تقول الحكاية...

تاريخ النشر: 08.02.2020 | 23:02 دمشق

آخر تحديث: 11.02.2020 | 13:18 دمشق

لأننا محض حكاية، تبدأ وتنتهي، قد تُحكى وقد لا تُحكى، وقد تبدأ وتستمر، وقد تنتهي بصمت، وهي على الأغلب ستمضي بصمت، فالحكايات لها سوقها أيضاً، ولها أسعارها، ولها سماسرتها.

ولأننا محض حكاية، حكاية لا تهم أحداً؛ فلنحكِ حكايتنا ونسمعها، لنجلس في عزلتنا ولنستمع إذاً إلى حكايتنا.

تقول الحكاية:

في 30 من ديسمبر (كانون الأول الماضي) بعث طبيب العيون في مشفى "ووهان" الصينية "لي وينليانغ" رسالة، عبر دردشة جماعية، إلى زملائه الأطباء يحذرهم فيها من انتشار فيروس ما، وينصحهم بارتداء الألبسة الواقية؛ كي يتفادوا العدوى.

أما الطبيب ذاته فقد داهمه تحذير من سلطات عابسة، واصفة إياه بأنه معاد لأهداف الثورة، وينشر إشاعات مغرضة (توهن نفسية الأمة)، وتأمره بأن يخرس فوراً.

لكن الطبيب الذي كان يشاهد بأم عينه، من خلال عمله في المشفى، كيف ينتشر الوباء، قد أصر على أن يعيد حديثه عن احتمال انتشار فيروس ما؛ الأمر الذي دفع من يسهر على صحة الأمة ورخائها- إلى أن يوجه بعد أن حذر- فاستدعت الشرطة المحلية الطبيب، وأمرته أن يبصم على تعهد قد كُتب فيه:

نحذرك بشكل رسمي: إذا تماديت في عنادك بهذا القدر من الوقاحة، وتابعت هذا المسلك غير القانوني؛ فسوف تمثل أمام العدالة. هل هذا مفهوم؟

في أسفل التعهد كتب "وينليانغ" بخط يده: نعم مفهوم. وبصم على ورقة التعهد.

وبُصم على فمه؛ فقد أجبروه على الصمت، لكن لأيام قليلة فقط، فقد انتشر الوباء؛ واضطرت السلطات المحلية إلى الاعتراف به وبانتشاره، وأعلنت حالة الطوارئ، وعزلت المدينة، وراحت أعداد المصابين تزداد كل يوم، وأعداد الموتى كذلك.

وفي رسالة له من سرير مرضه أرسل "وينليانغ " رسالة يشرح فيها مرضه وحالته؛ فقد تشجع بالمرض الذي قد أصيب به، وهو: الطاعون، وتشجع باليأس كذلك؛ لأن أمه وأباه قد أصيبا بالمرض نفسه؛ فما عاد يخاف، وأرسل رسالته التي فعّلت تضامن

الحكومات الآمرة المتغطرسة لا تتوانى، ولا تتعب، ولا تهمل، ولا تمرض، ولا تصاب بأي مصيبة؛ ما دامت هي المصيبة المجلجلة؛ فلا يمكن لأي فيروس أن ينقص من هيبتها

العالم معه، وهو الطبيب الذي نبه من الخطر وحذر، لكن الإرادات العلية ظلت على علوها كعادتها، فلا ترمش لها عين إلا بعد أن يقع فأسها برأس البشر، كما يقولون،... ولأن الحكاية بطبيعتها تحتمل الكثير من الفواجع، وتولدها أيضاً، فقد تناقلت الأخبار مساء الخميس خبر وفاة الدكتور "وينليانغ" متأثراً بإصابته بالفيروس "كورونا”.

ولأن للحكاية فصلها المخفي، وهو أمر مألوف في الحكايات جميعها؛ فقد غضت الطرف عن أن نفس ضابط البوليس الذي استدعى الطبيب ذاته، والذي أمر الطبيب أن يختار بين الصمت أو المحاكمة، هو نفسه يرقد في المشفى مصاباً بالفيروس عينه؛ هذا لأن الحكومات الآمرة المتغطرسة لا تتوانى، ولا تتعب، ولا تهمل، ولا تمرض، ولا تصاب بأي مصيبة؛ ما دامت هي المصيبة المجلجلة؛ فلا يمكن لأي فيروس أن ينقص من هيبتها.

وفي حكاية أخرى- والحكاية تجر ما يشبهها من الحكايات- تحكيها وعد الخطيب في فيلمها "من أجل سما"، وهو فيلم يحكي عن حلب وحلم الثورة... وعن الموت والجوع والحصار، وعن شعب يُباد مرة بعد مرة... وعن جيل يولد في العتمة والغبار، ويفتح عينيه على مشهد الطائرات التي ترمي موتها فوق الشوارع الضيقة والبيوت المتلاصقة الخائفة.

هنا، ستغدو الحكاية موجعة إلى الحد الذي لا يمكن أن يُقال؛ فيغور الصوت والكلام ولا يجهش؛ فلا يتمكن أحد من أن يسمع عواء الروح المخنوق، حين يتابع كاميرا وعد الخطيب وهي تمشي في شوارع حلب المحاصرة، وهي تختزن وجوه الأطفال المفجوعة بموت أحبتهم، وتعرضها، أطفال يقفون في ممرات المشفى بعيونهم الدامعة المتلهفة التي تستغيث بأحد ما، من أحد ما، أن ينتشل من جوف الموت أخاً لهم، أو أماً، أو أباً. وسيبكي هذا الأحد  مثلهم، وقد تبكي أنت، وسيمشي يائساً ومحبطاً ومقهوراً كأب يحمل بين ذراعيه جثة طفله الذي قتلته طائرة لا تزال تحلق فوقه؛ فهي تستعد لحملة موت أخرى، ثم يركض عندما يبدأ القصف المجنون، وقد يطحن بأسنانه رملاً قد ألقته بفمه الفاغر من حيرة وهلع طائرة تقصف قصفاً أعمى، وقد تطحن بأسنانك رملاً... وسيبكي، وستبكي، وعندما يتعب هو، وتتعب أنت؛ لابد أن يقطع الفيلم عن دورانه؛ لأن روحك، ولأن روحه، لم تعد قادرة على النزف؛ ولابد أن يضع الغطاء فوق رأسه- هذا الأحد، أي أحد- ويتكور، ولابد أن تضع أنت الغطاء فوق رأسك، لينتحب كطفل فريد لم يعد له أحد في هذا العالم.

غير أن الحكاية لا تقف هنا؛ ففي فصلها الأخير تزفر الروح ما تبقى منها؛ فالبلاد التي تلتاع من أجلها، والبلاد التي تحن إليها حنين القطا، منهوبة ومستباحة من أقصاها إلى أقصاها، وأنت يا أنت!! تدور في عبث هذا العالم وتصرخ، وتستغيث، وتناشد.

هنا لم تعد الحكاية حكاية؛ فلا شيء فيها يمكن أن يصدق، ولأن كل ما فيها غريب وفاجع، ولأن الحكاية هنا تحكي عن موت لا يشبهه أي موت، وعن مدن لا تشبهها أي مدن، وعن بيوت تبكي بحرقة، وعن مدن يصرخ أهلها الذين اندثروا أو رحلوا، وعن بيوت ما تزال رائحة الخبز عالقة على جدرانها، لكنها هكذا فجأة أمست مهجورة.

 هل سمعتم عن إخوة يحتلون إخوة؟ وهل سمعتم عن جنود يحتلون بلادهم ويسلمونها لمحتلين؟ وهل سمعتم عن دروب تغص بالهاربين من بلادهم؟ ومن جنود يفترض بهم أن يكونوا سياج وطن وحماة مواطنين.. ولكنهم ليسوا كذلك؛ فيهرب الهاربون منهم إلى حيث لا يعلمون.

ولأن الأمر كذلك، ستغلق كتاب الحكاية؛ فقد جمد

هنا ستخلع روحك، وستلعن الحكاية كلها، وستصرخ أن هذا العالم عاهر بما فيه، وستعلن أنك كافر، وأنك ستحاسب من كنت تظنهم إخوة لك على كل دمعة قهر

معنى الحكاية بعد فورانه، ولم يعد في تفاصيل الحكاية ما يحيي دهشة العين بعد أن تجمدت بدهشتها، ولم يعد فيها ما يجعل الجرح الغائر في الروح ينزف بعد أن جف، وتحجر الأنين الذي بلا نهاية في ليل هذا القهر الذي يزداد كثافة حتى تكاد تزيحه بيديك...

هنا ستخلع روحك، وستلعن الحكاية كلها، وستصرخ أن هذا العالم عاهر بما فيه، وستعلن أنك كافر، وأنك ستحاسب من كنت تظنهم إخوة لك على كل دمعة قهر...

وهنا لابد أن تخبر الأنبياء: أنك لم تعد تريد رحمتهم، ولا دعوتهم للمحبة والتسامح، ولابد أن تفهمهم أن هذه البشرية العاهرة لا تصلح حتى لإلقاء التحية عليها؛ فالعالم الهمجي الذي يترك هذه الهمجية المتوحشة تستبيح هؤلاء الأطفال وتفتت أجسادهم لا يستحق إلا البصاق.

وهنا ستعلن حقدك، وترفعه راية... وهنا ستعلن أنك مملوء بالقهر

 
كلمات مفتاحية
درعا.. إصابة طفلين بانفجار قذيفة من مخلفات النظام الحربية
النظام يستبدل عناصر حواجزه في غربي درعا ويرسلهم إلى تدمر
بموجب الاتفاق.. قوات النظام تدخل مدينة داعل وتُخلي حاجزاً في درعا البلد
فحص جديد في مدارس سوريا بدلاً عن الـ PCR يظهر النتيجة بربع ساعة
4 وفيات و1167 إصابة جديدة بكورونا شمال غربي سوريا
صحة النظام: تفشي كورونا شغل أسرة العناية المركزة في دمشق واللاذقية بنسبة 100%