تقزيم الائتلاف خطوة في المسار الجديد

تاريخ النشر: 08.04.2022 | 06:33 دمشق

لا تتحمل المعارضة السورية تبعات كل الانحرافات الحاصلة في المسار السياسي في الثورة السورية، فلا يد لها في الامتناع الأميركي عن إسقاط الأسد مثلاً، أو في إفساح المجال للإيرانيين ومن ثم الروس لإنقاذه وتوسيع مناطق سيطرته، أو في العودة للمفاوضات بعد تنازلها عن الشروط فوق التفاوضية التي كانت قد انسحبت من أجلها، أو في انطلاق مسار أستانا؛ في الحقيقة لا تستطيع المعارضة المفاضلة بين مساري أستانا وجنيف فالثاني لم يثمر شيئاً يذكر، ولعله سيؤدي إلى كارثة خطوة مقابل خطوة، لكنها، أي المعارضة، بدأت بالسقوط اعتبارياً منذ تأسيسها حتى يومنا هذا الذي نشهد فيه تحولها من مسار مواز للثورة السورية إلى الهامش الوحيد المتاح كمكمل تجميلي لوجه النظام السوري القبيح، وكان لهذا السقوط أسباب كثيرة منذ اعتمادها مبدأ المحاصصة في تشكيلها حتى التبعية الكاملة لدول شتى، صدّقت المعارضةُ كذبة أنها (أي الدول) أصدقاء للشعب السوري فاستقوت بدعمها على إرادته.

ولعل المَحاضر المسربة من اجتماع قيادة الائتلاف مع مسؤولي الملف السوري في الدولة المضيفة فضحت عجز الائتلاف عن القيام بخطوات كهذه من تلقاء نفسه، وإنما هو يستجيب للنصائح التي تعودت المعارضة على فهمها من وجهها الصحيح على أنها أوامر

لا يمكننا التعامل مع قرارات وتحركات شكل المعارضة هذا على أنها ناتجة عن خطط محكمة واستراتيجيات سيطرة على (المؤسسة)، فالمعارضة أقل من أن تصل لمستوى نظام استبدادي مصغر، وما الانجرار وراء كيل الاتهامات بحق البعض إلا خصومة بين مصطلحي الأمس على مصالح مشتركة انتهت صلاحيتها في عين الدول الداعمة، فالمتهم اليوم كان ضحية البارحة والعكس صحيح، وهكذا دواليك حتى يفصح مضمار كل دولة عن شخصياتها الأساسية (وقد اتضحت عدة أسماء بالنسبة لدول عدة) في نهاية غير مرضية، ولكنها باتت أقرب من ذي قبل، وما مقترح غير بيدرسون لمبدأ خطوة مقابل خطوة إلا طليعة هذه النهاية.

وليست التحولات في سلوك المعارضة، إلا مشعراً لذلك، فمن مقترح تعديل جذري للنظام الداخلي للائتلاف السوري المعارض وصل لدرجة التراجع عن فكرة إسقاط الأسد، إلى دعوة الخصوم (ثلاثة من الجي فور ورئيس الحكومة المؤقتة ومنصتي موسكو والقاهرة) في ندوة (سورية إلى أين؟)، وصولاً إلى الإقالة والاستبدال الأخيرين الذين طالا 18 شخصية في وثبة عالية على النظام الداخلي للائتلاف المعارض الأمر الذي يعتبره الكثيرون انقلاباً، خصوصاً أنها لن تكون الخطوة الأخيرة، فمن المتوقع إقرار تعديل النظام الداخلي للائتلاف بزيادة الدورة الانتخابية لسنتين قابلة للتمديد، وإضافة أعضاء جدد ربما تتجاوز أعدادهم أعداد المقالين، لكن النتيجة ستكون الوصول لائتلاف متجانس كما يريد أصحاب المصلحة في ذلك!

ولعل المَحاضر المسربة من اجتماع قيادة الائتلاف مع مسؤولي الملف السوري في الدولة المضيفة فضحت عجز الائتلاف عن القيام بخطوات كهذه من تلقاء نفسه، وإنما هو يستجيب للنصائح التي تعودت المعارضة على فهمها من وجهها الصحيح على أنها أوامر، وقرع هذا جرس السباق لأصحاب الصراع داخل الائتلاف على مبدأ (ضرر أقل، كسب أكبر)، ولولا هذا الصراع لما تسربت محاضر الجلسات ونصوص القرارات التي وشت بأسرار كثيرة، وعلى الرغم من نفي قيادة الائتلاف لها إلا أن الوقائع تؤكدها، ولما سمعنا بالفضيحة المدوية لتصريحات وزير داخلية الحكومة المؤقتة عن معلومات مؤكدة لديه بوجود شخصيات تابعة للنظام في صفوف الائتلاف، ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت الدولة المضيفة حصلت على ضمانات لحماية الائتلاف وعدم تشكيل أي جسم معارض جديد من منسقي ندوة (سورية إلى أين؟)، فهل من الممكن أن تتخذ قرارات من شأنها أن تؤدي لانهيار الائتلاف؟ وإذا كان الجواب البديهي "لا"، فمن المتوقع، إذاً، أن تتلو هذه القرارات جملة من التغييرات على مستوى الشمال السوري لحفظ ماء الوجوه في عملية الإصلاح التي تدعيها قيادة الائتلاف من ناحية وللتجهيز لبنية أكثر جهوية من ناحية أخرى، ولعل ذلك يكون على مستوى الفيالق العسكرية وشكل الإدارة المحلية وأذرع محدودة (غير سيادية) للحكومة المؤقتة، لكن ذلك كله، وإن حصل بشكله المثالي، لا يعني إصلاح الائتلاف بقدر ما يعني تقزيم الائتلاف وتحديد دوره، ويمكن قياس ذلك من حجم التمثيل السوري الآخذ بالانحسار لحساب التمثيل الأكثر محلية في الشمال السوري. وإذا كان ذلك كذلك فما المصلحة فيه؟

كانت المعارضة السورية قد أبدت موقفها الرافض، وهو موضع شك بدوره، لمبدأ خطوة مقابل خطوة، ولم يرد السيد غير بيدرسون على ذلك، لكن المعارضة استمرت في خطواتها مع المبعوث الذي يتجاهلها، وهذا ليس فقط لأن رئيس اللجنة الدستورية لا يعنيه تجاهل بيدرسون لرئيس الهيئة العليا للمفاوضات، بل لأن اللجنة الدستورية يجب أن تستمر حسب نصائح الدول الصديقة! وقد نص بيان الخارجية الأميركية التالي لاجتماع الدول المعنية بالشأن السوري في واشنطن بداية آذار الماضي على دعم عمل غير بيدرسون في اللجنة الدستورية ورحب بمبدأ خطوة مقابل خطوة، كان ذلك أشبه ببازار علني يعني أن مبدأ خطوة مقابل خطوة صار حيز التنفيذ، ومن جانب آخر، وعلى الرغم من انشغالهما بالمفاوضات الروسية الأوكرانية، فلن تغفل كل من تركيا وروسيا عن أهمية جولات أستانا، ولعل أهمية اللجنة الدستورية تأتي لتخريج أي اتفاق قد تطمح إليه الدول الضامنة عبر مسار أستانا بشكل منسجم مع مسار خطوة مقابل خطوة، ويمكننا بذلك فهم معنى هذه التغييرات الحاصلة في الائتلاف المعارض والتي قد يتلوها تغييرات في الشمال السوري، وكذلك محاولات إثبات الوجود لشخصيات معارضة من خارج الائتلاف في مؤتمرات عديدة صارت تعقد في كثير من الدول، إذ إن شكلاً جديداً يلوح في الأفق لاتفاق بين الدول الأكثر تأثيراً في سوريا وقد يسفر عن حلول بعيدة جداً عن بيانات جنيف و القرار 2254 وما ينص عليه من هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات!

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار