تمثال لتكريم ملحمة الانتظار

تاريخ النشر: 24.03.2022 | 05:28 دمشق

نعرف نحن السوريين ما يكفي ويفيض عن ملاحم الانتظار، ولدينا من الحكايات عنها الكثير، مما لم يُدوَّن بعد. السجون والمعتقلات التي غيبت مئات الآلاف على مدى نصف قرن، تروي حكايات شخصية مريرة عن معتقلين. ولكن مقابل كل واحدة منها، هناك حكاية غير مروية عن الانتظار. وحكاية السجن على مرارتها، ليست أكثر مأساوية من الثانية التي بقيت حتى اليوم هامشية إلى حدٍّ ما في مروياتنا. انتظار قد ينتهي باللقاء بعد سنوات، لكن في آلاف الحالات، السجن ابتلع أصحاب الحكايا وبقيت حكاية الانتظار تتردد حتى اليوم لدى أمهات وآباء وزوجات وأبناء. لكن ليس هذا ما سأكتب عنه اليوم، فالأمر لا تستوفيه مادة صحفية.

كان أن زرت العاصمة الأوكرانية "كييف" قبل أقل من عام. هناك على أحد الجسور في حديقة "ماريينسكي" كان ينتصب تمثال برونزي مُتقنٌ لعجوزين يضمان بعضهما بطريقة لافتة، تمثال لحالة غير مألوفة في هذا الحقل. بلغتي الإنكليزية المتواضعة، حاولت قراءة اللوحة قرب التمثال: "كان ذلك في عام 1943. هو أسير إيطالي، هي أوكرانية مختطفة للعمل بالسُخرة. التقى لويغي بيدوتو وموكرينا يورزوك في معسكر اعتقال في النمسا وقضيا عامين معًا. جمعتهم الحرب، وفرقتهم الحرب. سيتذكر لويغي الأوكرانية الجميلة مع النمش على خديها طوال حياته. وسيجدها بعد 60 عاماً, سيلتقيان عام 2004، ليكشفوا للعالم أن الحب ينتصر على المسافات، ويتغلب على الوقت، ويهزم الحرب". لم تكن معلومات اللوحة كافية لإرواء الفضول، إلا أنها ولّدت لدي الإحساس أن خلف التمثال حكاية انتظار من النوع الذي يستهويني ويدفعني للمتابعة. في الحديقة فعلت كما كان يفعل الجميع، التقطت صورة قربه، ولكن فاتني أن أضع زهرة على قاعدته، كما كان يفعل البعض.

على مرِّ التاريخ لم تنته معظم قصص الحب الرومانسية بحفلات الزفاف، خاصة في سنوات الحرب. لكن علاقة هذا الثنائي بالغة الخصوصية، فقد منحت صاحبها قوة لا تصدق للبحث عن الطرف الآخر، متجاهلاً العمر والمسافات الفاصلة. بدأت القصة قبل عقود. لتتحول اليوم إلى مايشبه "ميلودراما رومانسية" سيجد المرء صعوبة في نسيانها، وسوف لن يمل من إعادة سردها مراراً. "تعلمت أن أقول: أنا أحبك، باللغة الإيطالية. الكلمة التي لم أقلها بهذا الشكل قبله" تقول موكرينا. التقى الإيطالي لويغي بيدوتو مع الأرملة الشابة موكرينا يورزوك لأول مرة عام 1943 في معسكر الاعتقال "جلانستوك" قرب مدينة "سانكت بولتن" شمال شرقي النمسا، هو أسير حرب يبلغ من العمر 21، وهي شابة عمرها 23 عاماً. كانت كالكثيرات، مُختطفة من بلدها أوكرانيا للعمل بالسخرة، مع ابنة صغيرة ولدت في المعسكر النازي. سريعاً سيلفت كل منهما نظر الآخر، ليبدأا التخطيط للعيش معاً بعد الحرب. كان الجو شديد البرودة في المعسكر، فراح لويغي يقدم ملابسه لموكرينا وابنتها ناديا لتحميهما من البرد، ولأن الطفلة لم تكن تحصل على حصة من الطعام، فقد تشاركا طعامهما مع الطفلة.

عام 1945 وخلال تحرير النمسا، عندما بدأ القصف يقترب من المعسكر، أخذ لويغي ناديا بين ذراعيه وهرب مع موكرينا واختبؤوا في حقل ذرة. لم يخرجوا لمدة عشرة أيام ، أكلوا خلالها الذرة والبطاطا النيئة. كان لويغي يطحن درنات البطاطا النيئة بأسنانه، حتى تتمكن ناديا الصغيرة من أكلها. عندما اقترب الجيش السوفييتي منهما خرجا لمقابلة الجنود المحرِرين. كل الحجج التي قدمها لويغي لهم، لم تساعده كي يبقى برفقة "ماريا" وكان هذا اسمها الجديد الذي أطلقه عليها وأحبته، فتم إرساله إلى إيطاليا، وسيقت موكرينا إلى أوكرانيا. سيكتب بعدها العاشق الإيطالي كثيرا من الرسائل إلى السفارة السوفييتية، دون أن يحصل على أي جواب. كان ستار ستالين الحديدي قد عزل الاتحاد السوفييتي عن العالم، ولذا لم يستطع أيضاً السفر للقاء حبيبته. عملت موكرينا في إحدى المزارع الجماعية في قريتها الأوكرانية وتزوجت وأنجبت طفلين آخرين. وكذلك فعل لويغي بعد يأسه من لقاء ماريا.

بعد ما يقرب من 60 عاماً، وكان كلاهما قد أصبح أرملاً، لجأ لويغي بيدوتو عام 2004 إلى وسائل الإعلام، على أمل مساعدته في العثور على ماريا. بمساعدة جارةٍ أوكرانية، تواصل مع البرنامج التلفزيوني "انتظرني" الذي يبث في روسيا وأوكرانيا. انتظر أشهراً وبعد أن اقترب من اليأس، اتصل به معدوا البرنامج، ليطلبوا منه الحضور إلى موسكو، دون أن يخبروه أنهم وجدوا حبيبته. في الجهة الأخرى، عندما وصل فريق البرنامج إليها، طرق الصحفيون باب موكرينا، وسألوها "هل تعلمين من يفتّش عنك؟" ليتفاجؤوا بجوابها الفوري الذي أطلقته دون لحظة تردد: "لويغي بيدوتو من إيطاليا". إنه الرجل الذي احتفظ بخصلة من شعرها، ووعدها عندما افترقا أنه سيعيدها لها. جاء الإيطالي إلى موسكو لتصوير البرنامج، وعندما أخبره المذيع أن موكرينا موجودة هنا، وستدخل الاستوديو، بكى فرحاً، وركع على ركبتيه مردداً: "شكراً لك يا رب". عندها كان العاشق الذي لم يكبر قد بلغ من العمر 82 عاماً. "لا يزال لديكِ نفس النمش على وجنتيكِ" سيقول لموكرينا. ليسحب بعدها كيساً قماشياً من جيبه ويقدمه لها أمام الكاميرا. في الكيس الصغير احتفظ بخصلة شعرها، وأوفى بوعده.

لمدة 9 سنوات بعدها، طار "الإيطالي المجنون" إلى موكرينا في كل عام، فهي لم توافق على عرض الزواج والانتقال إلى إيطاليا. كان مستعداً لو وافقت، أن يشتري منزلاً بالقرب من منزلها في أوكرانيا، وكانت على الدوام تجيب "لقد فات الأوان". في عام 2006 ستزور ماريا إيطاليا. هناك استقبلها رئيس بلدية "كاستل سان لورينزو" بلدة لوينغي، ومنحها لقب المواطن الفخري. أما هو فكان يأتي إليها في زيارة صيفية طويلة كل عام، يقيم معها، يساعدها في الأعمال المنزلية، ويقوم بإعداد الوجبات الإيطالية وهو يغني، وسط دهشة الأبناء والأحفاد. في تلك الأثناء، قرر الأوكرانيون، الذين أعجبوا بقصة حب لويغي وموكرينا، تخليدهما بتمثال البرونز، كُلف النحات الأوكراني ألكسندر مورغاتسكي بتنفيذه وساعده مواطنه غريغوري كوستيوكوف. سيتم الكشف عن التمثال في 7 مايو/أيار 2013، عشية الاحتفال بيوم النصر.

أزاح لويغي، وهو يرتدي ثياب المراسم للجنود الإيطاليين، بنفسه الستار عن التمثال. قال للصحفيين وهو يبكي: "عندما كنت في التاسعة من عمري، قال لي أستاذي: خلال الأوقات الصعبة من حياتك، تذكر على الدوام، أنه سيأتي يوم وتحصل على مكافأتك. أشعر اليوم أنني كوفئت على كل ما تحملته". أخيراً تمثال لأناس عاديين، بعد أن كانت التماثيل في المدينة لتكريم الجنرالات. مع مرور الوقت سيتحول التمثال لدى سكان كييف إلى ما يشبه حالة أسطورية. يقولون هناك : "للعثور على حب حياتك، عليك أن تذهب للتمثال، وتفرك بيدك سترة لويغي". بعد أربع سنوات، تم إزاحة الستار عن نسخة أخرى من التمثال في مسقط رأس لويغي بيدوتو. ما يقرب من نصف سكان البلدة حضروا الاحتفال.

في صيف عام 2013، كانت موكرينا تنتظر، كالعادة، زيارته في أغسطس/آب. نظفت المنزل، وأعدت الصحف الإيطالية، التي أحضرها في زيارات سابقة. وكانت تسأل أحفادها كل يوم عما إذا كان قد اتصل. لم يستطع أياً منهم إخبارها أن لويغي مات. نوبة قلبية أودت به خلال نومه. بجانب السرير، كانت هناك حقيبتان جاهزتان، وعلى الطاولة تذكرة سفر إلى كييف، وقربها علبة صغيرة فيها خاتم. عندما تجرؤوا وأخبروها انفجرت ماريا بالبكاء مرددة: "يسير القدر دائما على هذا النحو. الرجال يذهبون أولاً". توفيت ماريا بعد عامين، ودُفنت في مقبرة قريتها "فيرابوفو". تقول حفيدتها غالينا يميليانوفا "غالباً ما كانت جدتي تعيد سرد قصة حبها، لكنها لم تكن تحلم أبداً بمقابلة صديقها الإيطالي مرة أخرى". مات العاشقان، لكن الحياة كافأت انتظارهما. هاهما مازالا متعانقين هناك. فوق جسر حديقة ماريينسكي، في مدينة كييف.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار