icon
التغطية الحية

"تفاعل حكومي سريع".. هل تكفي رقابة مواقع التواصل لوقف التجاوزات في سوريا؟

2025.06.20 | 16:37 دمشق

ساحة الأمويين
إدلب ـ عز الدين زكور
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- شهدت سوريا تفاعلاً حكومياً نشطاً مع المواطنين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مما أثار تفاؤلاً عاماً، رغم التساؤلات حول شمولية هذا التفاعل وتركيزه على القضايا الرائجة فقط.
- استجابت الحكومة بسرعة لقضايا مثل شكوى الصحفي أمجد الساري والاعتداء على الشاب خليل العموري، مما لاقى ترحيباً، لكنه أبرز الحاجة إلى قوانين صارمة لمنع التجاوزات.
- يقترح الناشطون إنشاء منصات إلكترونية للشكاوى وتنظيم لقاءات مباشرة، مع التركيز على استقلال القضاء وإصلاح الأمن لتعزيز دولة القانون.

مع انطلاق عمل الحكومة السورية الجديدة في شهر آذار الماضي، كان لافتاً التفاعل النشط للوزراء والمسؤولين، مع مختلف الفعاليات الشعبية في سوريا، وتحديداً من خلال تلقي الشكاوى المختلفة عبر مواقع التواصل من مواطنين سوريين، وهو ما كان مدعاةً للتفاؤل العام، في حالةٍ اعتبرها سوريون كسراً للحالة النمطية الخشبية، التي اتسم بها المسؤولون السوريون على مدار عقود، وتتواءم مع مساحة الحريات التي باتت تتوفر في البلاد. 

وعلى الرغم من أن التفاعل الحكومي كان سريعاً ـ مع أحداث تحوّلت إلى ما يُعرف بـ"ترندات" عبر مواقع التواصل ـ ومرحباً به من الرأي العام، إلا أن كثير من القضايا لم تحظَ باهتمام رسمي، لأنها لم يوفر لها الرواج الواسع على مواقع التواصل، وهنا تحضر التساؤلات حول صحّة الحالة السائدة بين المسؤولين والمواطنين، وخاصةً فيما لو كانت الاستجابة تقتصر على "قضايا الترند"، على حساب قضايا أخرى لم تأخذ حقها من الوصول والمشاهدات على مواقع التواصل. 

وقبل يومين، بادر وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، عبر تعليق من حسابه الشخصي، إلى دعوة الصحفي أمجد الساري، إلى زيارة الوزارة للاستماع إلى شكواه، وجاء ذلك في منشور تحدّث فيه "الساري" عن مضايقات تعرّض لها في دمشق من عنصر في الأمن الدبلوماسي، خلال التقاطه صورةً لمقر السفارة الإيرانية في حي المزة. 

وقال المصطفى في تعليق: "تحياتي أمجد.. أتمنى أن تكون بخير، نأسف لما جرى وأدعوك إلى زيارتنا في وزارة الإعلام لتقديم شكوى لمتابعتها". ولاقى التعليق تفاعلاً واسعاً وترحيباً من سوريين، واعتبروه يعكس قرب الحكومة من مواطنيها ونزولها عند مشكلاتهم. 

تعليق وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى على تفاصيل الحادثة (لقطة شاشة ـ فيسبوك)
تعليق وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى على تفاصيل الحادثة (لقطة شاشة ـ فيسبوك)

ومع توغّل نشاط مواقع التواصل الاجتماعي (السوشال ميديا) في الحياة العامة في سوريا، لا يبدو دورها اليوم مقتصراً على تأدية وظائف اجتماعية أو تواصلية خفيفة، في وقتٍ يخوض روّادها السوريون في عمق الأزمات المختلفة التي تشهدها البلاد، يسجلون مواقفهم حول المسائل المتعددة، ويخاطبون الحكومة والقيادة، ويوجّهون الانتقادات ويسلّطون الضوء على التجاوزات والانتهاكات. 

استجابة سريعة

وتتمةً لحادثة دمشق، قال الصحفي أمجد الساري، على حسابه في فيس بوك، بعد لقائه الوزير المصطفى، إن وزارة الإعلام تكفّلت في متابعة القضية، وأكدت على تقديم جميع أشكال الدعم للصحفيين وضمان حريتهم في العمل ومتابعة القضايا التي تخصهم، بما يكفل حرية الصحافة. 

من جانبه، أعلن مدير العلاقات الصحفية في وزارة الإعلام، محمد الصالح، أن الوزارة اتخذت الخطوات القانونية لحل القضية، مشيراً إلى مخاطبة الجهات المختصة لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث. 

وبالتزامن مع موقف أمجد الساري، ضجت وسائل التواصل بحادثة الاعتداء بالضرب على الشاب خليل العموري في مدينة حلب من قبل عناصر يتبعون لـ"الأمن الداخلي"، بسبب خلاف على ركن السيارة، تطور لاحقاً إلى توقيف واعتداء جسدي ومعنوي. 

وسارع، على خلفية نشر العموري تفاصيل الحادثة على مواقع التواصل، مكتب العلاقات العامة في مديرية الإعلام في حلب، إلى متابعة القضية، أمس الخميس. 

ونشر العموري، منشوراً على حسابه الشخصي في "فيس بوك"، اليوم الجمعة، أكد فيه تكفّل مسؤول في الأمن الداخلي، في متابعة القضية قانونياً. 

الحادثتان تعكسان استجابة سريعة واهتماماً بالغاً من الجهات الحكومية بمختلف أشكالها، إلا أنها قد لا تضع حداً لوقف التجاوزات بحق سوريين آخرين في المستقبل، ما لم تكن مقترنة بأرضية قانونية وتشريعية حازمة. 

الاستجابة عامة

ويرى الناشط والمحلل السياسي، عبد الكريم العمر، أن "حالة التفاعل القائمة بين المسؤولين والمواطنين السوريين، هي جزءٌ مما كان يحلم به السوريون، وهي حالة أو ظاهرة لم نكن نعتاد عليها في سوريا سابقاً، أن يكون للمسؤول حسابات على مواقع التواصل، وأن يكتب أي مواطن أمنيته أو شكواه ويتم التعامل معها من قبل المسؤول بكل شفافية ووضوح، ويتم الرد عليها. هذا هو أقصى طموح السوريين بالفعل، ألا يشعر المواطن أن المسؤول من درجة أولى أو طبقة أولى في المجتمع، إنما هو جزء من هذا المجتمع، خرج من بين الناس، وبالتالي يتم الرد على استفساراتهم وطلباتهم دون أي تعالٍ أو نظرة فوقية".

ويضيف لموقع تلفزيون سوريا: "لا أعتقد أن تفاعل المسؤولين مع قضايا الشأن العام ومطالب المواطنين يقتصر فقط على الحالات التي تتحول إلى "ترند" أو تحظى بانتشار واسع على مواقع التواصل الاجتماعي. بل أرى أن هناك تجاوباً فعلياً من قبل عدد من المسؤولين في الدولة مع العديد من القضايا، والاقتراحات، والنقاشات، والشكاوى، حتى دون أن تحظى بزخم إعلامي أو رقمي".

"تنظيم حالة التواصل"

وفي هذا الصدد، يقترح العمر تنظيم هذه الحالة ـ سواء خلال الأشهر أو الأسابيع القادمة ـ من خلال تفعيل آليات للتواصل بين المواطنين والمسؤولين، كإنشاء رابط إلكتروني مخصص لتلقي الشكاوى والاقتراحات، يضم فريقاً مختصاً بالرد على الاستفسارات والتعامل مع الطلبات بشكل مباشر.

ويتابع في عرض المقترحات: "يمكن تخصيص أيام محددة أسبوعياً يلتقي فيها المسؤولون بالمواطنين ضمن مؤسساتهم ووزاراتهم، على امتداد البلاد، وليس فقط في مجلس الوزراء أو على مستوى الوزراء، بل وصولاً إلى أعلى مستويات الدولة، بما في ذلك الرئاسة. الهدف هو تعزيز التفاعل المباشر بين المواطن والمسؤول، بعيداً عن قنوات التواصل الافتراضي أو ما يُنشر على الإنترنت".

ويختم: "يمكن أيضاً، تخصيص أرقام هاتفية لحجز مواعيد مع المسؤولين، بما يسهل تقديم الطلبات ومتابعتها بشكل رسمي ومنظم، ويجعل المواطن يشعر أن تواصله مع الدولة أمر طبيعي، كما هو الحال في الدول المتحضّرة التي تولي أهمية كبرى للإنسان باعتباره حجر الأساس في بناء الوطن".

"الاستجابة جزء من استحقاق 8 ديسمبر"

وفي وقتٍ يتفاعل المسؤولون مع قضايا ذات طابع أمني أو تجاوزات بحق مواطنين سوريين، سواء لفظية أو جسدية، رغم حساسيتها أمام الرأي العام، يجد العمر أن "إيجابية الاستجابة تكمن أكثر في هذه الجزئية، لأن هذا الاستحقاق التاريخي الذي وصل إليه السوريون في 8 كانون الأول/ ديسمبر هو نتيجة ثورة استمرت 14 عاماً، قدّم خلالها السوريون الكثير من الدماء وبذلوا الغالي والنفيس من أجل الحرية والكرامة، وهما عنوانان أساسيان وأهداف رئيسية للثورة. وبالتالي، عندما يرد المسؤول على أي تجاوز أو انتهاك، فإن ذلك يُعد جزءاً من الحفاظ على قيم الثورة وأهدافها المتمثلة في الحرية والكرامة، هذا الرد والتعاطي مع القضايا التي تتضمن تجاوزات وانتهاكات هو دليل واضح على أن القيادة والمسؤولين يعملون على بناء وطن تسوده دولة القانون، وتُعد كرامة الإنسان وحريته الأساس في سوريا الجديدة".

ماذا عن بقية الحالات؟ 

يجد سوريون أن الاستجابة لـ"حوادث الترند"، ليست مساراً مستداماً يحفظ حقوق المواطنين، إذ إن بعض القضايا لم تتوفر لها شروط لتتحول إلى ترند، وبعضها الآخر لم يصل إلى الإعلام حتى، وبالتالي فإن سلطة الرقابة التي تمارسها مواقع التواصل، لن تفرض حضورها في تلك القضايا. 

يقول في هذا السياق، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، إن "الاستجابة الحكومية في سوريا، ترتفع عندما تتحول الحادثة إلى رأي عام أو "ترند" عبر منصات التواصل، بينما بحال وقوع حالات لم تتحول إلى "ترند"، ربما لا تشهد استجابة، هذا يعني أن العملية مرتبطة بالضغط الإعلامي أكثر من ارتباطها بنظام مساءلة مؤسس أو نظام قوانين، وهذا يشي أننا ضمن مرحلة تحتاج إلى ضبط القوانين بشكل أوسع، تسري على الجميع، من دون أن تطبق على حالة دون أخرى لم تأخذ حظها من الانتشار". 

"استقلال القضاء وإصلاح الأمن"

ويؤكد عبد الغني لموقع تلفزيون سوريا، ضمن مقترحات للحد من هذه الظاهرة، على أهمية استقلال القضاء وعدم تبعيته لأية سلطة، حتى يشعر المواطن أن اللجوء إلى القضاء يحصّل حقوقه. 

وبالتزامن مع استقلال القضاء، يشدد محدثنا على إصلاح قطاع الأمن، من خلال اعتماد آليات تدقيق، وفصل واستبعاد لكل من يثبت تورطه في انتهاكات ومحاسبته.