تشريح التدميرية البشرية

تشريح التدميرية البشرية

الصورة
13 تموز 2019

محمد جمال طحان

باحث استشاري في العلوم الإنسانية

   قل لي ماذا تقرأ أقل لك ما هي اتجاهاتُك وميولُك واهتماماتك. فما بالك إذا كنت مترجماً لما تقرأ.. أي أنك اخترت، عن سابق إصرار وتصميم ما تريد أن يصل إلى الآخرين على نطاق واسع. وإذا كان القارئ مبدعاً ثانياً للنص فإن المترجم مبدع النص بلغة أخرى. من هاتين المقدمتين نعبر إلى أعمال محمود منقذ الهاشمي الذي يرتبط اسمه بالعربية مع المفكر إريك فروم. لقد اختار غير مؤلَّف له، وقدّم لكل مؤلَّف بما ينمّ عن توجهاته واهتماماته. نجد له : اللغة المنسية - فن الإصغاء - الإنسان من أجل ذاته-بحث في سيكولوجيا الأخلاق.

    وإذا كان يحلو لنا أن نصنِّف أعلامَنا إلى فئات وأنماط، فإن الهاشمي ينضوي تحت لواء الذين يدافعون عن المظلومين في وجه الطغاة. أولئك الذين نذروا أنفسهم لحب الحياة ومن فيها مواجهين الذين يعانون عقد نقص دفعتهم باتجاه تدمير الحياة ومن فيها. ولهذا كان من أحدث اختياراته للترجمة كتاب "تشريح النزعة التدميرية للبشرية" التي درسها إريك فروم في كتابه "تشريح التدميرية البشرية بجزئيه الضخمين. حين نُدبت للحديث عنه رحت ألتهم الجزأين في الأيام القليلة الماضية. ولم أكن أمضي في قراءة بضع صفحات إلا وتحيلني ذاكرتي إلى كتب كنت قد قرأتها في العقد الماضي، وذلك لأنها تتناول موضوعات مشابهة تهدف جميعُها إلى كفِّ أذى الظالمين عن المظلومين. ومن أشهر ما أحالتني إليه قراءتي للكتاب ما كتبه باولو فرايري تحت عنوان "تعليم المقهورين" ذلك الكتاب الذي طالما اقتنيت منه نسخاً كثيرة وأهديتها إلى من أحب. كذلك أحالتني القراءة إلى الكتب التي تكافح الاستبداد وتبحث عن بدائله. وعلى رأس ذلك كله كان الكواكبي يتبدّى بين السطور. فكرت وأنا أستعرض ترجمات الهاشمي فخطر لي ما لا نحبّذ عادة البوح به وهو لو أنني كنت مترجماً لما استطعت أن أختارَ كتباً للترجمة أفضل مما فعل الهاشمي، ولم أكن لأضع مقدماتٍ أفضل مما فعل.

في مقدمة كتاب تشريح التدميرية يقارن الهاشمي بين تيارين سياسيين هما العقلانية والماضوية، وهو إذ ينحاز إلى التيار الأول، مع عزمي بشارة، يؤكّد على أهمية ألاّ تُفهم العقلانية بالمعنى الذرائعي، فلابدّ من تزاوج العقل والضمير. 

    في مقدمة كتاب تشريح التدميرية يقارن الهاشمي بين تيارين سياسيين هما العقلانية والماضوية، وهو إذ ينحاز إلى التيار الأول، مع عزمي بشارة، يؤكّد على أهمية ألاّ تُفهم العقلانية بالمعنى الذرائعي، فلابدّ من تزاوج العقل والضمير. لكنّ الهاشمي يذهب إلى أبعد من ذلك فيعيب على العقلانيين عدم إيمانهم بالعقل الذي يعتمد مبدأ الشك الذي يرى أنه أساس كلّ تقدّمٍ فكريّ. يميّز فروم بين نوعين من العدوان : الخبيث وغير الخبيث ويفصّل في جوهر السادية مبيّناً أن ضرر السادي يتناسب ووضعه الاجتماعي، فضرر المغمور يختلف عن ضرر المشهور وصاحب الرأي، ويعمّ الضرر من السادي صاحب القرار في الدولة ، فإن أضراره تسري على الشعب كلّه.    

فإذا انتقلنا من السادية إلى التدميرية نجد أن الأخيرة تحاول القضاء على موضوعها بعكس السادية التي تحافظ عليه. المترجم الأستاذ محمود منقذ الهاشمي في سياق مقدمته يعلّق على الوضع المأسوي المعاصر الذي يسفر عن سمات التدميرية التي تفضي إلى الاقتناع بأن حل كل مشكلة أو صراع لا يمكن أن يتحقق إلا بالتدمير.. بالعنف.. بالقوة التي تقضي على الآخر. العنف يُواجَهُ بالعنف والإرهاب بالإرهاب ولا جود لحل هادئ يحاول أن يتفهم الأسباب ويسعى إلى حلّها.

في البداية يحدد إريك فروم هدف كتابه بالقول: (إن هذا العدوان "الخبيث" غير المتكيف بيولوجياً وغير المبرمج وفقاً للنشوء النوعي هو الذي يشكل المشكلة الحقيقية والخطر الحقيقي علي وجود الإنسان بوصفه نوعاً، والهدف الأكبر لهذا الكتاب هو تحليل طبيعة هذا العدوان التدميري وشروطه). ويبدو في فرضياته معارضاً آراء (فرويد) في تأصل غريزة العدوان في النفس البشرية، ويرى أن الشخص النكروفيلي _ Necrophilic الذي يحمل عاطفة تدمير الحياة ويتصف بالتدمير من أجل التدمير الشغوف بتفكيك البنى الحية، هو إنسان مريض ويستدعي شفقتنا.. فإذا وجد هتلر في زمن ما فهناك كثير من الهتالرة الذين لم تصبح لهم شهرة هتلر بسبب ظروفهم وإمكاناتهم.

   يقع هذا الكتاب- المشروع الضخم- بجزأيه، في ثلاثة عشر فصلاً وخاتمة وملحق مهم يحاول فروم فيه طرح وجهة نظره الخاصة وتعديلاته الجذرية على نظرية (فرويد) في العدوانية والتدميرية حيث يتناول في الفصل الأول نظريات الغريزيين الذين يرون أن العدوان غريزة، مثل فرويد وكونراد لورنتس، ويوضح أوجه الشبه والاختلاف بينهما. (البيئيون والسلوكيون) هو موضوع الفصل الثاني، ثم يؤسس رابطاً جدلياً بين الغريزية والسلوكية في الفصل الثالث ويوضح أوجه تشابههما واختلافهما والخلفية السياسية والاجتماعية لكلتا النظريتين. أما في الباب الثاني الذي يتضمن أربعة فصول فيقدم المؤلف (الدليل ضد الفرضية الغريزية) وفيه يري فروم أن هناك عدة أنواع من العدوان، منها العدوان غير الخبيث، كالعدوان الدفاعي الذي قد يكون هجومياً أو فراراً ، والعدوان الوسيلي المتمثل في الحرب، والعدوان الخبيث الذي يميز فيه فروم بين السادية و (التدميرية) التي يطلق عليها مصطلح (النكروفيليا). إن التمييز بين العدوان الدفاعي غير الخبيث والعدوان الخبيث يقتضي تمييزاً آخر أشد حساسية، هو التمييز بين (الغريزة) و(الطبع) أي بين الدوافع الراسخة في حاجات الإنسان الفيزيولوجية، وتلك العواطف الإنسانية بصورة خاصة والراسخة في طبعه. ومن ثم فإن السادية والنكروفيليا طبعان وليستا غريزتين.

المهم في الدراسة هو الإنسان، ومن المؤكد أن هتلر كان كارهاً لليهود، ولكن ما يساوي ذلك صحة أن هتلر كان كارهاً للألمان، كان كارهاً للجنس البشري، وكارهاً للحياة نفسها)، تماماً مثل بشار الأسد.

      في الباب الثالث الذي يتكون من الفصول الخمسة الأخيرة يعالج فيه المؤلِّفُ أنواعَ العدوان والتدميرية والشروط الخاصة لهما. وفي الفصل الأخير يحلل فروم شخصية (أودلف هتلر) كحالة نكروفيليا سريرية.

    للتخلص من هذه النزعة التدميرية، الحل الذي يراه الهاشمي في مقدمته هو أن (النظام الاجتماعي الذي نعيش فيه هو الذي يجب أن يتغير إذا كان لا بد للبشر من أن يتغيروا). و(إذا كان فروم في دراسته لهتلر قد تعرض للتدميرية عند الألمان النازيين، فإنه قد أشار إلى وجود التدميرية غير المحدودة ) عند سواه. المهم في الدراسة هو الإنسان، ومن المؤكد أن هتلر كان كارهاً لليهود، ولكن ما يساوي ذلك صحة أن هتلر كان كارهاً للألمان، كان كارهاً للجنس البشري، وكارهاً للحياة نفسها)، تماماً مثل بشار الأسد، أجارنا الله من أمثاله، وجعلنا نستنير في دروبنا بأمثال إريك فروم والهاشمي الذي يحق له أن يفخر بما أنجز، ويسعدنا أن نكون في قافلةِ ذاكريه.

 

كلمات مفتاحية
شارك برأيك