تصحيحاً للصورة ومن باب الوفاء شهادة معتقل في فرع التحقيق

تصحيحاً للصورة ومن باب الوفاء شهادة معتقل في فرع التحقيق

تصحيحاً للصورة ومن باب الوفاء شهادة معتقل في فرع التحقيق
18 كانون الثاني 2020

قبل أقل من شهر، تحديداً في 20 الشهر الماضي، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قانوناً، كان قد سُمي بقانون "قيصر" لحماية المدنيين السوريين. والجميع يعلم أن هذا القانون استمد اسمه من اللقب الذي أطلق على سوري، كان قد انشق عن الجيش السوري، وهرب من سوريا تهريباً مع خمسة وخمسين ألف صورة، توثق مقتل أحد عشر ألف سجين سوري- تحت التعذيب- في السجون السورية.

وبعيداً عن قيصر وصوره وقانونه، إن ذاكرة السوريين تحكي مئات آلاف القصص عن وحشية السجون السورية، وعن فظاعة التعذيب فيها، وعن الذاكرة المريرة لعلاقة السوريين بأجهزة المخابرات السورية طوال عقود تسلم عائلة الأسد للحكم في سوريا.

ومع ذلك، فقد خرج أحد المعتقلين من سجون النظام قبل عدة أيام، وكتب "البوست" التالي على صفحته في "الفيس بوك":

تصحيحاً للصورة، ومن باب الوفاء:
بحرفية عالية الجودة تعاملوا معي في فرع التحقيق حيث كنت.
التحقيقات كانت أشبه بمناقشات فكرية، وبكل احترام، في مكاتب نظيفة مع القهوة والسجائر، بل وفي إحدى الأمسيات مع عشاء فاخر.
الأهم اهتمامهم بصحتي فقد كان الطبيب يزورني صباح ومساء كل يوم، وفي المرة الوحيدة التي حصل فيها خلل في ضغطي، نقلوني إلى مشفى خاص برفقة الطبيب (مستشفى المهايني)، وأجروا لي: تخطيط القلب، وإيكو القلب، وتحاليل، بل وزارني الضابط المسؤول عن ملفي في المشفى أثناء الساعة التي قضيتها به؛ كي يطمئن على صحتي.
جميع من تعاملوا معي كانوا في منتهى اللطف، فلهم جميعاً خالص شكري.
..
مع ذلك، وبغض النظر، فقد كانت تجربتي هذه مريرة للغاية، على الأقل بسبب الجدران الأربعة التي تشعر وكأنها تضيق عليك كل يوم، بل كل ساعة، خصوصاً وأنك لا تعرف السقف الزمني لبقائك محاطاً بها.
برسم المشككين:
هذا حسابي، وهذا ما حصل معي، أما ما حصل مع أولئك الرجال - رجال الأمن- خلال سنوات الأزمة؛ فتقشعر له الأبدان، وهم من دفع فاتورة الدم الأغلى بالتوازي مع جنود النظام، ولكم في مجزرة جسر الشغور أسوة حسنة.

صدمني البوست عندما انتهيت من قراءته، وقد يصدمك، وشعرت كما لو أن البوست قد كتب في سوريا أخرى، غير سوريا التي أصبحت معروفة للعالم كله: سوريا سجن تدمر، وسجن صيدنايا، ومحارق الجثث فيه، وسوريا المخابرات الجوية، والعسكرية، وفرع فلسطين...إلخ، سوريا بتاريخها الطويل من الأسماء والقهر والمرارة.

لن أتوقف عند ما جاء في هذا "البوست"، فقد تكون لكاتبه ظروفه التي لا أعرفها، ولا أريد هنا تناول الأمر من الناحية الشخصية، لكن ما يهمني هو التمحيص في دلالة التعليقات التي وردت على هذا البوست والتي زادت عن ستمئة تعليق.

بالتأكيد، كان قسم كبير من التعليقات، قد قُصد منه المجاملة العادية

يعيش معظم من كتبوا تعليقاً على البوست في مناطق لم تخرج عن سيطرة "النظام"، ليس هذا فحسب، بل هي مناطق يغلب عليها طابع الموالاة، ويكثر فيها الشبيحة والمتنفذون

التي نمارسها جميعاً عند حدث ما، وهي تندرج ضمن ما يسمى بالواجب الاجتماعي العادي، لكن قسماً مهماً من التعليقات حاول أن يقول ما هو أبعد من الواجب الاجتماعي؛ فقد قاربت حالة الاعتقال، وأعطت رأياً بها، وهذا هو ما أثارني، وما أردت التوقف عنده؛ فمن المهم قراءة كيف تتعامل البيئات التي يغلب عليها طابع الموالاة مع ظاهرة الاعتقال بسبب الرأي.

يعيش معظم من كتبوا تعليقاً على البوست في مناطق لم تخرج عن سيطرة "النظام"، ليس هذا فحسب، بل هي مناطق يغلب عليها طابع الموالاة، ويكثر فيها الشبيحة والمتنفذون، وبالتالي: إن الحذر هو سمة ملازمة لمعظم من يخالفون الرأي الذي تفرضه مؤسسات الموالاة وشبيحتها في هذه البيئة، ولهم آراء قد لا تتفق مع السائد. لكن، لأن معظم هؤلاء هم ممن يحسبون أنفسهم على الشريحة المثقفة، وبالتالي إن حذرهم أو خوفهم لا يليق بهم أن يكون عارياً؛ فلا بد من تجميله أو من إدراجه- ولو تعسفاً- تحت تصنيف آخر، كالاختلاف في الرأي، أو الاختلاف في الأولويات؛ فالمعركة الآن مع الإرهاب.

لا يخفي قسم من المعلقين موالاتهم المتغطرسة والمستفزة، بل يذهب بعضهم إلى التعامل مع موضوع اعتقال بعض ممن اعتُقلوا إلى أنه نوع من الخطأ الذي يرتكبه بعض الأبناء العاقين، لكن صدر الأب (بشار الأسد بما يمثله) الواسع والحنون يصفح عن الهفوات الطارئة، ويسامح أولئك الجهلة. وقد تستنكر بعض التعليقات، وتستغرب، اعتقال المواطنين الصالحين، الذين لم يقفوا يوماً حاملين سلاحهم في وجه الدولة، وكل ما فعلوه، أو يمكن أن يفعلوه، هو إبداء رأي حريص، كأن أجهزة المخابرات السورية ليس من عادتها أبداً اعتقال أصحاب الرأي، وكأنها لم تعتقل، ولا تعتقل، إلا حملة السلاح الإرهابيين فقط!!.

في التعليقات التي زادت عن ستمئة تعليق يمكن رؤية مفارقة صادمة في تعاطي السوريين وفهمهم للدولة ومؤسساتها ودورها... فالسؤال الأهم الذي استبطن معظم التعليقات- وقد كان حاضراً بقوة- هو كيفية التعامل أثناء الاعتقال، وهذا طبيعي وبدهي في ضوء حكايات التعذيب وقصصه في السجون السورية. بينما لم يكن حضور السؤال عن قانونية الاعتقال إلا عرَضاً؛ فهذا الأمر لم يكتسب أي أهمية في محاكمة السوريين للاعتقال، رغم السنوات التسعة الأخيرة التي دفعت بقضية الرأي والحقوق إلى واجهة الهموم السورية... كأنما شريحة المعلقين على البوست لا تزال مستسلمة للفكرة التي كرستها أجهزة المخابرات السورية طوال عقود: بأن لاحق للسوريين بالاعتراض من حيث المبدأ على اعتقالاتهم التعسفية، وأن أقصى ما يحق لهم، هو أن يحاولوا تخفيف شروطه وتخفيف التعذيب فيه.

المفارقة الصادمة الأخرى هي في التعليقات التي هي تغاض عن سيرة هذه الأجهزة ومنهجها وأسلوبها المعروف للسوريين طوال عقود، ومحاولة التعرف إلى هذه الأجهزة وإعادة تقييمها عند كل اعتقال...!! كأن ملايين القصص القديمة والجديدة لا معنى لها، وكأن القصة الأخيرة تكفي لإعادة تقييم هذه الأجهزة من جديد، بل تذهب بعض التعليقات إلى الترحيب بهذا التحول وإلى محاولة تفسيره وقراءة دلالاته ...  ويذهب آخرون

كل التعليقات تتجاهل، بما يشبه الفضيحة، حكاية عشرات آلاف السوريين الذين قضوا تحت التعذيب، لكأن كل هذه الوحشية- المنفلتة من كل ضوابط القيم والقانون والمواطنة- التي أودت بحياتهم في هذه المسالخ البشعة، ليست محل نقاش

إلى الحديث عن التفارق بين فرع وآخر وبين شخص وآخر. ورغم وجود هذا التفارق قليلاً، فهو تفارق لا يتعدى حدود المسموح به ولا يتجاوز الخطوط العريضة المعروفة للجميع، وإن تجاوزها فإنما يتجاوزها بتعليمات صارمة، من أجل غايات وأهداف تريدها الجهات الأمنية... وهذه حقائق يعرفها السوريون، لكنهم يتجاهلون السؤال الأهم، وهو: لماذا هذا التفارق؟ وأين معنى الدولة والقانون في هذا؟

المفارقة الثالثة هي في: أن كل التعليقات تتجاهل، بما يشبه الفضيحة، حكاية عشرات آلاف السوريين الذين قضوا تحت التعذيب، لكأن كل هذه الوحشية- المنفلتة من كل ضوابط القيم والقانون والمواطنة- التي أودت بحياتهم في هذه المسالخ البشعة، ليست محل نقاش، ولا تعني هؤلاء المتعاطفين مع هذا المعتقل الذي كان يمكن أن يكون رقماً آخر مع أرقام من فقدوا حياتهم تعذيباً، أو كأنما قتل أولئك تعذيباً ليس محل نقاش، ويكفي اتهام النظام لهم بالإرهاب؛ لنتخفف من عار صمتنا عن جريمة قتلهم.

متى سينتهي هذا الفصام في علاقتنا كسوريين مع الدولة والقانون والمواطنة؟ ومتى تصبح القيم والحقوق معايير فوق رغباتنا ومواقفنا وطوائفنا واصطفافاتنا السياسية؟

متى سنفصل الدولة ودورها، والقانون ومؤسساته ووظيفته عن الرأي السياسي، وعن الطائفة، وعن شخص الديكتاتور؟

الحرية لكل المعتقلين السوريين أينما كانوا.

 

مقالات مقترحة
دمشق.. إطلاق نار في كازية "مزة جبل" ورشاوى لتعبئة البنزين
أزمة بنزين في اللاذقية.. قتيل واحتجاجات وشلل حركة المرور (فيديو)
في مناطق سيطرة النظام.. تعبئة السيارة بالبنزين مرة أسبوعياً
35 إصابة جديدة بكورونا في مناطق سيطرة النظام
النظام يعلن عن إصابة بفيروس كورونا في إحدى مدارس العاصمة دمشق
37 إصابة جديدة بفيروس كورونا في شمال غربي سوريا