تطور "الإرهاب" الإيراني وعولمته

تطور "الإرهاب" الإيراني وعولمته

في مطلع الثمانينات بدأ نوع جديد من الإرهاب يتصل بصعود "الخمينية" (إنترنت)
21 تموز 2019

عمدت حركات يسارية، واستمراراً لإرث "الإرهاب الثوري"، إلى عمليات خطف أو تفجير أو اغتيال بالإضافة إلى عمليات السرقة والسطو المسلح، لتحقيق أهداف سياسية ودعائية أو حتى لتمويل نفسها. ويمكن اعتبار الستينات والسبعينات من القرن الماضي الحقبة التي ازدهرت فيها عمليات الإرهاب الثوري، في أوروبا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، بل وداخل الولايات المتحدة. وكان انتهاج العنف السياسي هذا مقيّداً نسبياً بإضبارات أخلاقية من نوع تجنب الأذى المجاني للمدنيين قدر الإمكان، ومقتصداً في نوعية العنف، بوصفه وسيلة الضرورة القصوى، تجنباً لنقمة المجتمعات والرأي العام.

بطبيعة الحال، سرعان ما تبنت أنظمة مارقة وأجهزة استخبارات دولية هذه الأساليب، إضافة إلى "تصنيعها" منظمات متطرفة وسرية تابعة لها تدّعي نضالاً أو "قضية عادلة"، وتنفذ إرهاباً سياسياً يخدم أجندات تلك الأنظمة والدول وأهداف أجهزتها الاستخبارية. مع ذلك، ظلت تلك اللعبة القذرة محاصرة بروادع كثيرة، وبآليات ضبط دبلوماسية، ونظام معاقبة دولي، وبشيء من التوازن ما بين الغاية السياسية وأدوات العنف.

إن أفضل ما أنتجه العنف اليساري في الدول الديموقراطية (ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، الولايات المتحدة..إلخ)، هو استجابة مجتمعية وسياسية وحقوقية مضادة وناجعة طورت النظام الديموقراطي نفسه وقوانينه في العمل وفي الرعاية وفي شروط العدالة الاجتماعية، وفي الحال الإسبانية والبرتغالية، حفزّت رداً مضاداً انتهى بالتحول إلى الديموقراطية. 

أما في العالم الثالث، فكان الرد على الإرهاب اليساري هو ولادة إرهاب يميني متطرف وعسكريتاري كانت فظائعه ماثلة في معظم دول أميركا اللاتينية (إلى لحظة الدمقرطة في التسعينات)، عدا عن إرهاب الأنظمة "الرجعية" في معظم دول الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، الذي فتك بالأحزاب الشيوعية واليسارية، بالتساوق مع فشل تلك المجتمعات ونخبها في توليد استجابة إصلاحية تتجاوز إرهاب السلطة وعنف المعارضة.    

في مطلع الثمانينات بدأ نوع جديد من الإرهاب يتصل بصعود "الخمينية" وتبنيها لمبدأ تصدير الثورة

في مطلع الثمانينات بدأ نوع جديد من الإرهاب يتصل بصعود "الخمينية" وتبنيها لمبدأ تصدير الثورة. وكانت السمة الواضحة منذ البداية هي وراثة الإرهاب اليساري وتطويره على نحو أكثر شمولية بل أكثر دموية وشراسة. وتم كسر بعض "المحرمات" بما يوسع من مدى الأذى وأهدافه.

بدا الإرهاب الجديد "الإسلاموي" كما لو أنه استجابة للانسداد السياسي، بعد تغول الأنظمة وانحلال اليسار، فيما اقتراح "التحول الديموقراطي" كان غائباً تماماً أو غير مسموع كلياً، خصوصاً وأن معظم النخب في الدول العربية والإسلامية المتشبعة بأفكار قومية ويسارية بالكاد تبدي احتراماً لمفهوم الديموقراطية وللأفكار الليبرالية، بينما المجتمعات المحبطة المتشبعة بتدين موروث وبديهي سرعان ما وجدت في الإسلام السياسي انتماءً عاطفياً وتلقائياً.

في تلك اللحظة ولد توءم الإسلام السياسي: الشيعي مع الثورة الإيرانية، والسني مع الحرب الأفغانية. بل ويمكن القول إن الميدان الأفغاني كان الضالة التي وجدها الإسلام السياسي السنّي كرد "جهادي" و"ثوري" متوازن، وكاستجابة لتحدي الإسلام السياسي الشيعي الذي منحته الخمينية عصرنة ثورية لمفهوم "الجهاد" القديم.

التنافس "الثوري" بين الجهادين الشيعي والسني، أدى إلى واحد من أشد أنواع الإرهاب العدمي المسمى السلفية الجهادية. فإذا كان العنف اليساري هو "من أجل عالم أفضل"، فإن ما أتت به "القاعدة" و"داعش" وكل ما يتفرع عنهما هو عنف "ضد العالم".

في المقابل، تحول الإرهاب الخميني إلى "جهاز" حديث. تبنى عنفاً وإرهاباً أكثر منهجية وقسوة من سلفيه المتطرفين، اليساري واليميني، ولا يتورع عن ارتكاب فظائع الجماعية، حتى إنه لا يخلو من العدمية (العمليات الانتحارية أو التفجيرات العشوائية) لكنه "منظم" كما إرهاب الأنظمة وأجهزة الاستخبارات. لقد دمج أنواع الإرهاب والعنف وأساليبهما كلها في منظومة دولتية مركزية، تتفرع منها شبكات إقليمية ودولية. 

لم يخترع الإرهاب الخميني الخطف مثلاً، لكنه جعل "بنك أهدافه" يتسع لأي كان

لم يخترع الإرهاب الخميني الخطف مثلاً، لكنه جعل "بنك أهدافه" يتسع لأي كان، خصوصاً الأجانب أو الذين يطمئنون لبراءتهم: السياح مثلاً. وقلب أحياناً أسلوب الخطف المقترن بالإعلان عن المطالب تحت تهديد القتل.. إلى القتل بوصفه إعلاناً عن مطالب.

على هذا النحو، تحول خطف الطائرات أو عمليات الاغتيال لشخصيات، من حالات استثنائية قصوى إلى "صناعة" واسعة النطاق. فيما العنف العمومي: تفجير مبان بأكملها، سيارات مفخخة في الشوارع، وصولاً إلى إشعال حروب أهلية لا نهاية لها.. بات سمة ثابتة تتحكم بالعلاقات مع الدول والمجتمعات، إضافة إلى ربط بقاء النظام والدولة في إيران بعقيدة الحرب الدائمة وتغذية الإرهاب كسياسة دائمة.

"العالم بحالة حرب"، هو ما كرسته الخمينية كثقافة لأتباعها، وهو ما أخذته السلفية الجهادية السنية إلى العدمية المطلقة. وبهذا المعنى، ليس للقاعدة ولا لداعش أي "سياسة" أو اقتصاد أو مجتمع أو دولة، على العكس من الخمينية، التي "تمنهج" الإرهاب في سبيل اقتصادها ومجتمعها وسياستها ودولتها.. ومن أجل ديمومة النظام.

صحيح أن توءم الإرهاب الإسلام السياسي يشترك بيوتوبيا دينية واحدة، لكن "اليأس" الذي يسم عدمية تنظيمات القاعدة وداعش، يحيل اليوتوبيا فقط إلى ما وراء الغيب وما بعد الموت، بينما أثر "الحداثة" والفاشية على الخمينية جعلها تتبنى وعد دولة اليوتوبيا الأرضية.

من هذا الفارق، يمكننا معاينة سيرة حزب الله مثلاً، بوصفه جهازاً ضمن شبكة الحرس الثوري الإيراني، أو الحشد الشعبي العراقي أو "أنصار الله" (الحوثيين). سيرة التحول من منظمة سرية تمارس الإرهاب المنظم إلى حزب وميليشيا و"شعب" (حاضنة اجتماعية، طائفة، جماعة إثنية..إلخ) فوق الدولة الوطنية وعابر للحدود. وبطبيعة الحال، معولم و"عصري"، فهو مندمج مثلاً ضمن شرعيات سياسية (الشراكة في حكومات دستورية وانتخابية، كما في لبنان أو العراق) أو مندمج في معارضات شعبية وسياسية لها كامل المشروعية (حتى ولو مقموعة ومضهدة) كما في البحرين والسعودية وأفغانستان وفلسطين والكويت، أو مارق وإرهابي ومافيوي كما في شبكات التهريب وتبييض الأموال والأسواق السوداء بالشراكة مع عصابات الجريمة المنظمة، بل وفي أحيان كثيرة هو جمعيات خيرية وأندية اجتماعية وروابط ناشطين سياسيين ومساجد و"حسينيات" ومراكز ثقافية، في دول الاغتراب بمختلف القارات، وبأكثر الدول خصومة لإيران، على مثال الدول الأوروبية والولايات المتحدة وأستراليا..

لهذا كله، "الإرهاب" بنسخته الخمينية غير قابل للعزل كما داعش أو القاعدة، إنه جزء من "نظام العالم" ومن وقائعه السياسية الكبرى. وعليه، يمكن القول إن ليس لإيران حاجة ملحّة لسلاح نووي، طالما أنها بهذه المنظومة الإرهابية أكثر فعالية من أي دولة تملك قنابل ذرية.

مقالات مقترحة
عدد إصابات كورونا يتجاوز الألف في مناطق سيطرة النظام
إصابة جديدة بفيروس كورونا في شمال غربي سوريا
حالتا وفاة بفيروس كورونا وحجر للمصابين في مناطق الإدارة الذاتية
إصدار مرئي للتنظيم المسؤول عن استهداف الدورية المشتركة على الـM4
قتلى لقوات النظام في جبل الأكراد بعد إحباط محاولة تسللهم
ضحايا مدنيون بغارات جوية على مدينة بنش شمالي إدلب (فيديو)
رايبورن: صيف قيصر سيستمر على الأسد وحلفائه حتى النهاية
حجاب ورايبورن يبحثان أفضل السبل لتطبيق قانون قيصر
شركات نفط في لبنان يديرها مهرّب سوري وعضو في برلمان النظام