تعزيز الكراهية "مالمو" في يومها الأسود

تعزيز الكراهية "مالمو" في يومها الأسود

تعزيز الكراهية "مالمو" في يومها الأسود
06 أيلول 2020

في السابع من شهر آب الماضي أعلن "راسموس يالودان" وهو سياسي دانماركي "فاشل" (كما يصفه الدانماركيون)، ارتبط اسمه بالعنصرية ويرأس الحزب اليميني المتطرف "سترام كوش"، أنه سيزور مدينة مالمو السويدية، في نهاية شهر آب وسيقوم بحرق نسخة من القرآن الكريم.

شريك "راسموس" في الفعالية المخطط لها هو السويدي "دان بارك"، وهو "فنان شارع"، يستخدم الملصقات المستفزة التي تستهدف السود والمسلمين واليهود، وقد تمت إدانته سابقاً بتهمة التحريض ضد جماعات عرقية.

تقدم "دان" بطلب الموافقة لتنظيم فعالية في مالمو إلى الشرطة السويدية، ولم يُشر في طلبه إلى فعل الحرق أبداً، وكان الطلب يوضح أن الفعالية ستتناول (خطر الأسلمة على المجتمعات الأوروبية)، لكن البوليس السويدي والذي كان على علم بنيّة منظمي الفعالية القيام بحرق القرآن، رفض الموافقة وقرر منع الفعالية.

في اليوم المقرّر للفعالية، منعت شرطة الحدود السويدية العنصري الدانماركي "راسموس" القادم إلى السويد من دخول أراضيها، وأعادته إلى الدانمارك ومنعته من دخول السويد لمدة عامين، لكن أحد المتطرفين المؤيدين له قام بحرق نسخة من القرآن في شارع فرعي صغير، وصوّر شريط فيديو وقام بتحميله على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم قام اثنان آخران بتمزيق وركل نسخة أخرى من القرآن في ساحة عامة في السويد.

تسببت حادثتا الحرق والركل باندلاع مظاهرات رافضة للفعل، ورغم محاولة البعض ومنهم أئمة مساجد في ضبط المتظاهرين، ومنع أعمال الشغب، إلا أن الأمور خرجت عن السيطرة، وشهدت مالمو موجة من أعمال العنف والشغب.

الأشخاص الثلاثة الذين قاموا بالحرق والركل لنسخ القرآن تم توقيفهم، من قبل البوليس السويدي.

بعيداً عن الوقائع هناك، ما يجب التوقف عنده طويلاً لقراءة ما حدث في مالمو مؤخراً وما حدث – وقد يحدث - في مدن أخرى في العالم، فهذه الطريقة من الاستفزاز بدأت تتكرر بالطريقة ذاتها، والرد عليها أيضاً يتكرر بطريقة تكاد تكون واحدة، حلقات متشابهة جداً من مسلسل سيظل يعرض علينا بسماجته وحماقته، وكأنّما الذين اخترعوه في الضفتين عاجزون عن الخروج من هذه الحلقة المفرغة، المتخمة بالكراهية والعنصرية والعنف.

إذا كانت السياسة والاستثمار فيها هو المحرض الرئيس للمس برموز دينية مقدسة لدى جهة ما، عبر الرسوم أو الحرق والركل، فإن العصبية ورد الفعل المنفعل والأهوج هي ما تسم الفعل المضاد، والذي يتوقعه ويريده من قاموا بالإساءة للرموز.

يمكننا القول إن تعزيز الكراهية بين الدول والمجتمعات، يتم إنشاؤها وتأجيجها بدراية وعلى نحو مدروس ومقصود، رغم خطورتها وانعكاساتها السيئة على الطرفين الفاعلين فيها، وهو غالباً ما يتسبب بأزمات اجتماعية، وسياسية عميقة، تحتاج لجهد ووقت طويل لمعالجة آثارها.

إن التطرف بوصفه الحاضنة الأهم للإرهاب لا يتأتى من الأيديولوجيا المتطرفة فقط، بل ربما تساهم فيه وبفعالية عالية المنظومة الاجتماعية والثقافية، ومعظم الذين ينزعون للعنف في مواجهات كهذه ليسوا مجرمين ولا يعانون من أمراض نفسية أو عقلية، ولا حتى اقتصادية لقسم منهم، بل هم غالباً معبؤون من جهة بشعور حاد بالقهر أو الظلم أو التهميش، وبالاستعلاء والفوقية من جهة أخرى.

منذ عقود بدأت موجة تشويه الإسلام وربطه بالإرهاب والتخلف، وربما ساهمت بعض أوجه الاستشراق والدراسات الشرقية التي سادت في القرن الماضي في تنميط هذه الرؤية، التي تتحدث عن الشرق وعن دور الإسلام فيه، لكن هذه الموجة لم تكن لتجد هذا الزخم المتصاعد لولا طرفان أساسيان هما المسؤولان بشكل رئيسي عن الرؤية التي تطغى حالياً حول الإسلام والمسلمين:

  • حركات الإسلام السياسي.
  • النظام الرسمي العربي.

كلا الطرفين ارتكز في بقائه على خلق هذا التصادم المتصاعد بين الإسلام والآخر، أي آخر، وترافق تصعيد هذا التطرف بوجهه الإسلامي بنهب مقدرات الشعوب الإسلامية، وتهميشها وسلب حقوقها، ومنعها من امتلاك آليات التطور وأدواته من جهة، وسحق كل ما يمكن أن يكون نقيضاً لهذا التشويه، فتراجعت الثقافة، ومنعت السياسة، وأُغلقت كل منافذ التواصل مع الحضارات والثقافات الأخرى، وسهلت المؤسسات الدينية الرسمية تدفق الفتاوي، وقشور الدين وتفاهات الفكر.

وبعكس المسيحية في أوروبا التي حظيت بدراسات علمية، واشتغل عليها مفكرون كثر، ومراكز أبحاث منهجية، فتجددت وتصالحت مع العلم والحداثة، ولم تعد تتناقض جبهياً مع العصر وتطور علومه، في حين أن هذا لم يكن متاحاً في الإسلام حتى الآن، ورغم أن مفكرين إسلاميين كثيرين حاولوا القيام بما قامت به أوروبا، مثل محمد أركون والجابري وفرج فودة والطيب تيزيني وحسين مروة وغيرهم، إلا أن المؤسسة الدينية الرسمية والتي هي مؤسسات للسلطة السياسية ولا تكترث للدين إلا ببعده السياسي، مُنعت من انتشار وتداول ونقاش ما طرحه هؤلاء، وحاولوا العمل عليه.

وأيضاً لم يجد معظم العلمانيين العرب طريقة مقاربة هذه المعضلة، إلا بتطرف مقابل، متجاهلين أن تجديد التراث هو أكبر خدمة يمكن أن تقدم لشعوبهم، وليس نسفه أو تسفيهه، وبالتأكيد فإن المؤسسات الدينية وجدت نفسها في حل من القيام بمهمة تجديد التراث، وتخليصه من التكرار والاجترار، وتفرغت لسن الفتاوي وتجهيل الشعوب وإغراقها بالتفاهات، وهكذا فقد ساهم الجميع في إبعاد جوهر التراث وتغييبه، وإحلال ثقافة التكفير والتحريم والعنف.

لا تستطيع أي حضارة أن تنطلق ما لم تتجدد، والتجدد لا يكون إلا عبر التخلص من الرواسب أو ما أصبح بالياً، لأن الإبقاء على هذه الرواسب سيغيب جوهر التراث من جهة، وسيصبح ثقلاً هائلاً يمنع الحركة، ويُدخل الحضارة في السكون، ومن ثم الموت.

في كل المحاولات التي قام بها مفكرون إسلاميون لتجديد التراث، كانت القوى الارتكاسية تمنعهم من الاستمرار، فتحاربهم وتهمشهم أو تقتلهم.

عود على بدء، فإن ما يجب التوقف عنده في حادثة مالمو هو أن معظم السويديين أداروا ظهرهم حانقين من فعل العنصريين الذين قاموا بحرق أو ركل القرآن، وأيضا أداروا ظهرهم حانقين من رد فعل من قاموا بالرد عليهم.

للأسف الشديد إن كان من اهتم من السويديين بما فعله "راسموس" الدنماركي، وشريكه "دان" السويدي، قلة قليلة جداً، فإن المرة القادمة إن حدثت، سيكونون بالمئات، إنه التطرف حين يصبح الحوار مستحيلاً.

مقالات مقترحة
"حماية المستهلك" تحدد أسعاراً جديدة للخبز وللطحين
ناقلة نفط إيرانية ثالثة تتجه إلى سوريا و"أدريان داريا 1" تغادر
تفكيك "أقفاص الدور" أمام أفران ابن العميد بدمشق (صور)
337 إصابة جديدة بكورونا شمال غربي سوريا معظمها في إدلب
إصابات ووفيات جديدة بكورونا في مناطق سيطرة النظام
ألمانيا.. إغلاق المنشآت الترفيهية لـ احتواء موجة كورونا الثانية