عقب سقوط النظام السوري لم تكن المؤسسات المدنية بمنأى عن الانهيار، إذ تعرضت المباني الإدارية ومؤسسات حكومية عدة، للتخريب ومنها إدارة الهجرة والجوازات ومصرف سوريا المركزي.
طال هذا التدهور بشكل مباشر قدرة السوريين على استخراج الوثائق الرسمية الأساسية، مثل تسجيل الولادات والوفيات، وتثبيت الزواج أو الطلاق، مما أثار لديهم مخاوف وتساؤلات حول مصير السجلات المدنية والعقارية التي يعتمدون عليها لإثبات هويتهم وحقوقهم القانونية. كما خلق أزمة حقيقية لدى اللاجئين خارج البلاد، خاصة في ألمانيا إذ يواجه آلاف السوريين يومياً عواقب هذا الفراغ الإداري، إضافة إلى تحديات وصعوبات كبيرة قانونية وإجرائية كانت معقدة منذ النظام المخلوع وما زالت كذلك حيث تتحول المعاملات البسيطة بالنسبة لهم إلى معارك قانونية طويلة، ويُحرم الأطفال من حقوقهم الأساسية بسبب غياب توثيق رسمي يثبت وجودهم.
وفي هذا السياق، كثر الحديث عن شكاوى من قبل المواطنين حول عدم قدرتهم على إنجاز أي معاملة تتعلق بالأحوال المدنية، ويأتي ذلك من جرّاءِ توقف مديرية "الشؤون المدنية" في سوريا عن تسجيل الوقائع الجديدة وإصدار البطاقات الشخصية للمواطنين، لتكتفي بإصدار بعض الوثائق التي يحتاجها المواطن لإكمال وتنفيذ معاملاته في الدوائر الحكومية.
تثبيت الوقائع الرسمية.. أطفال بلا نسب وزيجات غير مثبتة
"صعوبة إثبات زواجك أو نسب أطفالك، عائق كبير في طريق الحصول على حقوقك ومتابعة تنفيذ معاملتك القانونية"، هكذا يصف عمار (26 عامًا) معاناته في تثبيت زواجه ونسب طفله، وهو مقيم حالياً في ألمانيا.
أوضح عمار لموقع تلفزيون سوريا العديد من التحديات التي يواجهها؛ الأولى تكمن في عدم تثبيت زواجه، ما يعوق قدرته على زيارة سوريا مع عائلته أو إجراء المعاملات القانونية، أما المشكلة الثانية فتتمثل في عدم تسجيل ولادة طفله، ما يعني عدم وجود أي إثبات قانوني بخصوص نسبه، وذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمشكلة تثبيت الزواج.
وأضاف "معاناتي تفاقمت إلى درجة أن إقامة زوجتي في ألمانيا توقفت منذ أربعة أشهر بسبب انتهاء صلاحية جواز السفر السوري الخاص بها، وهو ما يزيد من تعقيد الأمور".
يسترجع عمار معاناته قبل فترة من سقوط النظام قائلًا "قبل سقوط النظام كنا نقف ساعات وكنا نعامل بإذلال أمام القنصلية للحصول على أوراقنا في حال تمكنا من ذلك خلال يوم واحد". موضحا أن الأمور قبل السقوط لم تكن جيدة بل أسوء، مشيرًا إلى استغلال السماسرة والتجار معاناة المواطنين بشكل أكبر من الآن، وقال "اليوم نأمل سماع صوتنا، وأن تصل شكوانا إلى المسؤولين".
المشكلة الأساسية التي تواجه عمار، تتلخص في توقف استخراج الأوراق الرسمية وتسجيل الولادات في السفارة السورية، حيث إن "المركز القنصلي يعزو هذه الأزمة إلى وجود مشكلات تقنية في شبكة البيانات في سوريا".
تلك الفوضى التي حصلت عقب سقوط النظام البائد من حرائق وتخريب، نتج عنها آثار سلبية تتعلق بمصير الوثائق المدنية التي تمثل الأساس القانوني والإداري لتنظيم حياة السوريين في المستقبل، مما حث الجهات المسؤولة آنذاك إلى فرض حظر تجوال وإصدار تعليمات هدفها ضمان سلامة المواطنين وحماية الممتلكات العامة.
كما دعا القائد العام لـ "إدارة العمليات العسكرية"، حينها "أحمد الشرع" فصائل المعارضة إلى حماية الممتلكات العامة وحفظها كونها ملكًا للشعب السوري، في سبيل ما قال إنه "إكمال رسم لوحة النصر لأعظم ثورة عرفها التاريخ الحديث".
سوريون يعيشون فراغا قانونيا
مع غياب الوثائق الأصلية أو صعوبة تصديقها من الجهات الرسمية السورية، يجد السوريون أنفسهم في حالة من الفراغ القانوني، حيث تترك هذه الفجوة آثاراً مباشرة على حياة الأفراد وعلى حقوقهم الأساسية، كالحصول على الإقامة، أو تسجيل الأطفال والسفر ما يجعل هذه الأزمة واحدة من أبرز التحديات الإدارية والحقوقية التي تواجه السوريين في دول اللجوء، وعلى رأسها ألمانيا.
رشا (24 عاماً) مقيمة في ألمانيا، قالت لموقع تلفزيون سوريا إنها لم تتمكن من تثبيت ولادة طفلتها منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وأضافت: "أنا وغيري لدينا أبناء بلا أوراق تثبت ولادتهم، وهذا التأخير له تبعات تؤثر علينا".
كما أوضحت أن غياب التوثيق الرسمي يحرم الطفل من الخدمات الأساسية، مثل التطعيم والرعاية الصحية، ويعقّد استكمال ملفات الإقامة أو تسجيل الطفل، مما يفاقم من هشاشة وضع العائلات قانونياً.
أما شادي (30 عاماً)، فشارك المعاناة نفسها، موضحاً أنه كان يعتمد سابقاً على إرسال أوراقه إلى سوريا لتثبيت أو استخراج الوثائق، لكن هذا الخيار لم يعد ممكناً اليوم.
“أرسلت أحد أقاربي للسؤال عن إمكانية تسجيل طفلي، لكن موظفي الشؤون المدنية أخبروه أن الدائرة متوقفة حالياً، وربما تعود للعمل قريباً، دون تحديد أي موعد واضح".
وبهذا الخصوص تواصل موقع تلفزيون سوريا مع القائم بالأعمال في القنصلية السورية في برلين عبد الكريم خونده، لمحاولة فهم الأسباب التي تقف وراء توقف المعاملات، ومعرفة ما إذا كانت هناك أي حلول مطروحة، سواء على المدى القريب أو البعيد، يمكن أن تخفف من معاناة السوريين في الخارج، لا سيما أولئك الذين ينتظرون تسجيل وقائع ولادة أو يحتاجون إلى وثائق رسمية. إلا أن المتحدث عبر عن عدم قدرته في تقديم أي توضيحات، ولم يعلق على الأسئلة التي طرحت بهذا الخصوص.
وثائق قديمة
إسماعيل أبو مغضب، مستشار هجرة ولجوء لدى حكومة مدينة Wegberg ،أوضح لموقع تلفزيون سوريا أن توقف دوائر الشؤون المدنية عن متابعة أعمالها أصولًا، ينتج عنه تأثير قانوني سلبي كبير.
مشيرًا إلى أن حوالي مليون سوري يعيش في ألمانيا، ومعظمهم بحاجة لاستصدار لوثائق من تسجيل وقائع الولادة أو الوفاة أو الزواج، كون المكاتب الحكومية في ألمانيا تطلب بشكل دائم وثائق سورية تثبت جنسية أو نسب أو صلة القرابة وما إلى ذلك للسوريين المقيمين فيها.
كما أضاف بالنسبة لتسجيل الأطفال من أبوين سوريين، ينص القانون الألماني على منح الطفل المولود بطاقة إقامة إذا كان أحد والديه مقيم في ألمانيا، وهذا من خلال تسجيل واقعة الولادة في سوريا أو لدى السفارة واستصدار بيان عائلي أو دفتر عائلة إضافة إلى ضرورة وجود جواز سفر للطفل المولود، وهذا غير ممكن في حال لم يتم التسجيل.
وأكد إسماعيل أنه من الممكن إجراء عملية الزواج في ألمانيا والحصول على صك زواج رسمي من الحكومة الألمانية ولكن قد يستغرق ذلك فترات طويلة كما أنه يتطلب أوراقًا عدّة ومعقدة من البلد الأم، وبالتالي في حال لم يكن استصدار الوثائق من سوريا ممكنا كبيانات الولادة للزوجين أو إخراجات القيد الفردية، لا يمكن إجراء عملية الزواج أصولًا في ألمانيا.
موضحًا أن سابقاً بعض السوريين نجحوا في تجاوز الإجراءات بواسطة وثائق قديمة لديهم، وبعضهم يسافر إلى دول أخرى لتثبيت الزواج كالدانمارك مثلا حيث الإجراءات أسهل.
مؤسسات سوريا بحاجة للتعافي
تحتاج سوريا إلى مدة زمنية تمكن الحكومة السورية الجديدة من إعادة إنعاش المؤسسات المنهكة، كونها تواجه أخطاراً كثيرة، وتحمل مهاماً عدة في مقدمتها الحدَّ من أعباء العيش على المواطنين، إذ يعاني ملايين السوريين من الوضع الاقتصادي الذي أصبح كارثياً.
وكان قد صرح مدير الشؤون المدنية في سوريا، عبد الله عبد الله، أن هذه المشكلة تعود لإهمال النظام الساقط بتطوير شبكات البيانات، إضافة إلى سعي تحديث الشبكة الجديدة بحيث يتم دمج شبكات إدلب وشمال حلب مع الشبكة الرئيسة، الذي وصفها بأنها عملية مهمة جدًا.
كما أوضح في الوقت الحالي، يتم إصدار بعض الوثائق، كإخراج القيد، والبيان العائلي، ووثائق أخرى قد يحتاجها المواطن السوري في الدوائر الحكومية الأخرى، أما ما يتعلق بوثائق تسجيل الواقعات الجديدة فهو متوقف حتى يتم الانتهاء من عمليات صيانة وترميم شبكة البيانات، فلا يمكن تسجيل وتخزين المعلومات على الشبكة المتواجدة حاليًا، تلافيًا لأي خطأ قد ينتج في المستقبل.
وفي هذا الشأن أرسل موقع تلفزيون سوريا مجموعة من الأسئلة إلى مدير الشؤون المدنية في دمشق والمكتب الإعلامي في المؤسسة، بهدف الاستفسار عن الأسباب التي تقف خلف تعليق إصدار الوثائق الرسمية، مثل تسجيل الولادات والوفيات ومعاملات الأحوال المدنية الأخرى، إضافة إلى معرفة إن كان هناك جدول زمني متوقع لاستئناف العمل أو إجراءات بديلة يمكن أن يلجأ إليها المواطنون في الوقت الحالي، ولم يصلنا أي رد حتى لحظة إعداد هذا التقرير.