ترمب يقتفي خطوات أوباما في سوريا

ترمب يقتفي خطوات أوباما في سوريا

الصورة
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يغادر قاعدة أندروز في ميريلاند، 5 من نيسان (رويترز)
06 نيسان 2018

حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ توليه الرئاسة على تأكيد اختلاف سياسته الخارجية عن سياسة سلفه باراك أوباما، ففي خطاب حالة الاتحاد الأخير أعلن تبنّيه سياسة “أقصى قدر من الضغط” على كوريا الشمالية، ودعمه للمظاهرات المعارضة للنظام الإيراني على عكس الصمت الذي تبنّته إدارة أوباما تجاه مظاهرات الحركة الخضراء في عام 2009.

لكن إعلان ترمب الأخير عن نيته الانسحاب من سوريا أظهر عكس ذلك. فقد تحدث الرئيس الأمريكي عن نيته سحب قواته التي تعمل في سوريا في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، في الوقت الذي صرح فيه قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جوزيف فوتيل بأن الوجود الأمريكي في سوريا ما زال ضروريًا لتعزيز المكاسب على الأرض.

ولم يُفلح تراجع البيت الأبيض يوم الأربعاء عن تصريح ترمب، حين أكد مسؤول أمريكي كبير لوكالة رويترز موافقة الرئيس بعد اجتماع مع فريقه للأمن القومي على إبقاء القوات الأمريكية في سوريا “لفترة أطول قليلًا” وأنّه لا يرغب بالتزام عسكري طويل الأمد هناك، في إخفاء رغبة الرئيس القوية بالخروج من سوريا السابق لأوانه.

ذهب محللون إلى مقارنة الخروج المزمع لترمب من سوريا بانسحاب أوباما من العراق في 2011. أجرت هذه المقارنة صحيفة “ذا إنكوايرر” البريطانية التي استدعت مشهد سحب عشرة آلاف جندي من العراق قبل تمكن الولايات المتحدة من القضاء على تنظيم القاعدة في العراق. وأشارت إلى أن القاعدة عادت إلى السطح بصورة أكثر وحشية وهي تنظيم داعش الذي استولى على مساحات شاسعة في العراق وسوريا، فضلًا عن تهديده للدول الغربية.

"إن من شأن الانسحاب الأمريكي أن يعزز موقف روسيا وإيران في سوريا، ويسهل مهمة طهران في ممر جسر بري يصل إلى بيروت. الأمر الذي يعارضه كل من وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس والمستشار الذي اقتربت نهاية وظيفته هربرت مكماستر"

يثير تصريح ترمب تساؤلا حول إدراكه حقيقة أن انسحاب الولايات المتحدة سيصب في مصلحة إيران وروسيا، وربما داعش. وهنا يبرز التشابه بين ترمب وأوباما في تجاهل كليهما لنصائح كل من المستشارين العسكريين والأمنيين والحلفاء في الشرق الأوسط، الذين بدا واضحًا أن أيًا منهم لم يكن لديه علم بتصريح ترمب قبل أن يدلي به.

فقد أكّد الجنرال فوتيل في مؤتمر في المعهد الأمريكي للسلام أن استمرار الوجود الأمريكي في سوريا مهم لتثبيت هزيمة داعش، وأنّ “المرحلة الأصعب ما زالت أمامنا… وتتمثل في جلب الاستقرار إلى هذه المناطق وتعزيز مكاسبنا وإعادة السكان إلى بيوتهم”. لا يعني البقاء الأمريكي بالضرورة فكرة إعادة بناء سوريا التي طالما حذر ترمب من الغرق فيها، ويكفي النظر إلى الوضع المزري للبنية التحتية للعراق الآخذ في التدهور منذ غزو 2003.

إن من شأن الانسحاب الأمريكي أن يعزز موقف روسيا وإيران في سوريا، ويسهل مهمة طهران في ممر جسر بري يصل إلى بيروت. الأمر الذي يعارضه كل من وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس والمستشار الذي اقتربت نهاية وظيفته هربرت مكماستر، فضلًا عن أن المسؤولين الجدد في الإدارة - وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون - يملكان مواقف متشددة تجاه روسيا وإيران ومن غير المرجح أن يوافقا على تسليم سوريا لهما. إلا أن ترمب اقتفى خطوات سلفه بإعلانه استراتيجيته في سوريا مسبقًا وأفصح عن رغبته القوية في الخروج من سوريا بأسرع وقت.

يكمن الاختلاف الأبرز في السياسة الخارجية بين إدارتي ترمب وأوباما في الشكل وليس في المضمون. فلم يُخفي كلاهما الضجر تجاه أعباء الدور القيادي للولايات المتحدة في العالم. ويمكن ملاحظة نبرة مستمرة في السياسة الأمريكية منذ سنوات حكم أوباما وحتى الآن تتلخص في أنّ على الولايات المتحدة أن تتخلى عن مسؤولياتها الدولية السابقة.

ما يميز التفكير الاستراتيجي لكل من ترمب وأوباما - إذا جازت التسمية جزافًا - هو طغيان السياسات المحلية على السياسة الخارجية. وهو ملمح أعطت مجلة “ذا ويكلي ستاندرد” الأمريكية مثالين صارخين عليه. الأول حين برر أوباما سحب القوات من العراق في 2011 بأن “الوقت قد حان للتركيز على إعادة بناء البلاد هنا في الوطن”، وليس بتراجع وتيرة الحرب.

أما المشهد الثاني فهو تبرير ترمب لاستراتيجيته للأمن القومي في كانون الأول الماضي بأن الرؤساء السابقين “تورّطوا في بناء الدول في الخارج وفشلوا في الوقت نفسه ببناء الوطن وسد حاجته”. وهنا يظهر تأكيد كليهما على أن الازدهار على المستوى المحلي مُقدّم على الأمن والسلم الدوليين. وهنا يبدو أن كليهما يحملان شعار “أمريكا أولًا”.

من الواضح أن ترمب وأوباما لا يؤمنان بمشروعية فكرة دعم تحرر الشعوب حول العالم واستغلال القوة الأمريكية لأهداف خيّرة خارج الولايات المتحدة، الأمر الذي يردّان عليه بسؤال: “ما الذي يخصنا هنا؟”. وربّما يتفوق ترمب على أوباما في صياغة هذه الفكرة بقوله: “لا يمكننا بعد الآن الدخول في مسائل لا تجني الولايات المتحدة من ورائها أي مكاسب”، وتأكيده أن مهمة البعثات العسكرية والدبلوماسية الأمريكية “قتل الإرهابيين” وليس “بناء الدول”.

شارك برأيك