icon
التغطية الحية

تصريحات "ودية" بين موسكو ودمشق.. كيف سيحسم مصير القواعد الروسية في سوريا؟

2024.12.15 | 16:15 دمشق

آخر تحديث: 2024.12.15 | 16:48 دمشق

حميميم
جنود روس في قاعدة حميميم الجوية، 12 كانون الأول 2024 ـ رويترز
تلفزيون سوريا ـ طه عبد الواحد
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- بعد سقوط نظام الأسد، تركزت الأنظار على القواعد الروسية في سوريا وسط تقارير عن انسحاب جزئي، بينما أكدت روسيا حرصها على البقاء عبر محادثات مع "هيئة تحرير الشام".
- تاريخياً، سعت روسيا للحصول على قواعد في البحر المتوسط، وحققت ذلك في عهد الأسد الابن، حيث تعتبر قواعد حميميم وطرطوس ذات أهمية استراتيجية لتعزيز وجودها العسكري ومواجهة الهيمنة الغربية.
- مستقبل القواعد الروسية يعتمد على المحادثات بين روسيا وسوريا، مع احتمال بقاء القواعد ومراجعة الاتفاقيات لتعزيز السيادة السورية وإعادة تسليح الجيش بالتعاون مع روسيا.

منذ الساعات الأولى لبدء معركة "ردع العدوان" التي انتهت بسقوط نظام بشار الأسد، اتجهت الأنظار نحو القواعد الروسية في سوريا. وانخرط الخبراء والمحللون في عرض مختلف وجهات النظر بشأن تلك القواعد. في حين ذهبت وكالات أنباء ومواقع إعلامية عالمية إلى نشر معلومات، بناء على معطيات المراقبة، بأن روسيا بدأت تسحب قواتها من القاعدة الجوية، وأن سفنها الحربية قد غادرت بالفعل القاعدة البحرية في طرطوس.

وكان لافتاً أنه في خلفية هذا الصخب كله، لم تصدر عن القيادة العامة لعملية "ردع العدوان" أي تصريحات رسمية بشأن هذه القواعد، في حين أظهرت روسيا حرصا على إطلاق تصريحات بصيغة تميزت بالدبلوماسية الحذرة والإيجابية بآن واحد، حين أكدت على لسان ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي، أنها " تجري محادثات "بناءة" مع "هيئة تحرير الشام"، و"تعبر عن أملها في الاحنفاظ بوجودها العسكري في سوريا". كما تكررت التأكيدات ذاتها على لسان دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين.

ما حاجة روسيا بالقواعد في سوريا بعد فرار الأسد؟

كان واضحا منذ بداية التدخل الروسي في الصراع السوري لصالح نظام الأسد، أن روسيا وجدت في حاجة النظام الذي كان على وشك الانهيار أمام هجمات المعارضة عام 2015، فرصة للحصول أخيراً على مخرج نحو البحر الأبيض المتوسط، وهو ما حلم به قيصر روسيا الخامس بطرس الأكبر، وبقي الأمر حلماً حتى في الحقبة السوفييتية، حين لم ينجح زعماء بحجم ليونيد بريجنيف، ويوري أندروبوف بإقناع الأسد الأب أن يمنحهم تلك القواعد. في نهاية المطاف تحقق هذا "الحلم" الروسي القديم في عهد "المخلوع" الأسد الابن.

حاجة روسيا بالقواعد العسكرية على البحر الأبيض المتوسط لم تتغير، منذ عهد القياصرة، مرورا بالحقبة السوفييتية، وصولا إلى روسيا برئاسة بوتين. وخلال الحقبة السوفييتية كان التركيز على أهمية التواجد على ساحل المتوسط في سوريا، باعتباره عاملا مؤثرا في سياق المواجهة بين موسكو "الشيوعية" والغرب "الإمبريالي". إذ رأى القادة السوفييت في إقامة قواعد عسكرية على الساحل السوري، خطوة مهمة من شأنها الحد من الهيمنة الغربية على شرق المتوسط، وتقييد قدرات الأسطول الأميركي السادس، ورصد أي تحركات للناتو نحو الحدود السوفييتية، عبر المتوسط-البحر الأسود.

لم يختلف الأمر كثيراً في عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فقد عادت المواجهة مع الغرب إلى الصدارة في العوامل التي تبني روسيا على أساسها سياساتها الداخلية والخارجية، بما في ذلك في المجال العسكري.

ومع تصاعد حدة المواجهة بين موسكو وواشنطن في هذه المرحلة، إلى مستويات غير مسبوقة، تنذر بنشوب حرب عالمية ثالثة تُستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل، باتت القواعد الجوية والبحرية الروسية في سوريا تتمتع بأهمية كبرى بشكل غير مسبوق بالنسبة لروسيا.

في هذا الشأن يقول الخبير السياسي الروسي أنطون مارداسوف في حديث لموقع تلفزيون سوريا، إن تلك القواعد أسهمت في دعم تعزيز التواجد الروسي في أفريقيا، ومناطق أخرى، حيث "تحولت قاعدة حميميم إلى مركز لنقل الخبراء العسكريين، ليس باتجاه أفريقيا فحسب، بل وباتجاه دول أخرى، فنزويلا على سبيل المثال".  وأوضح الخبير الروسي أن "الطائرات التي تنقل الأفراد والحمولات الثقيلة، لاسيما العتاد الحربي، بحاجة إلى "مطار استراحة" ومن هنا جاءت أهمية قاعدة حميميم، التي يمكن القول إن توسع النشاط الروسي، الاقتصادي والسياسي والعسكري في أفريقيا يعتمد عليها إلى حد بعيد".

في السياق ذاته، أشار الخبير مارداسوف، أن "روسيا نشرت مقاتلات اعتراضية من طراز (ميغ-31)، وليس في قاعدة حميميم فحسب، بل وفي مطار كويرس، بعد إصلاح وتوسيع المدرجات في المطارين. وبوسع هذه الطائرات  أن تقوم بطلعات جوية، وليس في المنطقة فحسب، بل وصولاً حتى جبل طارق، وبالتالي تصبح الجبهة الجنوبية للناتو تحت مرمى نيرانها".

 فضلا عن ذلك، "كانت قاذفات استراتيجية قادرة على حمل السلاح النووي، تهبط وتتوقف لبعض الوقت في تلك المطارات السورية. وبهذا أظهرت روسيا أن الولايات المتحدة ليست وحدها من يستطيع نشر قواته الجوية الاستراتيجية في مناطق مختلفة من العالم، خارج حدودها، بل وهي (أي روسيا) تستطيع ذلك أيضاً. وهنا شكلت قاعدة حميميم بالنسبة للعسكريين الروس مكانة خاصة من وجهة نظر "ردع"، وفق ما يرى الخبير الروسي مارداسوف، الذي أضاف أن القاعدة البحرية في طرطوس، تشكل أيضاً أهمية خاصة بالنسبة لروسيا.

وأوضح أن "هذه القاعدة وفرت إمكانية لرسو وتوقف القطع البحرية الكبرى ومنها الغواصات والسفن الحربية الكبيرة، العاملة بمحركات نووية. ووفرت قاعدة طرطوس إمكانية لسفن الأساطيل الروسي بالتوقف للتزود بالوقود والماء والعتاد، الأمر الذي يعني فعلياً توفير الدعم لتلك السفن من دون الحاجة للإبحار بعيداً نحو الموانئ الروسية، وهذا يحسن قدراتها العملياتية. كما أن السفن الروسية كانت تجري دوريات قرب جزيرة كريت، لتشكل بذلك عامل ردع لمجموعات حاملات الطائرات الأميركية التي تجوب مياه المتوسط".

وبالنظر إلى المستوى غير المسبوق من التصعيد في العلاقات بين روسيا والغرب، فإن قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية أصبحتا أكثر أهمية بالنسبة لروسيا من أي وقت مضى.

تصريحات ودية من موسكو نحو دمشق "الجديدة"

في حين كانت وكالات الأنباء تنشر أخباراً "نقلا عن مصادر"، تتضمن شبه تأكيد بأن روسيا بدأت بسحب قواتها من سوريا، كانت موسكو توجه عبر تصريحات كبار مسؤوليها رسائل بنبرة إيجابية لقيادة العمليات في دمشق.

على الجانب الآخر، وجهت قيادة العمليات رسائل إيجابية نوعاً ما باتجاه موسكو، في تصريحات قائد العمليات أحمد الشرع، القائد الفعلي لسوريا في هذه المرحلة، الذي أكد في مقابلة مع تلفزيون سوريا أن "القيادة السورية حرصت على الابتعاد عن استفزاز روسيا ومنحتها الفرصة لإعادة تقييم العلاقة مع سوريا بشكل يخدم المصالح المشتركة، مؤكدًا أن المرحلة تتطلب إدارة حذرة للعلاقات الدولية".

مصير القواعد الروسية في سوريا.. السيناريوهات المحتملة

بداية لا بد من الإشارة إلى أنه، حتى لو تم اتخاذ قرار بإغلاق القواعد الروسية في سوريا، فإن هذا الأمر غير ممكن حالياً، نظراً لأن القواعد العسكرية الروسية في سوريا لاتفاقيات "حكومية" بين روسيا الاتحادية والجمهورية العربية السورية. أي أنها ليست اتفاقيات مع الرئيس المخلوع، بل مع "الدولة السورية"، بغض النظر عن الأشخاص، وبالتالي فإن أي قرارات بشأن هذه القواعد، يتم اتخاذها عبر محادثات بين الحكومتين في البلدين.

ويبدو أن قيادة العمليات كانت حريصة منذ البداية على عدم المساس بالقواعد الروسية، لتؤكد أنها قوة سياسية مسؤولة، تحترم الالتزامات والتعهدات الدولية للدولة السورية، وهذه خطوة مهمة للحصول على الشرعية والاعتراف الدولي، فضلا عن أنها خطوة مهمة في خلق أجواء إيجابية لبناء العلاقات الخارجية للدولة السورية الحديثة الحرة مع دول العالم.

بالتالي يمكن القول إن مصير قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، سيبقى معلقاً إلى حين تشكيل حكومة سورية تحصل على اعتراف دولي، الأمر الذي لا يمنع بالطبع من اتصالات بين موسكو ودمشق بما في ذلك بشأن مصير هاتين القاعدتين.

تبادل التصريحات بنبرة إيجابية بين موسكو ودمشق، يعزز الاعتقاد بأن الحكومة السورية قد لا تمانع بقاء القواعد الروسية، لكن لا شك أنها ستقوم بمراجعة لنصوص الاتفاقيات، وشروطها، لاسيما تلك المتعلقة بـ "السيادة" و "الرسوم الجمركية" وغيره. وربما يتم التوصل إلى اتفاق يلبي الرغبة الروسية، وتستفيد منه الحكومة السورية في أمور مثل: إعادة تسليح الجيش السوري ضمن خطة تستمر عدة سنوات، بالاستفادة من خبرة تراكمت على مدار عقود طويلة في التعاون العسكري بين موسكو ودمشق.