تدوير النازيّة سُوريّاً

تاريخ النشر: 20.10.2019 | 16:27 دمشق

آخر تحديث: 21.10.2019 | 00:01 دمشق

كان للفترة التي تشكّلتْ فيها معظمُ الأحزاب السورية، وهي الفترة الممتدة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى منتصف القرن العشرين، وللأحداث العالمية الكبرى حينذاكَ؛ الدورُ الأكبر في تحديد هوية تلك الأحزاب ومشاريعها. والحقُّ يُقال؛ ما كان لتلك الأحزاب أنْ تنشأ لولا فسحةُ الديمقراطية النسبيّة التي سمحَتْ بها حكومةُ الانتداب الفرنسي، وكذلك الحكوماتُ السورية بعد الاستقلال.

وهكذا؛ فقد جاءت معظم الأحزاب السورية ضمن زمرتين؛ الأولى هي الأحزابُ القومية التي ترافقَ صعودُها مع صعود القوميّات في مختلف أرجاء العالم، وخصوصاً في الأقاليم التي كانت تحت حُكم الدولة العثمانية. ومَعَ صعودُ النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا؛ وجدَ منظّرو هذه الأحزاب ضالَّتهم الإيديولوجية والتنظيمية ومثالَهم المرتجى، فسَاروا على خطاها، وحاولوا إقامة تنظيمٍ سياسيّ ثم نظام حكمٍ على شاكلتها. الزمرةُ الثانية هي الأحزاب الشيوعية والاشتراكية التي تبنّت الفكر الماركسي اللينينيّ، واقتدتْ بالنظام السوفييتي بدرجاتٍ متفاوتة. وفي مقابل هاتين الزمرتين التقدميتين -آنذاك-؛ ظهرَ الاتجاه الرجعي ممثلاً بجماعة الإخوان المسلمين التي هدفتْ عند تأسيسها إلى إحياء الخلافة الإسلامية.

ولأنّ حزب البعث استطاعَ حكم بلدين عربيّين مهمّين؛ يمكننا رؤية نازيّته بوضوحٍ أكثر من غيره. فمن حيث التكوين الفكريّ لمؤسّسي الحزب، يحدّثنا سامي الجندي في كتابه "البعث" عن ميلهم العامّ نحو النازية، فقد كانوا يقرؤون كتب النازية معجبينَ بها، مثل كتب الفيلسوفين فيخته وتشامبرلين، وكانوا أوّلَ من طالب بترجمة كتاب هتلر "كفاحي" إلى العربية. ونطالع رواية في كتاب "العرب والمحرقة النازية" لـ جلبير الأشقر؛ عن افتتان ميشيل عفلق أثناء دراسته في فرنسا ببرنامج هتلر، ثم عودته إلى دمشق وتأسيسه مع زكي الأرسوزي جماعةً سريةً باتت هي نواة الحزب. وكان الكتابان المفضّلان لديهما؛ هما "كفاحي" لـ هتلر و "أسطورة القرن العشرين" لمنظّر النازية روزنبيرغ.

وعلى صعيد المبادئ، يقومان الحزبان في الجوهر على أسطورة التفوُّق العِرقي، هناك العِرق الآريّ وهنا العِرق العربي، وكما أنّ الآريّ هو حاملُ مشعل الحضارة عند النازيين، فإنّ الأمة العربيّة ذاتُ رسالة خالدة عند البعثيّين. وكلاهما يتّخذُ موقفاً معادياً من اليهود، ولا يميّز بين اليهوديّة والصهيونية. وكلاهما ينظر إلى الشعوب المجاورة نظرة استعلاءٍ شوفينيّة، ويقلّلُ من شأنها وقدرها، بل ويعتبر الاختلاط معها يحطُّ من نوعيّة نسله. وعلى صعيد التطبيق، كانت مناهجُ التعليم التي درسناها في المدارس البعثية تقوم في مختلف المواد على فكرة تفوُّق العنصر العربيّ على غيره من الشعوب، وتتضمّنُ عنصريّة صريحةً تجاه اليهود بالدرجة الأولى، وتجاه الأتراك بالدرجة الثانية. وما زالت تحيّة العَلَم في المدارس السورية تتضمّن أداءَ التحيّة النازية مترافقةً مع "العهد" أو "القسَم"، وهي تحيّةٌ مُحرّمة في أوروبا اليوم. كما تبدو منظّمة "شبيبة الثورة" تدويراً بعثياً لـ "شبيبة هتلر"، وكذلك حينما أسَسَ حافظ الأسد جهاز أمن الدولة عام 1971 على غرار جهاز "الغيستابو" الهتلري، وتحت إشراف الضابط النازيّ ألويس برونر (Alois Brunner) الذي عملَ مستشاراً أمنياً لدى رأس النظام إلى حين وفاته في دمشق.

حينما أسَسَ حافظ الأسد جهاز أمن الدولة عام 1971 على غرار جهاز "الغيستابو" الهتلري، وتحت إشراف الضابط النازيّ ألويس برونر (Alois Brunner) الذي عملَ مستشاراً أمنياً لدى رأس النظام إلى حين وفاته في دمشق

رغم كل ذلك، فإنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي هو الأقربُ والأكثرُ شَبَـهاً بالحزب النازيّ الهتلريّ، أو هو مثلُ ترجمةٍ عربيّة لرواية ألمانية. فهو حزبٌ يقوم في الجوهر على أسطورة التفوّق العِرقي، ويقسّم البشر إلى "سلالات ثقافيّة" و "سلالات منحطّة"، وينظر إلى الشعوب المجاورة نظرةَ استعلاء عنصريةٍ شوفينية. كان أنطون سعادة يقولُ بـوجود فوارقَ بين السلالات البشرية، ويتحدّث عن التجانس والتبايُن الدمويّ والعِرقي، فالسُّوريُّون -في نظره- كنعانيُّون أُصَلاء أنقياء، على عكس العرب الذين اختلطوا "بأقوام مُنحطّة" من سلالة "الزنوج"، ففقدَتْ دماؤهم "المزيجَ العِرقي المتجانس". وفي الحقيقة يمتلأ كتابه "المحاضرات العشر" بنماذج من هذا الخطاب العنصريّ الصريح. ومن المعروف أنّ سعادة قد زار ألمانيا في عام 1938، والتقى بزعماء النازية ومنظّريها. ويبدأ تقليدُ سعادة لـ هتلر من اختياره لقبَ "الزعيم" لنفسه كترجمةٍ لـلقب "الفوهرر"، ومن شعار الزوبعة الحمراء المشابه للصليب المعقوف، وكذلك فقد أخذَ التحيّة النازية ذاتها.

ومع أن الحزب القومي السوريّ كان محظوراً في سوريا، وهو على عداء شديد مع البعث منذ اغتيال العقيد المالكي عام 1955؛ إلا أن نظام الأسد تحالف معه في لبنان، ثم سمح به في سوريا عام 2001 وأدخلَه في "الجبهة الوطنية التقدمية" عام 2005. ومَعَ انطلاق الثورة السورية في آذار 2011؛ سرعانَ ما شكّل هذا الحزب ميليشيا خاصّة به تحت اسم "نسور الزوبعة"، تتوزّع في مناطق مختلفة من البلاد، ويُقال إنها ممولة من رامي مخلوف. وعند صدور "قانون الأحزاب" عام 2012، والذي يمنع على الأحزاب أن تكون لديها فصائلُ مسلّحة تابعة لها، لم يُطبّق القانون الجديد على الحزبين النازيّين: البعث والقوميّ السوري. يُذكر أنْ كان لميليشيا "نسور الزوبعة" الدورُ المباشر في احتلال بلدة قلعة الحصن وتهجير أهلها منها عام 2014.

فيصبحُ إنكارُ وجود العرب وتحقيرُهم وقتلُهم وتهجيرُهم وسائلَ للتخلُّص من التخلُّف والحرب الدمويّة من منظور هؤلاء النازيّين الجدد، ممَّن يحلُمون في خيالهم بـ "سوريا آرامية" أو "كنعانية" أو "فينيقيّة" صافية

لم يتنهِ تدويرُ النازية هنا، فخلال سنوات الحرب السورية، أظهرَ قسمٌ كبيرٌ من السوريّين عنصريةً جديدة -يبدو أنها كانتْ مُخزّنة منذ سنين- تجاهَ العرب والمسلمين، أو العرب المسلمين، أو ربّما العرب في الظاهر والمسلمين في الباطن. وراحوا يحاولون بكل الوسائل الممكنة -منها تزوير التاريخ- إنكارَ الوجود العربيّ في سوريا، وإنكارَ الحضارة العربية ودورها في الحضارة العالمية. ويعودُ الـمُنطلَقُ "الفكريّ" الرئيسُ لكلّ هذي السرديات المتكاثرة إلى ربطٍ عنصريّ بين العرب المسلمين، والتخلُّف والهمجيّة الدمويّة من الجهة الثانية، فيصبحُ إنكارُ وجود العرب وتحقيرُهم وقتلُهم وتهجيرُهم وسائلَ للتخلُّص من التخلُّف والحرب الدمويّة من منظور هؤلاء النازيّين الجدد، ممَّن يحلُمون في خيالهم بـ "سوريا آرامية" أو "كنعانية" أو "فينيقيّة" صافية، ويتّخذون من القتل والتهجير وسائلَ لتحقيق "المجتمع المتجانس". وعند النظر في أسباب هذه العنصرية العمياء، لا بُدَّ من تحميل سياسات حزب البعث بعد نصف قرنٍ من الحُكم؛ المسؤوليّة الأولى عن تصاعد الخطاب العنصري تجاه العرب. ونذكّر أنه من حقّ كلّ شخص أن يبحث في التاريخ مهما قلَّتْ إمكانيّاته، وأنْ يختار الانتسابَ إلى أيّ قومٍ أو إثنيةٍ أو دينٍ أو مذهب يُريد. لكنّ المشكلة تكمنُ في أنْ يعتبرَ البعضُ أنّ انتماءَ الفرد إلى شعبٍ ما أو إثنيةٍ ما أو دينٍ ما أو مذهب ما... هو ميزةٌ ترفعُ من شأنه، أو وصمةٌ تحطُّ من شأنه. كما أنّ ربط التخلُّف أو التقدُّم بالأصول العرقيّة للشعوب هو أمرٌ مضحك حقّاً، وهو نازيّة بكلّ معنى الكلمة.

وفي النهاية، يبدو أننا لم نأخذْ من أوروبا سوى أسوأ ما فيها، ولم نأخذْ من الفكر الأوروبي سوى نفاياته التي ما زلنا نعيدُ تدويرها حتى اليوم. ومن المخترعات الألمانية؛ أخذنا "الكُرسي الألماني" قبل كل شيء. وحتى سيارات المرسيدس فلم نستوردها كوسيلة نقلٍ تخدم الإنسان، بل كانت المرسيدس السوداء رمزاً من رموز إرهاب الدولة، وكان المواطنُ يرتعبُ من رؤيتها وكأنها دبابة أو زلزال.

"دخل الجمهور والفرقة بقيت في الخارج".. فيديو من حفل فيروز بمهرجان بصرى في درعا
درعا.. إصابة طفلين بانفجار قذيفة من مخلفات النظام الحربية
النظام يستبدل عناصر حواجزه في غربي درعا ويرسلهم إلى تدمر
كورونا.. 10 وفيات و468 إصابة جديدة شمال غربي سوريا
إغلاق شعب صفية في طرطوس بسبب كورونا
فحص جديد في مدارس سوريا بدلاً عن الـ PCR يظهر النتيجة بربع ساعة