عندما قرأت سهير الشب تعميم وزارة العدل رقم 12، تذكرت والدها الذي فقدته خلال أحداث حماة، وتساءلت: "هل سأحصل على حق والدي بعد مرور أربعين عاماً؟".
يهدف تعميم وزارة العدل رقم 12 الصادر في 4 آذار من هذا العام إلى وقف سريان مدد التقادم والسقوط في الدعاوى المرتبطة بانتهاكات سابقة نتيجة "القوة القاهرة". وتشمل هذه القوة ظروف الاعتقال والملاحقة الأمنية والتهجير والخوف من الانتقام، وهي ظروف عاشها كثير من السوريين في ظل النظام السابق، ما جعل المطالبة بالحقوق أمراً مستحيلاً في ذلك الوقت.
كما حدد التعميم حالات تعد سبباً لوقف التقادم، مثل صدور أحكام غيابية عن محكمة الإرهاب، أو وجود مذكرات توقيف، أو الاحتجاز القسري، أو التنقل القسري أو الاختفاء.
فقدت أثر الأب والعم في مجزرة حماة
عندما اندلعت الأحداث في حماة عام 1982، كان والد سهير، المدرس في الشريعة عدنان الشب، وعمها الطبيب محمد الشب، من بين الذين شاركوا في إسعاف الجرحى خلال أحداث حماة، قبل أن يتم فقدان أثرهما.
تتذكر سهير، التي كانت في الثانية عشرة من عمرها آنذاك، كيف تحول منزلهم إلى نقطة إسعاف نتيجة اشتداد القصف، بينما انتقل والدها وعمها مع الجرحى إلى القبو المجاور بعد افتتاحه وتحويله إلى مشفى ميداني.
وتقول سهير في حديث لموقع تلفزيون سوريا: "انتشر القناصون في كل مكان، وهذا الانتشار مع انقطاع الهاتف أدى إلى فقدان أخبار والدي وعمي، بينما ظلت والدتي في البيت مع إخوتي. ولحظة اقتحام الجيش، أتذكر ما قالته والدتي إنها سمعت صوت والدي يصرخ في الحي ويقول: (الله أكبر عليكم)، دون أن تتمكن من رؤية ما حدث بسبب وجود القناصين، ثم تلاه إطلاق نار كثيف، وربما تم إعدام والدي وعمي في تلك اللحظة".
طوال سنوات حكم النظام المخلوع، بحثت والدة سهير عن زوجها وشقيقه في السجون دون جدوى. وحتى بعد سقوط النظام وفتح السجون، ظل لديها أمل في العثور عليهما، بحسب وصف سهير. وفي شباط 2025، رُفعت صور والد سهير وعمها ضمن تكريم شهداء المجزرة في ساحة العاصي.
وتقول سهير:"تم رد الاعتبار لوالدي وعمي، لكن من سيعوض والدتي عن سنوات الصبر والابتزاز المالي من قبل الفروع الأمنية؟ ومن سيعوضني عن الأب والعم؟ وفي حال فكرت برفع دعوى لتحصيل حق والدي، فإن ذلك سيكون وفاءً لوالدتي".
العدالة الانتقالية ومعايير عدم الإفلات من العقاب
في هذا السياق، يشير القانوني والمحامي المعتصم الكيلاني، المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان، إلى أن الفقه القانوني الدولي يعد الاختفاء القسري جريمة مستمرة طالما لم يتم الكشف عن مصير الضحية أو مكان وجودها.
ويوضح أن سريان التقادم لا يبدأ إلا من تاريخ انتهاء حالة الاختفاء، مشيراً إلى أن القضاء الدولي تبنى هذا المفهوم باعتبار أن الجريمة تستمر قانونياً ما دام مصير الضحية مجهولاً.
جاء في نص التعميم أن ظروف المرحلة الحالية تقتضي مراعاة مبادئ العدالة الانتقالية، التي تهدف إلى إنصاف الضحايا ومنع الإفلات من العقاب.
وترى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن تقييم مدى توافق التعميم مع معايير العدالة الانتقالية يعتمد على كيفية تطبيقه عملياً، وعلى الضمانات التي تكفل عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من المساءلة.
ويقول إبراهيم برهان، مدير دائرة الإعلام في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، لموقع تلفزيون سوريا:
"تشدد المعايير الدولية على أن الجرائم الجسيمة وانتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة لا ينبغي أن تسقط بالتقادم، وأن أي إجراءات قانونية يجب أن تراعي حق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر".
خطوة قانونية ولكن بتحديات كبيرة
يأتي تعميم وزارة العدل كخطوة نحو إنصاف الضحايا وتماشياً مع الظروف الأمنية والسياسية التي مرت بها سوريا. فمنذ وصول حافظ الأسد إلى الحكم، اعتُقل آلاف السوريين وتعرضوا للملاحقة الأمنية، وصودرت أملاك بعضهم، فيما لم يتمكن كثيرون من المطالبة بحقوقهم.
ويقول أحد معتقلي سجن صيدنايا، الذي اعتقل عام 2015 بسبب تقرير كيدي وتنقل بين عدة أفرع أمنية دون أن يعرف التهمة الموجهة إليه، قبل أن ينتهي به المطاف في صيدنايا: "لا أعلم كيف سأثبت حقي، أو من هم سجاني. طوال الوقت كنا معصوبي العينين، ولا يوجد ما يدل على هوية الضباط أو من قاموا بتعذيبنا، ولا حتى أعرف هوية من وشى بي. أتذكر فقط أصوات السجانين وأسماء ينادون بها. فكيف يمكنني إثبات من اعتقلني إذا قررت رفع دعوى؟".
عبء الإثبات على الضحية
بالعودة إلى نص التعميم، فإنه أشار إلى وقف التقادم في حالات القوة القاهرة، لكنه في المقابل يحمّل الضحية عبء إثباتها، وهو ما تعتبره رابطة معتقلي صيدنايا أمراً شبه مستحيل، لأن معظم المعتقلين لا يملكون أوراق توقيف أو سجلات رسمية.
ويرى دياب سرية، المدير التنفيذي لرابطة معتقلي صيدنايا، أن التعميم حمل الضحية عبء الإثبات، رغم أن الضحايا غالباً ما حرموا من توفر وثائق رسمية تثبت اعتقالهم.
ويقول: "المطالبة من الضحية بتقديم أدلة مادية لإثبات اعتقاله أمر شبه مستحيل، وقد يؤدي إلى رد الدعوى وحرمان الضحايا من الاستفادة من التعميم".
رغم أن التعميم يهدف إلى إنصاف الضحايا ضمن سياق العدالة الانتقالية، بحسب رابطة معتقلي صيدنايا، إلا أنه حصر الحالات المشمولة غالباً بالنشاط الثوري أو السياسي، كما ورد في البنود 3 و4 من نص التعميم.
ويتابع سرية: "ماذا عن المواطن العادي الذي لم يكن له أي نشاط سياسي، لكنه اعتقل بهدف الابتزاز المالي من قبل الأجهزة الأمنية، أو نتيجة تقرير كيدي، أو اضطر للتهجير بسبب العمليات العسكرية؟ تقييد سبب الاعتقال بالنشاط الثوري أو المواقف السياسية قد يحرم ضحايا آخرين من حقهم في وقف التقادم، وهو ما يتنافى مع شمولية العدالة".
غموض قانوني قد يربك المحاكم
يشير سرية أيضاً إلى أن التعميم لم يحدد إطاراً زمنياً واضحاً، متسائلاً: "هل يبدأ سريان التقادم قبل عام 2011 أم بعده؟ وماذا عن ضحايا أحداث حماة أو غيرها؟".
ويضيف أن التعميم جاء "فضفاضاً نوعاً ما" فيما يتعلق بالمصطلحات الواردة مثل "الجرائم المرتكبة من قبل النظام البائد"، و"أسباب أمنية جدية"، و"الانتهاكات الجسيمة"، معتبراً أن هذا الغموض قد يخلق إرباكاً لعمل المحاكم وقد يؤدي إلى توسع غير مضبوط في الدعاوى.
ويشير سرية إلى أن التعميم قد يعيد إحياء العديد من القضايا المتراكمة عبر سنوات طويلة. وفي ظل مرحلة العدالة الانتقالية، حيث يكون الجهاز القضائي غالباً منهكاً أو في طور إعادة البناء، فإن ضخ عدد كبير من الدعاوى المدنية أو الجزائية دفعة واحدة قد يؤدي إلى شلل في المحاكم وإطالة أمد التقاضي.
الحاجة إلى إطار قانوني واضح
من جهته يرى الكيلاني أن صعوبة إثبات الوقائع بعد مرور سنوات طويلة، إضافة إلى احتمال تضخم عدد القضايا أمام المحاكم، يشكلان تحدياً أساسياً.
ويقول: "نجاح هذا التوجه يتوقف على قدرة المؤسسات القضائية على التعامل مع هذه القضايا بكفاءة، ووضع معايير واضحة لتحديد الحالات التي ينطبق عليها وقف التقادم".
ويضيف أن غياب المعايير الواضحة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث إن التوسع غير المنضبط في وقف التقادم قد يطيل النزاعات القضائية أو يخلق حالة من عدم الاستقرار القانوني إذا اختلفت المحاكم في نطاق تطبيق التعميم.
كما قد يفتح الباب أمام استخدام القرار بصورة انتقائية، ما يضر بثقة المتقاضين بالنظام القضائي.
وضوح الإجراءات شرط لثقة الضحايا
من جهتها تنظر الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إلى القرار في إطار التطورات القانونية المرتبطة بإدارة ملفات الانتهاكات خلال المرحلة الانتقالية.
فمن حيث المبدأ، فإن أي خطوة قانونية تسهم في الحفاظ على إمكانية الملاحقة القضائية أو تنظيمها بطريقة واضحة يمكن أن تشكل جزءاً من البيئة القانونية الداعمة لمسار العدالة.
ويقول برهان: "حدوث تفسيرات قانونية متباينة قد يؤثر على مسار القضايا، وقد يضعف ثقة الضحايا بالمؤسسات القضائية إذا شعروا بأن حقوقهم غير مصونة، مع إمكانية استخدام بعض الثغرات القانونية بطريقة تؤثر على مسار المساءلة".
ويضيف أن تطبيق القرار ضمن إطار قانوني واضح ومتوافق مع المعايير الدولية يمكن أن يسهم في الحفاظ على إمكانية ملاحقة الجرائم وعدم سقوطها بمرور الزمن، وهو ما يعد عاملاً مهماً في حماية حقوق الضحايا.
ويختم بالقول: "يحتاج الضحايا بشكل أساسي إلى وضوح الإجراءات القانونية المرتبطة بقضاياهم، وتوفير قنوات رسمية لتقديم الشكاوى ومتابعتها، وضمانات قانونية تحمي حقوقهم في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، إضافة إلى تواصل مؤسسي واضح يشرح لهم كيفية التعامل مع أي تغييرات قانونية".
