تصاعد الحروب التجارية العالمية في 2025.. دلالات فرض التعريفات الأميركية وأثرها

2025.04.09 | 06:11 دمشق

56
+A
حجم الخط
-A

يشهد الاقتصاد العالمي في عام 2025 تصاعدًا حادًا في الحروب التجارية، في ظل تباطؤ النمو واستمرار الضغوط التضخمية منذ جائحة كورونا.

ففي أبريل الجاري، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترمب فرض تعريفات جمركية على الواردات من الصين والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وغيرهم، في خطوة وُصفت بـ"يوم التحرير التجاري"، ومثّلت تحولًا جوهريًا في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة الدولية.

خلفية الإجراءات الأميركية وتوقيتها الاقتصادي

في 2 أبريل 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن فرض تعريفات جمركية جديدة تهدف إلى تقليل العجز التجاري للولايات المتحدة، حيث تضمنت هذه الإجراءات فرض تعريفة أساسية بنسبة 10% على جميع الواردات، مع فرض تعريفات أعلى على دول محددة، مثل الصين والاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك.

بالنسبة للصين، فُرضت تعريفة إضافية بنسبة 34%، مما رفع إجمالي التعريفة إلى 54% على السلع المستوردة منها، و20% على الاتحاد الأوروبي، و10% على المملكة المتحدة. تأتي هذه الإجراءات في وقت تتنامى فيه الدعوات داخل الولايات المتحدة إلى إعادة التوازن التجاري، وتحفيز الصناعات المحلية، وتعزيز مفهوم "الاستقلال الاقتصادي الاستراتيجي".

غير أن توقيت هذه السياسات في بيئة اقتصادية مضطربة يزيد من خطورة آثارها الممتدة، مقارنة بما حدث في الحرب التجارية عام 2018، حيث اعتمدت إدارة ترمب حينها نهجًا مشابهًا تجاه الصين، ولكن البيئة الاقتصادية آنذاك كانت أكثر مرونة، إذ أتاحت السياسات النقدية التيسيرية للبنوك المركزية دعم النشاط الاقتصادي وتخفيف الأثر السلبي للتعريفات.

ردود الفعل الدولية والتوترات الجيوسياسية

ردّت الصين بفرض تعريفات جمركية مقابلة على عدد من السلع الأميركية، إضافة إلى اتخاذ إجراءات أكثر تأثيرًا على المدى الاستراتيجي، تمثلت في فرض قيود على تصدير العناصر الأرضية النادرة، مثل الموليبدينوم والتنغستن، اللذين يشكّلان مكونًا حيويًا في الصناعات التكنولوجية والدفاعية الأميركية.

وتأتي هذه الخطوة في ظل سيطرة الصين على نحو 80% من الإنتاج العالمي للتنغستن، مما يمنحها ورقة ضغط فعالة في إطار الحرب التجارية، لا سيما أن تعويض هذه الإمدادات من مصادر بديلة يتطلب وقتًا وكلفة، إن وُجد، ويهدد استقرار سلاسل التوريد العالمية.

أما الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، فقد عبّر قادتهما عن قلقهم من التعريفات الجمركية الأميركية، واعتبروها تهديدًا للاستقرار الاقتصادي العالمي، من دون استبعاد اتخاذ تدابير ردّ مناسبة على التصعيد الأمريكي، حيث إن خطر فقدان الوظائف كبير، وكذلك خطر التباطؤ الاقتصادي. كما أن السياسة الجمركية لترمب قد تكلّف أكثر من 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، وهو ما يفسر حجم التهديد الذي تمثله هذه الإجراءات على النمو الأوروبي. وحذّر صندوق النقد الدولي من أن التصعيد التجاري قد يقوّض التعافي الاقتصادي العالمي، ويؤدي إلى تراجع الثقة بالاستثمار الدولي.

على مستوى الأسواق، أحدثت الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة صدمة عنيفة في الأسواق المالية العالمية، انعكست في تراجعات غير مسبوقة خلال اليومين الأخيرين من الأسبوع المنصرم. فقد خسر مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" ما يقارب 5 تريليونات دولار من قيمته السوقية، متكبدًا أكبر خسائره اليومية منذ ذروة أزمة كورونا في عام 2020، بعدما انخفض بنسبة 6% يوم الجمعة وحده. أما مؤشر "ناسداك 100"، فقد انحدر إلى ما دون عتبة السوق الهابطة بعد هبوطه بأكثر من 20% من أعلى مستوياته المسجّلة في ديسمبر الماضي. وعلى المسار نفسه، تكبّد "داو جونز" الصناعي تراجعًا حادًا فاق 2200 نقطة خلال جلسة واحدة، ليعمّق خسائره الأسبوعية. ولم تكن أسواق الطاقة بمنأى عن هذا التوتر.

تتحول الحرب التجارية من تهديد تجاري إلى خطر كلي على الاستقرار الاقتصادي العالمي، مما يجعل أدوات السياسة النقدية أقل فاعلية.

الآثار الاقتصادية الكلية

وفقًا لتقديرات J.P. Morgan، فإن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب قد ترفع احتمالية دخول الاقتصاد الأمريكي في حالة ركود إلى 60%. من ناحية أخرى، يقدّر مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في Moody's Analytics، أن هذه الحرب التجارية قد تؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بنسبة 2% وارتفاع معدل البطالة إلى 7.5% في العام المقبل، من 4.1% حاليًا.

وفيما يتعلق بالاقتصاد الأوروبي، أشارت Oxford Economics إلى أن التعريفات الجمركية قد تؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاضه بنسبة 0.5% - 0.6% في عام 2027، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة والتضخم في كندا والمكسيك والولايات المتحدة، في وقت كانت فيه الأسواق تتوقع تيسيرًا نقديًا تدريجيًا. بذلك، تتحول الحرب التجارية من تهديد تجاري إلى خطر كلي على الاستقرار الاقتصادي العالمي، مما يجعل أدوات السياسة النقدية أقل فاعلية، فرفع أسعار الفائدة لن يعالج بفعالية اختلالات ناتجة عن ارتفاع الرسوم الجمركية أو تعطل سلاسل الإمداد، نظرًا لأن التضخم المتوقع ناتج عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والواردات بشكل أكبر من ارتفاع الطلب.

هذه الأزمة تضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار حاسم، ما يعيد إلى الأذهان نظام ثلاثينيات القرن الماضي، حين أدى تفكك التعاون التجاري إلى تسارع الانهيار الاقتصادي العالمي.

التأثيرات الإقليمية.. الشرق الأوسط

تنبع التأثيرات بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط من ثلاث قنوات رئيسية: أولًا، ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة يؤثر مباشرة على الدول المستوردة، ويؤدي إلى تضخم مستورد لا يمكن السيطرة عليه محليًا. ثانيًا، تُعدّ الصين شريكًا اقتصاديًا مهمًا للعديد من دول المنطقة، ويجعلها النزاع الحالي أمام خيار صعب في الحفاظ على التوازن الاستراتيجي بين بكين وواشنطن. ثالثًا، من المرجّح أن تؤدي اضطرابات السوق إلى تذبذب قيمة الدولار، ويصبح هذا الملاذ بحد ذاته مصدرًا لعدم اليقين، مما يزيد من أعباء خدمة الدين الخارجي في الدول التي تربط عملاتها به.

مستقبل النظام التجاري العالمي

لا تمثّل الحروب التجارية في عام 2025 مجرد خلافات في الرسوم الجمركية، بل تعبّر عن تحولات استراتيجية في العلاقات الاقتصادية الدولية، تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد. وتدلّل هذه التطورات على تحوّل جوهري في شكل النظام التجاري الدولي، فمع صعود السياسات الانعزالية، يتجه العالم نحو التحالفات الانتقائية، لا إلى القواعد العالمية الموحّدة. ومن خلال تحليل آثارها على النمو والسياسة النقدية والاستقرار الإقليمي، يتضح أن هذه الأزمة تضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار حاسم، ما يعيد إلى الأذهان نظام ثلاثينيات القرن الماضي، حين أدى تفكك التعاون التجاري إلى تسارع الانهيار الاقتصادي العالمي. أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، فإن الرهان سيكون على قدرة دولها في التكيف الاستراتيجي، وتنويع العلاقات الاقتصادية، وتحصين أدوات السياسة النقدية في وجه صدمات لا تصنعها، لكنها تتأثر بها بشدة.