ترمب وعرش الدم !

ترمب وعرش الدم !

الصورة
30 تشرين الأول 2018

ربما تكون نبوءة عالم الاجتماع البريطاني كريستوفر ديفيدسون، بشأن مستقبل منطقة الخليج بالتحقق، على أرض المملكة العربية السعودية، وسوف تؤول مع ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، إلى خراب، لكنه خراب يساهم أمراء آل سعود في الوصول إليه من خلال سياسات القمع والبطش والفساد والتسلط والإرهاب.

يرى ديفدسون في كتابه " آخر الشيوخ " أن الشعوب لا يمكن أن تصمت إلى ما لا نهاية، ونحن نضيف أن محاولة وأد الربيع العربي، والثورة السورية بشكل خاص، لن يُطفئ جمرة التغيير التي تستعر في قلوب الناس المقهورين. وتبدو رياح التغيير – وهي في مكمنها – أشد غلياناً، وستكون عاصفة جارفة، طالما أن الاستبداد يحاول أن ينشب أظفاره بعمق أكثر وبوحشية أشدّ، دالّتها اليوم اغتيال الخاشقجي، وسعي المجتمع الدولي لطيّ صفحة الجريمة، خاصة أن دونالد ترمب، يجهد لجعل محمد بن سلمان رسولاً للتغيير والبناء والسلام وأشياء أخرى.

في الواقع، يحتاج ترمب الى أن يُقنع نفسه بالرواية الملكية السعودية الركيكة التي صدَّق عليها بومبيو في الرياض، لإنقاذ قتلة جمال خاشقجي، من الانكشاف أمام الرأي العام، بصورة أكبر قد تُعادل بشاعة الجريمة التي تم التخطيط المسبق لها، عن سابق الترصد كما يدلل عليها في التعبير القضائي. وترمب ليس من الغباء بحيث تنطلي عليه حكاية مفبركة. لكنه رجل أعمال، كل شيء لديه قابل للبيع والشراء، فدخل بثقله، ليمنحها ثقة، لا يمكن لأحد في العالم أن يأخذ بها، سوى أولئك الذين يريدون ذرّ الرماد في العيون، وإسدال الستار على الجريمة.

الأميركيون، يعرفون جيداً تلاعب ترمب وسمسرته، واستغلاله لكل شيء. ويحصون عليه كذباته، ويوثقونها، ليوم يُحاسب فيها. كانوا أقرب منّا إلى جمال خاشقجي، وهم يعترضون على تصريحات ترمب، ويتهمونه بالتواطؤ مع السلطات التي أمرت بارتكاب جريمة تصفية كاتب وصحافي، على خلفية ممارسته لحقه في التعبير وإبداء آرائه. وبأن قاطن البيت الأبيض، يريد إغلاق الملف بأية صورة كانت، لأنه عجول على قبض ثمن المساومة، والموقف المنحاز إلى جانب الاستبداد.

كان يمكن لواشنطن بالفعل أن تلعب دوراً فاعلاً في الكشف عن حقيقة الدوافع. ما حدث بات

الصحافة الأميركية ووسائل إعلام أخرى، هي التي جعلت من اختفاء خاشقجي قضية عالمية، وأحرجت البيت الأبيض بدرجة مؤثرة، وهي تواصل جهدها للمزيد من كشف الحقائق، بما في ذلك تواطؤ ترمب لتمرير الجريمة وتبييض صفحة القاتل

معروفاً منذ ساعات التغييب الأولى، وبأنه اغتيل، وكل التفاصيل الأخرى على أهميتها في إماطة اللثام عن أسلوب التصفية الجسدية والوسائل التي استخدمت، وما حملته التسريبات، كلها تؤكد على أمر أساسي هو القتل. لكن الكشف عن الأسباب – من وجهة نظرنا – هي الأهم في هذه القضية، وموقف ترمب وتصريحاته حول مصداقية الرواية الملكية السعودية، هي لحرف الانتباه بعيداً عن أن الهدف هو تكميم الأفواه، ومنع الكتابة والقول.

الصحافة الأميركية ووسائل إعلام أخرى، هي التي جعلت من اختفاء خاشقجي قضية عالمية، وأحرجت البيت الأبيض بدرجة مؤثرة، وهي تواصل جهدها للمزيد من كشف الحقائق، بما في ذلك تواطؤ ترمب لتمرير الجريمة وتبييض صفحة القاتل، كما يتم تبييض الأموال القذرة. لكن كل ذلك مع الزمن سوف يبقي من قضية اغتيال صحافي وكاتب مرموق، علامة فارقة في السياسة الأمريكية، مثلما أحدثت شرخاً كبيراً في ثقة المجتمعات العربية والسعودي، بصورة خاصة من آل سلمان بن سعود.

بالمقابل لعبت الصحافة الممولة سعودياً، دوراً كبيراً في تضليل الرأي العام على مدار ثلاثة أسابيع من الكذب والتلفيق، واستهداف دول وأجهزة إعلام وأفراد، واتهامهم بالكذب والتزوير وغير ذلك، فيما الحقيقة مُدركة منذ لحظة التغييب، ليأتي بعدها تخبط من نوع آخر، وإرباك لا قرار له حتى في وصف القتلة المأجورين بين وفد تفاوض أو وفد تحقيق، حتى باركت واشنطن الرواية المهلهلة، وسط تأييد أعمى من ديكتاتوريات المنطقة.

يدّعي البيت الأبيض، أن قضية حقوق الإنسان وحرياته، هي واحدة من أهم أولويات انشغالاته، وجوهر لسياساته الخارجية، هذا الادّعاء من حيث النصوص هو صحيح ونقرّ به. لكن تطبيقاته

لم تقف إدارة ترمب حتى اليوم مع قضايا حقوق الإنسان، بالصورة التي تحدّ فيها من الانتهاكات المستمرة والمتصاعدة، للحقوق والحريات، في أي مكان من العالم

وآليات العمل فيه، ذات أوجه متعددة ومتلونة، مثل حيّة رقطاء تجدد جلدها. القول إنها تكيل بمكيالين هو تشبيه ضعيف عدا كونه مستهلكاً. في الغالب هي عصا، أداة تلويح بالعقاب والأجر، في تعامل البيت الأبيض مع حكومات العالم، ومنها العربية السعودية التي وصلت فيها درجة الطغيان إلى حالة هيستيرية، لم تعد فيها قادرة على احتمال النقد، وعلى مناقشة حرة لسياساتها، وتجبّرها وتسلطها على شعبها.

لم تقف إدارة ترمب حتى اليوم مع قضايا حقوق الإنسان، بالصورة التي تحدّ فيها من الانتهاكات المستمرة والمتصاعدة، للحقوق والحريات، في أي مكان من العالم. سياساتها في هذا السياق موجهة لفرض أجندات البيت الأبيض على الحكومات، بهدف تحقيق مصالح محددة، حتى وإن كانت تلك السياسات تنال من المبادئ والقيم الأمريكية، أو أنها تتناقض مع القوانين والأعراف الدولية. جاءت إدارة ترمب كي تمنح الطغاة في العالم دعماً غير محدود في ممارسة القمع والقهر ضد الشعوب، كان قتل خاشقجي أحد تجلياتها.

ما كان لحكم بن سلمان أن يقترف مثل هذه الجريمة، لو أنه لم يكن مطمئناً إلى دعم الولايات المتحدة، إدارة ترمب بشكل خاص، الذي يتعهد بحماية عروش الدم، مقابل المال ولا شيء غيره.

العويل اليوم هو على الرأي العام وصنّاعه، مثل الصحافة الأمريكية، التي أعلنت أنها لن تتوقف عن ملاحقة القتلة. نحن أيضاً يجب أن نستمر في النضال من أجل الحقوق والحريات، حق حرية التعبير مقدس، وحياة الإنسان مقدسة. وإذا ذهبنا باتجاه التسامح والنسيان، فإن رياح التصفية سوف تعصف بحقوقنا جميعا. العدالة مرة أخرى في وجه التآمر الدولي الكريهة لتسوية ملف خاشقجي، وتعويم القتلة أمثال بن سلمان وبشار الأسد وأشباههم من الطغاة الذين ينعمون بدعم الغرب، قوى المافيا الكبرى في العالم.  

شارك برأيك