icon
التغطية الحية

تضاعف نسبة عمالة الأطفال السوريين في لبنان.. من يتحمل المسؤولية؟

2022.08.18 | 06:28 دمشق

1
AP
+A
حجم الخط
-A

تراقب نجوى ابنها حسن من بعيد وهو يحمل رزمة من علب المحارم في منطقة العبدة شمالي لبنان بينما يقف على إشارة المرور مطارداً السيارات في محاولة لبيع ما أمكن من بضاعته، بسعر 5000 ليرة لبنانية ( 50 سنتاً) للعلبة الواحدة، فينجح حيناً ويتعثر حيناً آخر. 

حسن (9 سنوات) هو الولد الأكبر لنجوى والمعيل الوحيد لعائلته، فوالده قضى تحت التعذيب في أقبية النظام السوري تاركاً وراءه أربعة أطفال.

يستيقظ الطفل باكراً، ويقف على باب المخيم الذي يقطن فيه في بلدة ببنين برفقة والدته في انتظار سيارة يستقلّانها مجاناً، لأن تعرفة التكسي للراكب الواحد باتت تعدل 15 ألف ليرة لبنان تزامناً مع غلاء المحروقات.

تقول نجوى: "كنت أحلم بأن أراه مهندساً أو طبيباً، ولكن الحياة كانت قاسية علينا.. اضطر أن يتحمل مسؤولية ويعمل ليعيلنا عوضا أن يرتاد المدرسة كأبناء جيله".

أسباب تزايد عمالة الأطفال السوريين في لبنان

كشف مصدر مسؤول في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) لموقع "تلفزيون سوريا"، أن آلاف الأطفال السوريين اضطروا لدخول ميدان العمل، وترك الدراسة بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تحيط باللاجئين السوريين في لبنان.

ويُظهر تقييم الضعف السنوي للاجئين، الذي أجرته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأغذية العالمي، واليونيسيف، أن عدد الأطفال السوريين اللاجئين الذين يعملون ارتفع أكثر من الضعف بين عامي 2019 و 2021، ووصل إلى 27825 طفلاً، غالبيتهم من الذكور.

وبحسب التقييم، فإن الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات يعملون الآن في المزارع والشوارع ويبيعون الوقود بشكل غير قانوني، مما يعرضهم لخطر الإصابة بحروق خطيرة قد تصل إلى حد الموت، في حين تعرض كثير من الأطفال لتهديدات أخرى، مثل الإساءة والعنف والاستغلال الجنسي في أثناء العمل.

وبين المصدر أن الأزمة المدمرة التي يمر بها لبنان أدّت إلى زيادة نسبة عمالة الأطفال وتفاقم عدم المساواة، بالتزامن مع معاناة الكثير من العائلات من الفقر المدقع في البلاد، مشيرة إلى أن كل جانب من جوانب حياة الأطفال معرض للخطر، الأمر الذي دفع عائلاتهم إلى اتخاذ تدابير يائسة لمجرد البقاء على قيد الحياة.

وأدت هذه العوامل إلى تعرض الأطفال لسوء المعاملة، والاستغلال، والعنف، وترجم ذلك من خلال عمالة الأطفال، وزواج القاصرات، بحسب المصدر.

وأضاف المصدر أن التحديات التي يواجهها نظام المدارس العامة والتي تفاقمت بسبب الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا،  أدت إلى زيادة هائلة في عدد الأطفال السوريين اللاجئين المتسربين من المدارس والانخراط في سوق العمل.

وبحسب استطلاع أجرته "اليونيسيف" للمنظمات الشريكة في أيلول من العام الماضي، فإن عمالة الأطفال آخذة في الازدياد، إذ أشار 53 في المئة من المستجيبين إلى أن عمالة الأطفال هي مصدر قلقهم الأول فيما يتعلق بالحماية، بعد أن كانت النسبة 41 في المئة قبل ثلاثة أشهر.

وفي استطلاع أجرته المنظمة عينها في تشرين الأول الماضي، أكدت 12 في المئة من العائلات التي تم استطلاع آرائها بأنها أرسلت طفلاً واحداً على الأقل إلى العمل، علماً أن نسبة العائلات التي اضطرت لإرسال أولادها للعمل كانت تبلغ 9 في المئة قبل ثلاثة أشهر، ما يعني أن طفلًا واحدًا من كل 8 أطفال يعمل الآن.

 ما هو دور اليونيسيف في هذه الظاهرة؟

وأشار المصدر لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن عمالة الأطفال هي قضية معقدة تحتاج إلى معالجة من خلال نهج متكامل ومستدام.

وأضاف أن اليونيسيف التزمت بضمان حصول جميع الأطفال على التعليم من خلال ضمان تسجيلهم في سن المدرسة الإلزامية، بينما يتم دعم الأطفال خارج المدرسة بأشكال أخرى من التعلم بما في ذلك برامج التعلم السريع، والتدريب المهني، والتدريب الداخلي، وغيرها من حزم التعلم المخصصة ذات الصلة بملفهم الشخصي وعمرهم وخلفياتهم.

وتابع: "كما يتم دعم الأطفال بالمهارات الحياتية، وأنشطة الدعم النفسي والاجتماعي، بالإضافة إلى الخدمات المتخصصة للأطفال المعرضين لمخاطر عالية".

ويتم استكمال هذه التدخلات ببرامج دعم مقدمي الرعاية، وتعبئة المجتمع وزيادة الاتصال مع أصحاب العمل وغيرهم من أصحاب المصلحة الرئيسيين الذين يؤثرون على القرارات في حياة الأطفال، وفق المنظمة.

وتدعم اليونيسيف الأطفال الأكثر ضعفاً، بما في ذلك أولئك الذين يعملون في العمل وأسوأ أشكاله من خلال مساعدة نقدية شهرية من خلال منحة Haddi، وهي منحة مساعدة اجتماعية متكاملة للأطفال، وتصل حالياً إلى ما مجموعه 130 ألف طفل في جميع أرجاء لبنان.

وتقدم المنظمة أيضاً الدعم لأطفال الشوارع والأطفال العاملين من خلال مراكز الاستقبال المتوفرة بالقرب من مكان عملهم، والتي توفر للأطفال مساحة آمنة للتخلص من التوتر والتعامل مع استراحة من العمل، والمشاركة في الأنشطة، وبناء الثقة مع المرشدين الذين يربطونهم بدورهم بالأنشطة التي تساعد في بناء قدرتهم على الصمود، ومهارات التأقلم، وتلبية احتياجاتهم العاطفية وما إلى ذلك، بالإضافة إلى الدعم الفردي من خلال توفير الخدمات المتخصصة بما في ذلك الصحة العقلية، والخدمات الطبية، ومشاركة الوالدين، والخدمات القانونية وغيرها.

أين وزارة العمل اللبنانية من عمالة الأطفال السوريين؟

يقول وزير العمل اللبناني مصطفى بيرم لموقع تلفزيون سوريا إن الدولة اللبنانية لا تملك الإمكانيات اللوجستية للنزول إلى الأرض ومكافحة ظاهرة عمالة الأطفال، خاصة أن موظفي الوزارة في إضراب شامل منذ شهرين.

وأشار بيرم إلى أن الوزارة تحاول متابعة القضية من خلال الورش التدريبية، وتحركات المفتشين على الأرض، ولكنه يرى في الوقت عينه أن مكافحة هذه الظاهرة تحتاج إلى خطة واضحة، إلى جانب أمور لوجستية يجب توافرها.

وبحسب بيرم، لا تمتلك وزارة العمل إحصاءات فيما يخص عدد الأطفال السوريين المنخرطين في سوق العمل، نظراً لعدد اللاجئين السوريين الكبير في لبنان، وتوزعهم في عدة مناطق بشكل غير واضح.

ولفت بيرم إلى أن قيام بعض اللاجئين بزيارة سوريا والقدوم إلى لبنان "شكل إرباكاً في عملية الإحصاء لدى وزارة العمل".

يشار إلى أن قانون العمل اللبناني يحظر عمالة الأطفال، إذ أصدرت وزارة العمل اللبناني قراراً عام 1997 يقضي بعدم السماح باستخدام الأطفال الذين يقل سنهم عن الثامنة عشرة.

وفي عام 1999 أصدر مرسوم حظر استخدام الأحداث قبل إكمالهم سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة في الأعمال الخطرة بطبيعتها، والتي تشكل خطراً على الحياة، أو الصحة أو الأخلاق بسبب الظروف التي تجري فيها.

وعدّ القانون لاحقاً المادة 25 من قانون العمل المتعلقة بشروط استخدام الأحداث في المؤسسات الحرفية، بحيث اعتمد سن الثانية عشرة كحد أدنى للعمل فيها.

ومن أجل ضمان تنفيذ الأحكام المختلفة في قانون العمل، بما فيها عمالة الأطفال، نص قانون الموازنة العامة والموازنات الملحقة للعام 2000 المادة 46 بمضاعفة الغرامات على مخالفة قانون العمل بمقدار خمسة وعشرين ضعفاً.

وعلى الرغم من إنشاء وحدة مكافحة عمالة الأطفال في وزارة العمل اللبنانية، وإطلاق عشرات المشاريع بالتعاون مع "اليونيسيف" ومنظمات دولية أخرى، لم تتمكن الدولة اللبنانية من مكافحة ظاهرة عمالة الأطفال بشكل جدي، علماً أن هذه الظاهرة باتت مشهداً عادياً في مختلف المناطق في الآونة الأخيرة، في وقت يشهد فيه لبنان أسوأ أزمة اقتصادية مرّت بتاريخه.