تعرف على تفاصيل أول معركة برية بين روسيا وأمريكا في سوريا

تاريخ النشر: 25.05.2018 | 14:05 دمشق

نيويورك تايمز - ترجمة وتحرير (ربى خادم الجامع)

كان حاجز المدفعية منيعاً للغاية مما دفع القوات الخاصة الأمريكية لدخول الخنادق لحماية أنفسهم، ثم خرجوا منها بعدما غمرهم التراب والركام ليقوموا بإطلاق النار على رتل من الدبابات التي تقدمت تحت قصف جوي مكثف. كانت تلك مجرد افتتاحية نارية ضمن الهجوم الذي استمر لأربع ساعات تقريباً خلال شهر شباط من قبل القوات الموالية للنظام والتي يبلغ عددها حوالي 500 فرد، بينهم مرتزقة روس، مما هدد بتصعيد حالة توتر كانت قد بدأت شرارتها لتوها بين واشنطن وموسكو.

في نهاية المطاف قتل ما بين 200-300 فرد من المقاتلين الذين شنوا الهجوم، فيما تراجع البقية بعد الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة عليهم بلا هوادة، ليعودوا فيما بعد لسحب جثث القتلى من ساحة القتال، فيما لم يصب أي جندي أمريكي ممن كانوا يخدمون ضمن القاعدة الأمريكية التي أقيمت في المنطقة الشرقية من سوريا، والذين بلغ عددهم مع نهاية عملية تبادل إطلاق النار 40 جندياً.

وفي تفاصيل عملية تبادل إطلاق النار التي وقعت في السابع من شهر شباط الماضي من خلال المقابلات والوثائق التي حصلت عليها صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً، فقد قدمت للبنتاغون أول رواية رسمية حول ما جرى على الأرض خلال إحدى أكثر المعارك الدموية التي واجهتها القوات الأمريكية في سوريا منذ نشرها لقتال تنظيم "الدولة".

وقد وصف البنتاغون عملية تبادل إطلاق النار تلك بأنها عملية دفاع عن النفس ضد فرقة تابعة للقوات الموالية للنظام. هذا وقد ذكر مسؤولون عسكريون أمريكيون في مقابلات أجريت معهم بأنهم شاهدوا والرعب يملأ قلوبهم مئات من الجنود والمركبات وقطع المدفعية التابعة للقوات المعادية وهي تتقدم خلال الأسبوع الذي حدثت فيه تلك المواجهة.

هذا وقد حذر مسؤولون عسكريون أمريكيون مراراً وتكراراً من حشد الجنود، غير أن المسؤولين العسكريين الروس صرحوا بأنه ليس بوسعهم السيطرة على المقاتلين المحتشدين بالقرب من النهر، بالرغم من أن معدات المراقبة الأمريكية التي تراقب البث الإذاعي كشفت بأن القوات البرية كانت تتحدث باللغة الروسية.

 

 

ووصفت الوثائق المقاتلين بأنهم من القوات الموالية للنظام، وتتضمن صوراً لجنود موالين للنظام ومن الميليشيات التابعة له، غير أن مسؤولين في الجيش والمخابرات الأمريكية ذكروا بأن غالبيتهم من وحدات المرتزقة الخاصة الروسية، ومن المرجح أن يكون قسم كبير منهم يتبع لمجموعة "فاغنر"، وهي شركة يعتمد عليها الكرملين عادة لتنفيذ أهداف لا يرغب المسؤولون الروس بربطها بالحكومة الروسية.

حشد القوات

بدأ ذلك اليوم بتلميح بسيط لمعركة كانت على وشك أن تبدأ، حيث قامت فرقة مؤلفة من 30 جندياً من قوات الدلتا مع حرس القيادة المشتركة للعمليات الخاصة بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية ضمن القاعدة الصغيرة التي غزاها الغبار بالقرب من مصنع كونيكو للغاز القريب من مدينة دير الزور.

وعلى بعد 20 ميلاً تقريباً وفي قاعدة تعرف باسم موقع دعم البعثة، بدأ رجال فرقة القبعات الخضراء مع مفرزة لقوات مشاة المارينز بالتحديق بشاشات حواسيبهم، ومراقبة الاتصالات الخاصة بطائرات التجسس والاستطلاع ثم نقل المعلومات للأمريكيين المتواجدين في معمل الغاز حول المقاتلين المحتشدين.

وعند الساعة الثالثة بعد الظهر بدأت القوات السورية بالاقتراب من معمل كونيكو، وبحلول الظلام تم حشد أكثر من 500 جندي و27 مركبة من بينها دبابات وناقلات جنود مصفحة.

أما في مركز العمليات الجوية الأمريكي في قاعدة العديد الجوية بقطر وكذلك في البنتاغون؛ فقد أخذ الضباط العسكريون والمحللون الاستخباراتيون الذين كانوا في حيرة من أمرهم بمراقبة تسلسل الأحداث. وذكر مسؤولون عسكريون بأن القادة قاموا بإبلاغ الطيارين والطواقم البرية حول ما يجري كما تم رفع حالة التأهب للطائرات العسكرية في المنطقة.

وبالعودة إلى موقع دعم البعثة، كانت قوات القبعات الخضراء والمارينز يجهزون قوة صغيرة للرد قوامها 16 جندي تقريباً تم تقسيمهم على أربع مركبات مضادة للألغام وذلك ليتم استخدامهم عند الضرورة في مصنع كونيكو، حيث قاموا بالتأكد من جاهزية أسلحتهم كما تأكدوا من حمل صواريخ مضادة للدبابات معهم في الشاحنات، بالإضافة إلى توفر المناظير الحرارية إلى جانب الطعام والماء.

وهكذا وعند الساعة الثامنة والنصف مساءاً تم تحريك دبابات T-72 روسية الصنع (وهي مركبات تزن حوالي 50 طن ومزودة بمدفع عيار 125 ملم) ضمن مسافة ميل من معمل كونيكو. عندها جهزت فرقة القبعات الخضراء وهي تستعد لصد الهجوم.

 

 

أما في القاعدة الأمامية، فقد أخذ الجنود الأمريكيون يراقبون رتلاً من الدبابات مع رتل آخر من العربات المصفحة وهو يلتف ويتجه نحوهم وذلك عند الساعة العاشرة مساءاً، بعدما خرجت تلك المركبات من بين المنازل المجاورة وهي تحاول أن تحتشد دون أن يكتشف وجودها أحد.

وبعد مرور نصف ساعة على ذلك، بدأ المرتزقة الروس والقوات السورية بتوجيه الضربات، وقد أصيبت قاعدة كونيكو بنيران الدبابات والمدفعية الثقيلة وضربات الهاون بحسب ما ورد في بعض الوثائق. وامتلأت الأجواء بالغبار والشظايا، عندها حاولت القوات الخاصة الأمريكية (الكوماندوز) أن تحمي نفسها، فاختبأت خلف السواتر الترابية لتقوم بفتح نيران رشاشاتها مع الصواريخ المضادة للدبابات على رتل العربات المصفحة الذي أخذ يتقدم.

وخلال أول ربع ساعة من بدء المعركة اتصل مسؤولون عسكريون أمريكيون بنظرائهم من الروس وطلبوا منهم وقف الهجوم. وبعد فشل تلك المحادثات؛ قام الجنود الأمريكيون بإطلاق طلقات تحذيرية على رتل من العربات والمدافع القاذفة غير أن تلك القوات واصلت تقدمها.

حاجز مدفعية يلوح في الأفق

وصلت الطائرات الحربية الأمريكية على دفعات، ضمت طائرات بدون طيار من نوع ريبر، وطائرات الشبح المقاتلة  F-22، وطائرات F-15E المقاتلة المخصصة للضربات، وطائرات B-52 التي تقوم برمي القنابل، وطائرات AC-130 المزودة بمدافع، وحوامات أباتشي من طراز AH-64. وذكر مسؤولون أمريكيون أنه خلال الساعات الثلاث التي أعقبت الهجوم؛ أصابت عشرات الضربات جنود العدو ودباباته وعرباته، كما قامت المدفعية الصاروخية للمارينز بإطلاق قذائفها من البر.

وسارعت فرقة الرد للاشتباك في القتال. كان الظلام قد حل حينها حسبما ورد في الوثائق، أما الطرق فقد تناثرت فيها خطوط الكهرباء المقطوعة والحفر التي خلفتها الصواريخ والمقذوفات. وهكذا أصبحت القيادة ضمن مسافة 20 ميل أكثر صعوبة وذلك لعدم تمكن الشاحنات من تشغيل المصابيح الأمامية لديها، بل اعتمدت على كاميرات التصوير الحرارية فقط للتنقل ومعرفة الطريق.

وعند اقتراب فرقة القبعات الخضراء والمارينز من معمل كونيكو وذلك عند الساعة الحادية عشرة والنصف تقريباً اضطرت تلك القوات للتوقف، وذلك لأن عبور حاجز المدفعية كان في غاية الخطورة، وظل الوضع على حاله إلى أن تمكنت الضربات الجوية من إسكات مدافع العدو وإعطاب دباباته.

وقد تم احتجاز القوات الخاصة في المصنع واستهدافها بالذخيرة الحية من قبل مدفعية العدو، إذ كان وميض المقذوفات التي تخرج من فوهات الدبابات والأسلحة المضادة للطائرات والرشاشات ينير صفحة السماء.

وعند الساعة الواحدة صباحاً ومع تناقص موجات إطلاق النيران من قبل المدفعية، توقفت فرقة المارينز والقبعات الخضراء عند قاعدة كونيكو وبدأت بإطلاق النار. وفي الوقت ذاته، كانت بعض الطائرات الحربية الأمريكية قد عادت إلى القاعدة بعد نفاد الوقود أو الذخيرة لديها.

 

 

أخذت القوات الأمريكية المتواجدة على الأرض والتي أصبح عددها 40 تقريباً بالاستعداد للدفاع بمجرد أن تركت قوات المرتزقة مركباتها وتوجهت نحو القاعدة سيراً على الأقدام.

قامت ثلة من قوات المارينز بتلقيم الرشاشات بالذخيرة وتم توزيع قاذفات الصواريخ من نوع جافيلين على طول السواتر كما تم تثبيتها على الشاحنات. بعد ذلك بدأت قوات القبعات الخضراء والمارينز باستهداف المنافذ المكشوفة، فيما بقي الآخرون داخل الشاحنات يستخدمون الشاشات الحرارية وعصي التحكم المتحركة عن بعد لإطلاق نيران الرشاشات المثبتة على سطح الشاحنات.

هذا وقامت ثلة من القوات الخاصة ومن بينهم ضباط توجيه قتال القوات الجوية بضبط الراديوهات لتوجيه الفرقة التالية من راميات القنابل التي توجهت نحو ساحة المعركة، حيث قام عنصر مارينز واحد على الأقل بتعريض نفسه للنيران الآتية من العدو وهو يستخدم حاسوب توجيه الصواريخ لإيجاد مواقع الأهداف ونقلها إلى القوات الخاصة التي كانت تتواصل معهم بشأن الغارات الجوية.

وبعد مرور ساعة على ذلك، بدأ المقاتلون من الأعداء بالانسحاب، فتوقفت القوات الأمريكية عن إطلاق النار. كما أخذت القوات الخاصة من قاعدتها الأمامية بمراقبة المرتزقة والمقاتلين السوريين وهم يعودون لانتشال جثث قتلاهم. إلا أن فرقة الجنود الأمريكيين لم تصب بأي أذى، لكن أحد المقاتلين السوريين المتحالفين قد أصيب بجروح.

من الذي قاد ذلك الهجوم المشؤوم؟

مازالت أعداد ضحايا المعركة التي وقعت يوم 7 شباط موضع جدل ففي البداية ذكر مسؤولون روس بأن أربعة مواطنين روسيين فقط قد قتلوا جراء ذلك الهجوم، لكن العدد قد بلغ العشرات، في حين صرح ضابط سوري بأن 100 جندي سوري تقريباً قد قتل أثناء تلك المعركة. بينما تقدر الوثائق التي حصلت عليها صحيفة التايمز بأن عدد القتلى يتراوح ما بين 200 إلى 300 جندي من القوات الموالية للنظام.

وتوحي حصيلة تلك المعركة وكذلك الكثير من آلياتها بأن المرتزقة الروس وحلفاءهم من السوريين قد أخطأوا الوجهة حينما حاولوا أن يشنوا هجوماً بسيطاً كانوا قد حشدوا له الكثير من الجنود ضد هذا الموقع العسكري الأمريكي.

إذ منذ غزو العراق عام 2003، عملت القيادة المركزية للولايات المتحدة على تصفية كمية المعدات واللوجسيتيات والتنسيق والتكتيكات اللازمة للخلط بين الأسلحة التي يتم إطلاق نيرانها من الجو والأرض.

وتظل هنالك أسئلة عالقة حول من كان من المرتزقة الروس في تلك المعركة ولماذا شنوا ذلك الهجوم، ويرى مسؤولون في الاستخبارات الأمريكية بأن مجموعة "فاغنر" التي تعرف باسم الضابط الروسي المتقاعد الذي قادها، قد توجهت إلى سوريا لبسط سيطرتها على حقول النفط والغاز ولحمايتها لصالح نظام الأسد، بحيث يحصل المرتزقة على حصة من عائدات إنتاج الحقول النفطية التي قامت تلك القوات باستعادتها وذلك بحسب رأي بعض المسؤولين.

هذا وتقوم قوات المرتزقة بالتنسيق بكل حرية مع الجيش الروسي في سوريا. وتذكر تقارير بأنه بالرغم من حصول قادة مجموعة فاغنر على جوائز من قبل الكرملين، إلا أن المرتزقة التابعين لهذه المجموعة يتم تدريبهم في القواعد الخاصة بوزارة الدفاع الروسية.

وتؤكد القوات الحكومية الروسية في سوريا بأنها لم تتورط بتلك المعركة، ولكنها قامت خلال الأسابيع الأخيرة بالتشويش على الاتصالات التي جرت مع طائرات استطلاع أمريكية صغيرة وطائرات حربية مزودة بمدافع كتلك التي استخدمت في ذلك الهجوم بحسب ما ورد على لسان بعض المسؤولين العسكريين الأمريكيين.

وفي إشارة إلى الحرب الإلكترونية صرح مؤخراً قائد غرفة قيادة العمليات الخاصة الأمريكية الجنرال توني توماس: "نعاني الآن في سوريا من أكثر بيئة عدوانية للحرب الإلكترونية على هذا الكوكب من قبل أعدائنا، فهم يختبروننا بها كل يوم".

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
أين تنتشر السلالة المتحورة الهندية من كورونا في المنطقة العربية؟
حصيلة الإصابات بكورونا في سوريا خلال 24 ساعة
أكثر من 4600 شخص يتلقون لقاح "كورونا" شمال غربي سوريا