تصعيد غير مسبوق شمالي حلب.. ما مسؤولية روسيا وما خيارات تركيا؟

تاريخ النشر: 14.10.2021 | 06:09 دمشق

غازي عنتاب - عبدالوهاب عاصي

استهدفت قوات سوريا الديمقراطية "قسد" الأراضي التركية مرتين هذا العام في سياق التصعيد والرد بين الجانبين على طول الشمال السوري، وضمن تطورات ميدانية وسياسية بلغت حد التهديد التركي بشن عملية عسكرية خامسة في سوريا والتأكيد أن موسكو وواشنطن لم تنفذا الاتفاقات بشأن الأمن القومي التركي وعلى رأسه ملف حزب العمال الكردستاني في سوريا. 

وهنا تجد أنقرة نفسها أمام تحديات حقيقية قد تعيق شن العملية العسكرية المرتقبة، ولكن خياراتها موجودة في حال اتخذت قرارها النهائي.

تعرّضت مقاطعة قرقميش (75 كم) جنوب شرقي ولاية غازي عينتاب التركية يوم الإثنين الفائت لقصف بـ 5 قذائف هاون مصدرها قرية زور مغار التي تقع غربي مدينة عين العرب شمال شرقي حلب.

وهذه هي المرّة الثانية التي تتعرّض فيها الأراضي التركية للاستهداف خلال عام 2021 عبر مناطق الشريط الحدودي المقابل مع سوريا؛ ففي منتصف آذار سقطت قذيفتان صاروخيتان في ولاية كلّس الحدودية جنوبي البلاد من دون وقوع خسائر مادية أو بشرية، مصدرها مدينة تل رفعت شمالي حلب.

ومع أن قوات سوريا الديمقراطية "قسد" نفت صلتها بالقصف الذي تعرّضت له مقاطعة قرقميش فإن تركيا ألقت المسؤولية بشكل مباشر عليها. في الواقع، تتخذ قسد من عين العرب ومنبج وتل رفعت في ريف حلب قاعدة لتنفيذ عمليات ضد مصالح تركيا داخل أراضيها وفي مناطق عمليات درع الفرات وغصن الزيتون في سوريا.

وقد نفذت "قسد" منذ النصف الثاني لعام 2021 ما لا يقل عن 5 عمليات ضد أهداف ثابتة ومتحركة تابعة للقوات التركية باستخدام عبوات ناسفة وصواريخ مضادة للدروع شملت ثلاث قواعد وهي حزوان والياشلي قرب الباب وطويس قرب مارع، وعربتان في باصوفان قرب عفرين وأخرى في محيط مارع.

مسؤولية روسيا

تعد قرية زور مغار التي تم استخدامها من قبل قوات سوريا الديمقراطية لاستهداف مقاطعة قرقميش، آخر نقطة في واحد من مسارين للدوريات المشتركة بين تركيا وروسيا ضمن ناحية عين العرب، والتي وصل عددها حتى 11 تشرين الأول إلى 75 دورية.

وفي 3 من تشرين الأول تم تسيير الدورية المشتركة رقم 74 على مسار (آشمة – زور مغار) غربي عين العرب، كما تم تسيير الدورية المشتركة رقم 75 على مسار (غريب – بغديك) شرق عين العرب في 11 من الشهر نفسه أي تزامناً مع استهداف مقاطعة قرقميش.

هذا يعني أن الدوريات المشتركة في ناحية عين العرب لا تساهم في ضمان أمن تركيا القومي؛ طالما أن "قسد" تستخدمها كقاعدة لتنفيذ هجمات ضد مصالحها، مع أن المنطقة تشهد ارتفاعاً في عدد الدوريات المشتركة منذ آذار؛ نتيجة حرص تركيا على تعزيز آليات الرقابة والاستطلاع للحيلولة دون وقوع أي أنشطة انطلاقاً من هذه المنطقة.

نظرياً، تتحمل روسيا مسؤولية تصاعد أنشطة قوات سوريا الديمقراطية في شرقي وغربي الفرات، لكونها لم تلتزم بمذكرة سوتشي (2019) التي تعهدت بموجبها إخلاء الشريط الحدودي على عمق 20 كم من سلاح وعناصر قسد.

في شرقي الفرات تستطيع روسيا إخلاء مسؤوليتها نسبياً بإرجاع سبب تصاعد عمليات قسد إلى غياب القدرة على مراقبة جميع أنشطتها بمجرد الاعتماد على آلية الدوريات المشتركة، عدا أن تطبيق بنود مذكرة سوتشي (2019) يحتاج إلى مزيد من الوقت مع استمرار تقديم الولايات المتحدة الحماية لتلك القوات.

في حين تتراجع قدرة روسيا على إخلاء مسؤوليتها عن عمليات قسد غرب الفرات؛ أي منطقتي تل رفعت ومنبج، على اعتبار أنها الطرف الضامن الوحيد فيهما بعد إخلاء الولايات المتحدة لقواتها من محافظة حلب نهاية عام 2019.

بل من الواضح أن روسيا قد تعمّدت تقليص حجم تدخلها ضد قوات سوريا الديمقراطية بغرض الضغط على تركيا لتقديم تنازلات في القضايا الخلافية وتحديداً في ملف مكافحة الإرهاب، لكون تركيز أنقرة على حل ملف حزب العمال الكردستاني يؤثر على دورها في حل ملف هيئة تحرير الشام والتنظيمات الجهادية الذي يشكل أولوية بالنسبة لموسكو.

خيارات تركيا

عشيّة استهداف مقاطعة قرقميش في الجنوب التركي قام سلاح الجو الروسي بقصف غير اعتيادي لمحيط مدينة مارع، والذي بدا كتحذير شديد اللهجة لتركيا كيلا تتخذ خطوات أحادية الجانب للرد على ارتفاع حدة عمليات قسد بما بات يشكل تهديداً متصاعداً لأمنها القومي.

وهذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها روسيا مثل هذا النوع من رسائل الاحتجاج لثني تركيا عن تجاوز القنوات الدبلوماسية، إذ سبق أن قصفت منطقة خفض التصعيد بشكل غير مسبوق في 21 آذار 2021 بسبب توفير أنقرة تغطية نارية أرضية وجوية غير مسبوقة لفصائل المعارضة خلال هجوم وقائي نفذته على قريتي صيدا والمعلق قرب عين عيسى شمالي الرقة بعدما خرقت روسيا في 19 من الشهر نفسه الاتفاق الثنائي بإبقاء المنطقة خالية من المدنيين.

من الواضح أن روسيا تريد تقييد خيارات تركيا في الرد على تصاعد عمليات قسد ضد مصالحها، بما يجعل اللجوء إلى الخيار العسكري مقترناً بالضرورة بالتنسيق بين الطرفين لمنع الاشتباك على غرار عمليتي درع الفرات (2016) وغصن الزيتون (2018).

  • معركة يشنها الجيش الوطني

إلا أن ذلك لا يعني انعدام الخيارات أمام تركيا للرد؛ فهي أيضاً قادرة على تقليص حجم تدخلها في القرار العسكري لفصائل المعارضة السورية، أي بعدم الاعتراض على أية أنشطة قد تقوم بها على خطوط التماس في تل رفعت ومنبج وعين عيسى وتل أبيض وتل تمر ورأس العين ضد قوات سوريا الديمقراطية.

وقد لا يستدعي هذا الخيار بالضرورة قيام تركيا بتوفير غطاء ناري لفصائل المعارضة السورية؛ بما يحول دون أي احتمال لاصطدام عسكري مباشر للقوات التركية مع القوات الأجنبية وتحديداً الروسية والإيرانية، وذلك على مبدأ الرد بالمثل على تخلي روسيا عن مسؤولياتها تجاه نظام وقف إطلاق النار.

  • ضربات جوية

كما يُمكن لتركيا توسيع قائمة الاستهداف ضد مصالح قوات سوريا الديمقراطية عبر سلاح الجو المسيّر بما يشمل أرياف حلب؛ كاستكمال للعمليات التي شنتها أواخر آب 2021 والتي أدّت إلى مقتل قادة بارزين من كوادر حزب العمال الكردستاني، على ألا تقتصر تلك الضربات على العناصر فقط بل أن تشمل مخازن التسليح وطرق الإمداد والخطوط المتقدمة.

واللجوء إلى خيار الضربات الجوية المركزة يحتاج بالضرورة إلى استخدام قنوات التنسيق العسكري مع روسيا، ليس للحيلولة دون اصطدام القوات فحسب بل تعبيرٌ عن الالتزام بخطوط الاتصال والتعاون الثنائي وإن كان بأدنى حدّ.

  • تنفيذ حقيقي لمذكرة سوتشي (2019)

على أية حال، قد تعطي تركيا الأولوية إلى ترجيح القنوات الدبلوماسية والأمنية على الخيار العسكري المباشر وغير المباشر، وذلك من خلال الاتفاق مع روسيا على اتخاذ مزيد من الإجراءات لضمان تنفيذ مذكرة سوتشي (2019) من قبيل إقامة مزيد من المواقع العسكرية الثابتة في ناحية عين العرب عدا نقطة الإذاعة، وتسيير مزيد من الدوريات المشتركة وكذلك المستقلة من قبل روسيا.

إضافة إلى اتخاذ مزيد من الخطوات لضمان انسحاب حزب العمال الكردستاني من المنطقة الآمنة شرقي الفرات، على أن تكون هناك خطوات مقابلة من قبل تركيا لضمان تحقيق تقدّم في فصل المعارضة المعتدلة عن التنظيمات الإرهابية في غربي الفرات.

في الواقع، إن اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية لا يعني الاكتفاء بالتواصل مع روسيا بل لا بدّ أن يشمل الولايات المتحدة الأميركية، فتركيا بحاجة إلى إقناع واشنطن بضرورة عدم الفصل بين حماية الأكراد كشريك في إطار مهام مكافحة الإرهاب وبين المخاطر الشديدة التي يتعرّض لها أمنها القومي.

على الأقل ألا تعترض واشنطن على استكمال تركيا للعمليات الجوية ضد كوادر حزب العمال الكردستاني في سوريا والعراق، مثلما تغاضت عن ذلك، واعتبارها غير مؤثرة على مسؤولية حماية الأكراد كشريك محلي في مكافحة الإرهاب، طالما أنها جددت ذلك خلال زيارة وفد الإدارة الذاتية إلى الولايات المتحدة أواخر أيلول.