تتجدد مشاهد الازدحام أمام الصرافات الآلية في مختلف المدن السورية في مطلع كل شهر، حيث يقف المتقاعدون لساعات طويلة منذ الصباح الباكر منهكين بعد أعوام طويلة قضوها في خدمة مؤسسات الدولة.
وعلى الرغم من الزيادة الأخيرة في الرواتب، التي كان من المفترض أن تخفف جزءاً من أعباء المعيشة، فإن هذه الخطوة كشفت عن هشاشة منظومة الصرف وعدم جاهزية البنية المصرفية لاستيعاب حجم الطلب، لتتحول عملية استلام الراتب إلى رحلة مرهقة ومملوءة بالعوائق، وتتجلى هذه المعاناة بشكل أشد في دمشق وريفها، حيث تقتصر الصرافات العاملة على نقاط قليلة غالبًا ما تتوقف بسبب نقص السيولة أو الأعطال التقنية، ومع سقوف السحب المحدودة وعدم انتظام توفر النقود يضطر المتقاعد إلى التنقل بين عدة أجهزة بحثاً عن صراف يعمل، ما يزيد من طول ساعات الانتظار ويضاعف الإجهاد الجسدي والنفسي.
وفي كل شهر تتكرر هذه المأساة من خلال طوابير مكتظة، نقص مستمر في السيولة، وتأثير مباشر على صحة كبار السن الذين لا يملكون بدائل أخرى.
وبين الوعود الرسمية بتوسيع شبكة الصرافات وتحسين الخدمات، والواقع الذي يعيشه المستفيدون على الأرض، تبقى الفجوة واسعة، إذ لم تعد المشكلة مقتصرة على قيمة الراتب فقط، بل امتدت إلى الآلية التي تُدار بها عملية الصرف.
المتقاعدون.. تعب العمر لا ينتهي
بين ازدحام الصرافات وصعوبة الوصول إلى الراتب الشهري، تتشابه قصص المتقاعدين السوريين في تفاصيلها اليومية، لكن لكلٍ منهم معاناته الخاصة التي تعبر عن واقع واحد، تعب العمر لا ينتهي بالتقاعد.
أبو خالد (64 عاماً)، موظف متقاعد من وزارة الصحة منذ عام 2017، أوضح لموقع تلفزيون سوريا أنه يقف منذ ساعات الصباح في طابور طويل أمام أحد الصرافات في المصرف العقاري لدمشق.
وقال "المسموح إلنا نسحب مرتين بالشهر، ما كانت الأزمة بهالحجم لأن الرواتب كانت قليلة ما بتكفي يوم وما بتحتاج زحمة، كنا نسحب 200 ألف مرة وحدة، أما اليوم صار الراتب حوالي 800 ألف وعلى دفعتين، وهون صار الضغط الكبير ببداية الشهر".
وتابع قائلًا "منجي من آخر الدنيا، ونحنا يادوب صحتنا بتساعدنا الراتب زاد كتر خير الله، بس والله عم نموت لنقبضه بهالعجقة، لازم يفتحوا صرافات بأماكن تانية أو يخلّوا البطاقة مفتوحة للسحب بأي وقت، هيك بيخف الضغط علينا".
ويختم أبو خالد حديثه "منطلع من الصبح، ومنرجع بعد العصر، ومنستلم الراتب بطلوع الروح".
أما سعيد الكيلاني (61 عاماً)، وهو مدرس متقاعد منذ عام 2020، فيصف المشهد أمام الصرافات بأنه "مرهق وغير إنساني"، قائلاً “العدد كبير ومعظمنا كبار، المريض بالقلب أو الربو أو المفاصل واقف بالساعات وكله بحاجة يكون بالحسبان.”
ويشير الكيلاني إلى أن الاكتظاظ يتركز عادة بين العاشر والخامس عشر من كل شهر، "لأن الدفعات محددة بأوقات متباعدة"، موضحًا أن وجود أجهزة “الكاش” الخاصة بالموظفين العاملين، ساهمت في تخفيف الضغط عنهم، وقال "لكن المتقاعدين ما عندهم نفس الخيار".
ويقترح حلاً يساعد بتخفيف الضغط "لو حددوا مواعيد للقبض حسب أرقام البطاقات، أو قسمونا على أيام معينة، بيخف الضغط وبيصير التنظيم أفضل نحنا اشتكينا كتير بس ما حدا سمعنا".
معاناة عمرها سنوات
تتكرر المعاناة ذاتها مع عماد الدبس (67 عاماً)، المتقاعد من وزارة الزراعة منذ أكثر من عشر سنوات، الذي يضطر كل شهر إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى أحد الصرافات القليلة العاملة.
يصف عماد يوم القبض لموقع تلفزيون سوريا بأنه أشبه بـ “معاناة شاقة”، قائلاً “أحياناً منوقف ساعتين أو تلاتة بتفضى الحصالة ومنرجع نوقف بدور جديد بصراف تاني، نحنا كبار بالعمر ومناطقنا بعيدة وأوقات منركب سرفيسين أو أكتر بس لنقدر نوصل.”
ويتابع مناشدًا الجهات المسؤولة عن هذا القطاع "بدنا حل لازم يعزّزوا الصرافات بالسيولة ويشغلوا صرافات خارجية، أو ينظموا المواعيد حسب أرقام البطاقات أو الفئات، الوقفة بهالعمر وبهالظروف، ومع أمراض كبيرة وصعوبة الحركة أمر غير سهل علينا".
وبالقرب منه يقف أبو محمود (68 عاماً)، وهو متقاعد آخر ينتظر دوره وسط الازدحام ذاته، يروي معاناته التي لا تختلف كثيراً عن غيره، ويضيف مشكلة إضافية تتعلق بتراكم الرصيد في بطاقته دون أن يتمكن من سحبه.
"أنا داخل بطاقتي في أكتر من 450 ألف من شهور، وما عم أقدر اسحبهن لأن مسموح بس دفعتين بالشهر، كل وحدة 600 ألف، وأنا راتبي أعلى يعني كل شهر بيضل قسم من الراتب محجوز بالبطاقة شو الحل؟ والله ما بعرف".
ويشير أبو محمود إلى أن الظروف الصحية تزيد الوضع تعقيدًا وقال “أنا مركّب شبكة بالقلب، وفي معنا نسوان ورجال كبار بالعمر واقفين بالساعات لا في كراسي نقعد عليها، ولا في شاشة رقمية تنظّم الدور، منتمنى يوصل صوتنا للمعنيين ويكون في حل.”
هذه الشهادات وغيرها كثير تكشف حجم الضغوط التي يعيشها المتقاعدون شهريًا، وتبرز الحاجة الملحّة لإيجاد آلية صرف أكثر عدالة وإنسانية تراعي عمرهم وصحتهم وظروفهم المعيشية.
في هذا السياق تشير بيانات حديثة صادرة عن موقع B2B-SY إلى أنّ الزيادة الأخيرة على معاشات المتقاعدين رفعت الكتلة الشهرية المخصّصة لهم في المصرف العقاري إلى نحو 126 مليار ليرة، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه سابقاً، ما أدى إلى تضاعف الضغط على الصرافات الآلية ونقص السيولة بشكل متكرر.
كما لفت التقرير إلى وجود تحويلات يقوم بها بعض التجار إلى حسابات المتقاعدين، تسحب لاحقاً من الصرافات ما يزيد من حدّة الازدحام.
ورغم تثبيت مواعيد الصرف بين الأول والخامس من كل شهر، ما تزال الطوابير الطويلة هي المشهد الغالب مع غياب حلول تقنية وتنظيمية واضحة حتى الآن.
تحسينات خجولة "لا تكسر" الطابور
تتنوع الشكاوى التي يعبّر عنها المتقاعدون لكن جوهرها واحد، نظام الصرافات الحالي غير قادر على تلبية احتياجات فئة تعدّ من الأكثر هشاشة في المجتمع، ومع غياب التنظيم وضعف البنية التحتية المصرفية، تبقى طوابير الانتظار الطويل والتعب المتكرر مشهداً ثابتاً لأزمة لم تجد طريقها إلى الحل بعد.
وفي إطار الخطوات المعلنة للتخفيف من هذا الضغط، أُطلقت مؤخراً خدمة جديدة بالتعاون بين المصرف العقاري والمؤسسة السورية للبريد، تتيح للمتقاعدين الموَطَّنة رواتبهم في المصرف استلام مستحقاتهم من الصالة المركزية في الحجاز بدمشق، ورغم أنها خطوة إيجابية فإنها محدودة ولا تعالج المشكلة من جذورها.
وسعيًا للحصول على معلومات أوضح حول آلية هذه الخدمة وإمكانية توسيعها، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات الجهة المشرفة على المؤسسة السورية للبريد لكن لم يصل أي رد حتى الآن.
كما وجهنا استفسارات إلى وزارة المالية وإدارة المصرف العقاري بشأن الأسباب المستمرة لأزمة الصرافات، غير أنّه لم يرد أي توضيح رسمي حتى لحظة إعداد هذا التقرير، ما يترك المتقاعدين أمام معاناة شهرية متكررة بلا حلول ملموسة.







