تطور المجتمع السوري بين 1830 و2011.. كيف تم خنق دمشق وحلب؟

تاريخ النشر: 23.10.2020 | 16:12 دمشق

باريس - مصطفى عباس

يرسم كتاب تطور "المجتمع السوري " للباحث نشوان الأتاسي صورة لسوريا، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، منذ حملة إبراهيم باشا بن محمد علي على سوريا 1830، التي كانت بمثابة صعقة كهربائية لمجتمع سادر في سبات عميق منذ عدة قرون، وصولاً إلى الثورة السورية التي انطلقت عام 2011 ضد نظام الأسد، وسأتناول هذا الكتاب على ثلاثة أجزاء، وهذا هو الجزء الأول.

الكاتب الذي صدر عام 2015 عن دار أطلس قسم الكتاب إلى أربعة فصول، سوف أقوم في هذه المراجعة بإضاءة سريعة على الفصول الأربعة.

الفصل الأول من عام 1860 حتى 1916:

كتمهيد.. يشرح المؤلف نظام الالتزام الذي قامت عليه السلطة العثمانية منذ دخولها إلى سوريا بعد انتصارها على المماليك في معركة مرج دابق 1516، وهذا النظام يقوم على أن السلطة هي المالكة للأرض، وهي التي تعطيها لمن يدفع أكثر كي يستثمرها، وهذه العقود يتم تجديدها بشكل موسمي سنوي، ولكن مع ضعف الدولة العثمانية وزيادة التدخل الأجنبي في شؤونها، انطلاقاً من منتصف القرن الثامن عشر، ضعفت سلطة الدولة المركزية في الآستانة، وازدادت حاجتها للمال، وبالتالي أصبح الالتزام طيلة الحياة، " وبذلك أصبح الملتزم مالكاً، وكان المالكون لرأس المال من بين تجار المدن هم من قاموا أساساً بشراء ووراثة الإقطاع الضريبي".

كان الوضع السياسي للمدن السورية حينها قائماً على ثلاثة أركان الوالي الذي يتم تعيينه من الباب العالي، والقوات التابعة للوالي، من جهة، والأعيان من التجار وملاك الأراضي والعلماء والأشراف من جهة أخرى، وهذه الفئة هي التي كانت تقوم بالوساطة بين الدولة وبقية الأهالي، وهنا يوضح الأتاسي المراحل التي مرت بها علاقة هؤلاء الوسطاء بالدولة المركزية.

1-من الفتح العثماني 1516، إلى نهاية هذا القرن، وفيها فرضت السلطة العثمانية سلطتها القوية، وتكيف معها الأعيان.

2- القرن السابع عشر، وفيها برزت قوة الأعيان وكسبوا امتيازات منها حق وراثة اقطاعات الضرائب.

3-السنوات الستون من القرن الثامن عشر ازدادت قوة حكام الولايات، وبدؤوا بالحد من نفوذ الأعيان.

4- بعد عام 1760 بدأت السلطات العثمانية التي بدأت الاعتماد على الوسطاء، وأصبحوا شبه مستقلين.

 5- بعد حملة محمد علي وحكم ابنه إبراهيم المشدد لسوريا، ضعفت سلطة الأعيان.

6- بين عامي 1840 و1860 شهدت السلطنة العثمانية إصلاحات، لم يستقبلها الأعيان بحرارة.

13010647_869190616522779_9138149530453796315_n.jpg

الفتنة الطائفية

فترة الحكم المصري لسوريا التي لم تدم سوى تسع سنوات كانت محورية، فذهب الحكم المصري وبقيت آثاره، إذ بعد التحديث الكبير الذي جاء به إبراهيم باشا، تم فتح البلاد أمام التجار والرحالة الغربيين، وعليه تحول الاقتصاد من الزراعة إلى التجارة، "وعلى النقيض من السهولة النسبية التي ثبتت بها طبقة الملاك البيروقراطيين سلطتها بعد 1860، فقد شهدت كل الطبقات الأخرى تقريباً تآكلاً مستمراً في مواقعها، بل وتحلل بعضها كلياً أمام الضغوط الاقتصادية الأوروبية المكثفة، وقوى المركزية العثمانية".

الفتنة الطائفية التي حدثت 1860، يرى الباحث أن من أسبابها بالإضافة إلى الانتفاضة الاجتماعية والسياسية التي حدثت في تلك الآونة، الحملة المصرية التي فرضت المساواة بين جميع الطوائف، وتدخل التجار والقناصل الأوروبيين لحماية الأقليات التي تحسن وضعها كثيراً، وهنا شعر مسلمو دمشق باستياء كبير من هذه التطورات، خصوصاً الحرفيين وعمال النسيج، الذين حلت البضاعة الأوروبية محل صناعتهم، " فصبوا جام غضبهم على المجتمع المحلي المسيحي، الذي ارتبط مؤخراً بالذهنية الشعبية بالمصالح الأوروبية".

كان رد فعل السلطة على أعمال العنف ضد المسيحيين قاسياً، ضد الدمشقيين بشكل عام، وهذه الأحداث تسببت بتغيير كبير في بنية المجتمع: 1- انتشار الملكية الخاصة وتعاظم دور الدولة. 2- بدء تحول الاقتصاد السوري نحو التجارة. 3- توسع الأراضي الصالحة للزراعة في سوريا.

أنواع المدارس

في بداية القرن العشرين ظهرت طبقة من التجار من الذين استفادوا من قوانين ما بعد 1860، بينما حاول أبناء الملاك التقليديين التأقلم مع هذا الوضع الجديد، فيما كانت سلطة طلاب العلم الشرعي والشبكات الدينية التقليدية بدأت بالتضاؤل، نتيجة كراهيتهم للتنظيمات، وأيضاً للإصلاحات، " فتقوقع الكثيرون منهم داخل شبكاتهم التقليدية، مع التهام العلمانية للهيبة والمقام الديني كقوة أساسية".

كان في تلك الفترة أربع نماذج للمدارس: المدارس الرسمية التابعة للمؤسسات التعليمية الرسمية في سوريا ولبنان، والمدارس الوطنية التابعة لبعض الطوائف، لكنها لا تقدم تعليماً دينياً، والمدارس التابعة للطوائف وتقدم تعليماً دينياً، وهذه هي الأكثر عدداً وانتشاراً، وأخيراً، المدارس التابعة للبعثات التبشيرية.

في نهاية هذا الفصل يتساءل الكاتب أنه إذا كانت منظومة السلطة العثمانية تعمل لصالح الملاك البيروقراطيين والنخبة البرجوازية المسيحية، فلماذا بدأت كلتاهما تعملان ضدها في مطلع القرن العشرين؟ هذا ما سيجيب عليه في الفصل الثاني.

الفصل الثاني: من الثورة العربية الكبرى حتى الجلاء بين عامي 1916 و1946.

يشير الكاتب إلى أنه في عام 1909 عندما تم الانقلاب على السلطان القوي عبد الحميد الثاني، لم تكن فكرة العروبة قد أخذت مداها في المجال السياسي العام، حيث كان الكثير من السوريين يؤمنون بـ " العثمانوية" كإطار جامع لكل الشعوب التي تحت حكم العثمانيين، ولكن الاتحاديين -حزب الاتحاد والترقي- بدؤوا بتحريف هذا المفهوم عن مساره عبر التركيز على العنصر التركي، واتباع سياسة التتريك، التي تعتبر قطعاً واضحاً مع السياسة الحميدية، وهذا ما أدى إلى تحالف بين " الأعيان العلمانيين والإنتلجنسيا، مضافاً إليهم الضباط المحالون إلى التقاعد"، في غضون ذلك كانت النسخة الدمشقية من العروبة في تقدم عبر مفكرين شباب كانوا على اتصال بطلاب علم شرعي، وشكلوا جمعية النهضة العربية، فضلاً عن غيرها من الجمعيات السرية التي تم تأسيسها في باريس.

جاء احتلال القوات البريطانية المساندة للشريف حسين لدمشق عام 1918 كضربة قاضية لما تبقى من مؤيدي فكرة العثمانوية التي كان يدعو إليها السلطان عبد الحميد.

يقول الكاتب إن المفكرين المسيحيين من الذين درسوا في البعثات التبشيرية، هم الذين روجوا بداية لفكرة القومية العربية القائمة على تفوق العرب حضارياً، " وسعى هؤلاء المسيحيون كأقليات عربية إلى طريقة تتيح الاعتراف لهم على أساسها بمساواتهم مع المسلمين مرة واحدة وإلى الأبد".

الملك فيصل والصهيونية

بعد هزيمة العثمانيين وانسحابهم من دمشق، كان الهم الأبرز للأرستقراطيين العثمانيين هو تثبيت السلام في دمشق، وتقديم أنفسهم كأعيان، استمراراً لدورهم التاريخي، ولكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين بالعروبيين، الذين جاؤوا مع فيصل ابن الشريف حسين، وبالتالي كانت مصالحهم تقتضي أن ينهزم فيصل، "لذلك بدأ وجهاء عديدون يسعون إلى ضابط الاتصال الفرنسي في دمشق وحمايته".

فيصل الذي تسلّم بلداً انهكته الحرب، لم يقم بشيء يذكر لتحسين الوضع المعيشي للأهالي فيه، فيما كان جل اهتمامه منصباً على المفاوضات الدبلوماسية في أوروبا ومحاربة المخططات الفرنسية في سوريا، وازداد الضغط العربي على الملك فيصل، خصوصاً عندما وقع اتفاقية مع حاييم وايزمان يسمح بزيادة الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، مقابل دعم صهيوني لدولته العربية في سوريا.

فرنسا والأقليات

بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا، ضمن اتفاقية سايكس بيكو لتقاسم مناطق النفوذ بين الفرنسيين والإنكليز، انهزم مشروع الملك فيصل بسرعة، فتعامل الفرنسيون مع كل تصرف سياسي من زاوية انعكاسه على مستعمراتهم في شمال أفريقيا، وكانوا يتعاملون " مع بلد متطور ومتحضر كسوريا التي تملك نخبة ذات مستوى سياسي واجتماعي وثقافي رفيع كما لو أنهم يتعاملون مع قبائل جبال الأطلس أو زنوج السودان". كما نظر الفرنسيون للقومية العربية على أنها " نزعة تعصب إسلامي تعقد العزم على منع انتشار الحضارة الغربية".

يقول الكاتب إن الفرنسيين مالوا إلى تفضيل المسيحيين على المسلمين، والأقليات الجبلية على الأكثرية العربية السنية، على عكس البريطانيين الذين اعتمدت على الأكثرية العربية السنية من سكان، وهذا التوجه جعل الفرنسيين يشكون أن بريطانيا تقوي القومية العربية لإضعاف نفوذ الفرنسيين في المشرق العربي، تمهيداً لطردهم نهائياً منه.

يرى الأتاسي أن فرنسا لم تقم بإرساء بنية تحتية حديثة كما كان مطلوباً حسب بنود الانتداب، بل خربت سوريا الطبيعية التي تكونت عبر قرون، وأضعفت مدن ذات مزاكز تجارية مهمة، كحلب التي كانت عقدة الطرق التجارية، عبر التاريخ، وثالث المدن أهمية في السلطنة العثمانية، بعد إسطنبول والقاهرة. فقدت حلب ميناءها البحري بعد سلخ لواء إسكندرون، وفقدت دمشق ميناءها البحري في بيروت، وأصبحت مدينة داخلية في ظل الانتداب الفرنسي، حتى تواصلها مع فلسطين وشرق الأردن والعراق.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
حصري: شحنة سلاح إيرانية مفقودة في دير الزور تثير جنون إسرائيل
انكماش الاقتصاد الأردني يزيد الضيق على العمال السوريين 
مسؤول الحرس الثوري في دير الزور يصل العراق للقاء ضباط إيرانيين
مطار حلب يستقبل أول طائرة من بيروت بعد تعليق العمل بسبب "كورونا"
8314 إجمالي الإصابات بكورونا شمال شرقي سوريا
صحة النظام: لقاح "كورونا" في نيسان واليونيسيف "لا موعد محدد"