم التحالف الانتفاعي مع "حزب الله" الشيعي، الذي قال أمينه العام: "لن نقبل أن نعود ماسحي أحذية" في إشارة باهرة إلى "الزمن المسيحي الجميل" إياه.

الطائفية بين اللبنانيين أولاً، وهي كراهية وحقد وضغينة لبنانية – فلسطينية ثانياً، تظهر في قوانين شديدة التعسف والعنصرية تجاه اللاجئين الفلسطينيين عبر ستة أجيال على الأقل، وهم المحرومون من معظم الوظائف ومن معظم المهن والحقوق المدنية. ما يحيلهم إلى كتلة بشرية محاصرة ومخنوقة بالفقر والعوز والمذلة في مخيماتها. ولا يشفع بهم العروبيون والممانعون الذي يحبون فلسطين (الافتراضية) ويمقتون الفلسطينيين (الحقيقيين).

وهي الآن العنصرية تجاه السوريين. ويسكت الشطر الأكبر من اللبنانيين، المتذمرين من كثرة النازحين، عن حقيقة الدور الإجرامي للبنانيي "حزب الله" في تهجير السوريين إلى لبنان بالذات، بعدما اقتحموا قراهم ودمّروها. وينكرون بهذا المعنى مسؤوليتهم المباشرة عن تحويل السوريين إلى "نازحين". لا يريد اللبنانيون أن يروا حقيقة شراكتهم الفعلية، بواسطة طائفة كبرى، مع النظام الأسدي في إنزال هذه النكبة بالسوريين. هذا الإنكار سيكون مأزقاً أخلاقياً طويل الأمد وبعواقب وخيمة.

لكن الأفدح من هذا المشهد اللبناني هو ما اكتشفه السوريون في أنفسهم، فالعنصرية اللبنانية تكاد تكون نزقاً تافهاً إزاء عنصرية النظام الأسدي وطائفيته. فمن المستحيل تقريباً أن يتمتع النظام بالقدرة على الإبادة وعلى استخدام البراميل المتفجرة وعلى اللجوء إلى الأسلحة الكيماوية، وعلى استدعاء المرتزقة والميليشيات والجيوش الأجنبية لمحاربة شعبه بالذات، لولا تشبعه حتى النخاع بثقافة عنصرية وبكراهية طائفية فائضة. العنصرية العميقة وحدها تمنح النظام هكذا قدرة على ارتكاب الفظاعات. الطائفية الراسخة هي وحدها التي تمنح النظام "حاضنة شعبية" على هذا القدر من الطواعية في تنفيذ المجازر والوحشية. من يقرأ ويسمع ويشاهد خطاب الموالين للأسد ينتبه لشدة شبهها بخطاب العنصريين اللبنانيين.

عنصريو لبنان وسوريا هم نظام الطائفية هنا ونظام الاستبداد (المذهبي) هناك

والأسوأ من ذلك، أن السوريين أيضاً اكتشفوا في أنفسهم، عنصريات بغيضة كانت تحت جلدهم وباتت الآن جروحاً متقرحة، عنصرية جهوية وعشائرية كانت تصيب أهل درعا أو أهل دير الزور، وكانت تصيب أهل حمص، وتبدو في تلك الحزازات الحلبية الدمشقية، وهي شبه حروب عربية – كردية...  

عنصريو لبنان وسوريا هم نظام الطائفية هنا ونظام الاستبداد (المذهبي) هناك، هم أيديولوجيا تتقنع بالعلمانية والحداثة، هم "الطائفيون" الذين تقطر أرواحهم سماً وضغينة واحتقاراً لكل من ليس من ملّتهم، الذين باسم "خوفهم" يتمنون إبادة كل "غريب"، المتعصبون بثقافتهم التمييزية والطبقية وتشاوفهم الأجوف، وأوهامهم عن "التمايز"، الذي تحول إلى انحطاط مدقع. 
عنصريونا اللبنانيون شركاء نظام بشار الأسد في حملة قتل الشعب السوري كله وترويعه وإخضاعه. إنهم الذين ينكرون على السوريين كل حرية وكرامة، ويريدون تأبيد مذلته وانسحاقه تحت نير الاستبداد، كي تبقى صورة السوري الذي يحتقرونه، صورة الخائف والمهان من رجل المخابرات، تماماً كما خبروا هم في لبنان لثلاثين عاماً. شركاء نظام يعرفون أكثر من غيرهم قذارته وسفالته وإجرامه ويريدونه مؤبداً في الوقت ذاته، متسلطاً على شعبه.

يحبون هذه الصورة لأنها تمنحهم أسباب حقدهم العنصري، هؤلاء العنصريون يلحقون العار بكل الشعب اللبناني، إذ يسبغون عليه صفات النذالة والاستقواء على الضعفاء، الكارهين للآخر.. ولا يضاهيم في ذلك سوى عنصريي عصابة الأسد ومواليه. وإذا كان من فضيلة في مظاهر العنصرية اللبنانية ووقائعها، فهي "علنيتها" وحسب، بالمقارنة مع عنصريات وطائفيات شعوبنا العربية المستترة خلف شعارات "الأخوة" و"الأشقاء" و"الأمة الواحدة" وباقي الترهات الشعرية، التي ما منعت يوماً حروباً كبرى وفتناً ومذابح ومقابر جماعية وخراباً عميماً ومجتمعات ممزقة. 
 

كلمات مفتاحية