تصريحات حسن نصر الله بشأن بقاء قواته في سوريا: فتش عن إسرائيل!

تصريحات حسن نصر الله بشأن بقاء قواته في سوريا: فتش عن إسرائيل!

الصورة
11 حزيران 2018

مع استمرار الضغط الأميركي – الإسرائيلي على إيران لسحب قواتها من سوريا (في إطار المحاصرة الأميركية للنزعة التوسعية الإيرانية عموماً) أصبح السؤال عن مستقبل دور حزب الله في سوريا ووجود قواته، مطروحاً على الطاولة بصورة ملحة. وهذا ما دفع بحسن نصر الله إلى الإعلان الصاخب، في خطابه الأخير بمناسبة يوم القدس، عن إصرار الحزب على بقاء قواته في سوريا "حتى لو اجتمعت على إخراجه من هناك كل دول العالم"!

هل علينا أن نأخذ كلام نصر الله هذا على محمل الجد، أم أنه مجرد جعجعة مألوفة من رجل إيران القوي في لبنان، يشد به أزر مقاتليه وأنصاره وعصب جمهوره المذهبي، في وقت تشتد فيه الضغوط والمخاطر على إيران وأتباعها، ليس فقط من إدارة ترامب التي أعلنت استراتيجيتها التصعيدية ضد إيران بعد انسحابها الأحادي من الاتفاق النووي، ولا فقط من إسرائيل التي توّجت سلسلة هجماتها على مواقع حزب الله وقوافله العسكرية في سوريا، بهجوم العاشر من أيار الذي "دمر البنية التحتية للوجود الإيراني في سوريا، بصورة تامة تقريباً" حسب إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان،

الروسي يريد الاستفراد تماماً بمصير النظام الكيماوي، بعد إخراج العامل الإيراني من المعادلة

بل كذلك من روسيا الحليفة التي طلب مسؤولوها من إيران، بصراحة، سحب قواتها من سوريا، في استجابة روسية سلسة إلى المطالب الأميركية والإسرائيلية. بل إن ما أعطى أهمية إضافية للموقف الروسي الجديد هو إطلاقه بمناسبة استدعاء رأس النظام الكيماوي إلى سوتشي لتلقي آخر التعليمات من رئيسه فلاديمير بوتين. ما يعني أن الروسي يريد الاستفراد تماماً بمصير النظام الكيماوي، بعد إخراج العامل الإيراني من المعادلة. أي أن الموقف الروسي هذا ليس مجرد انحناء أمام العاصفة الأميركية، بل كذلك ترجمة لمصلحة ذاتية روسية لا تقبل شريكاً في "إنجازها السوري" بإنقاذ النظام من السقوط، كما يمنحها فرصة للتخفيف من عبء التحالف مع دولة تعتبرها الولايات المتحدة "راعية للإرهاب".

وإذا كانت إيران "أكبر دولة راعية للإرهاب" وفقاً لتصريحات أميركية متواترة، فحزب الله الإيراني في لبنان مصنف كمنظمة إرهابية على قوائم العديد من الدول الأوروبية، إضافة إلى الولايات المتحدة. والحق أنه يستحق هذا الوصف بجدارة، ليس فقط لدوره الإجرامي القذر في الصراع السوري، بل قبل ذلك في تاريخه الأسود الذي بدأ باغتيال مفكرين تنويريين من وزن حسين مروة ومهدي عامل، وتواصل باختطاف رهائن غربيين كالكاتب الفرنسي ميشيل سورا صاحب كتاب "الدولة المتوحشة"، ليتوج مسيرته الإجرامية باغتيال رفيق الحريري وموكبه، في 2005، وما تلا ذلك من اغتيالات لرموز تيار الاستقلال اللبناني. وبغزوه لبيروت، في أيار 2007، أعلن انقلابه العسكري على السلطة، في حين تحول، في سوريا، إلى مجرد ميليشيات طائفية تبيح قتل الطفل إذا كان سنياً، وتساند جزار سوريا بشار الكيماوي، مثلها في ذلك مثل ميليشيات المرتزقة الأفغان والباكستانيين والعراقيين، الشيعة جميعاً "بالصدفة"، المؤتمرة بأوامر قاسم سليماني "بالصدفة".

قد لا نعرف، نحن المراقبين والمحللين السياسيين، مدى جدية التهديدات الأميركية الموجهة إلى إيران، لكننا نتلمسها من ردود الفعل. وهناك كثير ممن استخفوا بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما يمكن أن يفعله، بالنظر إلى كلامه ومسالكه وقراراته غير المألوفة، وبخاصة أنه يواجه مقاومة صلبة من مؤسسة الحكم الأميركية الراسخة التي لا تتأثر كثيراً بتداول السلطة بين الديموقراطيين والجمهوريين، وبين الرؤساء المتتابعين. لكن الدول المستهدفة من السياسات الأميركية تعرف تماماً ماذا تعني التهديدات والمخاطر القادمة من واشنطن. فها هو الرئيس الكوري "العنيد" كيم جونغ أون ينيخ مستسلماً بصورة مفاجئة، وهناك تسريبات أميركية تحدثت عن أنه "يبوس الصرامي" لتحقيق اجتماعه المرتقب مع ترامب، بعدما هدد الأخير بإلغاء اللقاء. أما روسيا بوتين التي تحاول الظهور بمظهر "الدولة العظمى" فنحن نرى كيف أنها تركض وراء الأميركيين في كل صغيرة وكبيرة لنيل موافقتهم على ما يفعلون في سوريا. وأخيراً إيران: بعد كل جعجعاتها عالية الصوت تحذيراً لواشنطن من تداعيات انسحابها المحتمل من الاتفاق النووي، رأيناها وقد تحولت إلى قطة مسالمة تبحث عن السترة وحسن الختام لمغامرتها الإمبراطورية العابرة لحدود الدول الإقليمية.

من أين، إذن، يأتي حسن نصر الله الذي هو مجرد تابع لولي الفقيه، بل لقاسم سليماني، بهذه القوة ليتحدى "كل دول العالم" ويتمسك ببقاء قواته الإجرامية في سوريا؟

هناك مثل فرنسي شهير يقترح "فتش عن المرأة" لتفسير غوامض مسالك الرجال. يمكن اقتراح مثل شبيه بشأن تفسير غوامض مسالك الدول والقوى السياسية في منطقتنا، مفاده: "فتش عن إسرائيل".

فقد تواترت أخبار عن اجتماع سري بين إيران وإسرائيل في عمان، بوساطة أردنية، لا نعرف تماماً ماذا نتج عنه،

لم يبق أمام الإيرانيين، إذن، إلا إسرائيل. فهل يا ترى وافق الإسرائيليون على بقاء قوات حزب الله في بعض مناطق سوريا، بعيداً عن الحدود الإسرائيلية؟

وإن كان موضوع المفاوضات بين الطرفين لا يحتاج إلى تكهنات. فقد جاء الاجتماع بعد الضربة الموجعة التي تلقاها الوجود العسكري الإيراني في سوريا، وبعد التهديدات الإسرائيلية الصريحة التي تلت ذلك. ومنها الكلام الذي وجهه نتانياهو إلى رأس النظام الكيماوي مباشرة، ومفاده ضرورة التخلص من الحليف الإيراني لضمان بقائه في السلطة في دمشق. وهو ما سيقوله بوتين أيضاً للأسد في سوتشي.

في هذه الحالة، يعرف الإيرانيون جيداً أي باب يطرقون، بعدما أغلقت في وجههم أبواب واشنطن وموسكو معاً، والغلام السوري جاهز دائماً لبيعهم إذا جاءته الأوامر الروسية. لم يبق أمام الإيرانيين، إذن، إلا إسرائيل. فهل يا ترى وافق الإسرائيليون على بقاء قوات حزب الله في بعض مناطق سوريا، بعيداً عن الحدود الإسرائيلية؟ هل هناك تفاهمات تمت بين تل أبيب وطهران، بما سمح لنصر الله بتصعيد نبرته من جديد؟

مع ذلك، يعرف نصر الله وتعرف إيران أن أي تفاهمات مع أي طرف، على الأرض السورية، تبقى هشة وقابلة للانتكاس. هذا ما دفع نصر الله إلى تقييد إطلاقية كلامه بشأن البقاء في سوريا، بشرط طلب رسمي من النظام الكيماوي بسحب حزب الله لقواته. وهو أمر ميسور، إذا أملى الروسي على تابعه بشار أن يفعل ذلك.

شارك برأيك