تسجيل خروج من حياة دمشق

تاريخ النشر: 06.03.2021 | 07:18 دمشق

الرسائل القادمة من دمشق تقول أن لا شيء صالح للحياة هناك، والمدينة التي كانت تضج -قبل سنوات قليلة- بكل أشكال حياة العواصم باتت عصية على الفرح فأهلها على شفا مجاعة قادمة بعد تهاوي الليرة السورية، والغلاء الذي وصل إلى الخبز والسلع التي تبقي الناس أحياء يفتح كل يوم طاقة في جدار اليأس الذي تحمله هذه الرسائل.

منذ يومين انتحر شاب قيل إنه من أصول لبنانية في حي زين العابدين بدمشق بعد أن نشر على حسابه على الفيسبوك ما يلي: (ما قدرت أفهم اللعبة.. تسجيل الخروج من شو بتشكي)، وأما رسالة الانتحار فغصت بكلمات الاعتذار مطالبا الأصدقاء والأهل بعدم الحزن عليه، ومن ثم أنهى رسالته بعبارات بوعد باللقاء: (بشوفكن بالحياة الثانية، آسف كمان لإنو كل شي كاتبو بسيط بس تعبت من الحكي).

بعض المقربين من الشاب المنتحر قللوا من دور العامل الاقتصادي في هذه الحادثة كون أوضاع ذويه ليست سيئة وهو ما فتح الباب على جوانب أخرى لليأس الذي يعيشه الشباب في العاصمة التي أغرقتها العتمة والفقر وانعدام الأمل، وهذا يفسر حالات مشابهة من الانتحار لأسباب نفسية منها الكآبة والفصام، وأخرى تعود لتعاطي المخدرات والكبتاغون الذي يؤدي إلى اضطراب الشخصية والعنف.

رسائل من الداخل السوري تشكر حملات التعاطف والاطمئنان عنهم، وترى أنها كافية من أولئك الذين تمكنوا من الفرار خارج هذا الجحيم المهيمن، وآخرون كتبوا نادمين على البقاء في وطن لم يعد لهم، وأنهم كانوا مخطئين في تقديرهم للنتائج واتهاماتهم المتسرعة بحق إخوتهم التي وصلت للتخوين.

الفقراء هناك لا يبحثون عن رومنسية مفرطة، ولا يفكرون إلا بتلك اللقيمات التي تشبع الأولاد، وتستر من فضيحة التسول

دمشق الشحيحة في كل شيء باتت تتعب كل ساكنيها كما تهمس شاعرة نادمة أيضاً فلا عاشق يرسل الورد، ولا شوارع صالحة للمشي البطيء، ولا مدن أخرى في هذا الوطن يمكن الهروب إليها لتفادي ما هو أعظم، وأما مساحة الحرية فلا تتجاوز تلك الأمتار المعتمة المللة.

الفقراء هناك لا يبحثون عن رومنسية مفرطة، ولا يفكرون إلا بتلك اللقيمات التي تشبع الأولاد، وتستر من فضيحة التسول فقد انتهك الفقر كرامات المستورين في البلاد التي كانت مأوى الفقير، ومع كل هذا التمني المفرط في الأمل لم يعد بإمكان الآباء النظر في العيون التي لا تصدق.

اتباع النظام القاتل الفاسد وشركاءه هم أيضاً مسّهم ما مسّ سواهم، وهاهم من يأسهم يبعثون رسائل الرجاء إلى الأسد الأب كي يعود إلى الحياة من موته فهو كما يصفونه أبو الفقراء، وأما الأسد الصغير فيبني مدينته المجنونة على حطام الجميع.

بعض الرسائل من الخارج كانت صادمة في تشفيها بما يحصل في الداخل على اعتبار أن من بقي هو إما مؤيد للنظام أو صامت عن جريمته أو رمادي انتهازي، وهذا أيضاً ليس صحيحاً لأن من بين من خرجوا انتهازيون ومأجورون وليس ضد النظام، وأن التعميم قاتل في الحالتين ويخدم الطاغية وحده.

في زحمة الرسائل المتبادلة بين الداخل والخارج، وبين الصراع والتعاطف، بين التخوين والحسد، بين الوطنية والمؤامرة ثمة مدينة بائسة تعيد سيرة مدن أخرى نهشها الموت والتصدع، وانقسم من كانوا أهلها أعداء وطوائف متقاتلة، وهي في عيون الآخرين كما وصف محمد الماغوط بيروت ذات يوم:(بيروت مثل أمّ منهمكة بالغسيل وإذا بان فخذاها قالوا عنها عاهرة).

كلمات مفتاحية