تدمر والبحث عن المعنى

تاريخ النشر: 19.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 23.05.2018 | 06:48 دمشق

((إن الجوهر الاستثنائي، في الإنسان الذي يتغلب على ظرفه القاهر، والضاغط كالمعتقل مثلا، إنما يكمن في ذلك القرار المصر، على ممارسة حرية الاختيار ككائن مسؤول)) هنا يكمن جوهر الفكرة التي ينطلق منها د. فيكتور فرانكل (1905-1997) في كتاب "الإنسان يبحث عن المعنى-1966" وهو طبيب مختص في الأعصاب ومعالج نفسي، وواحد من أبرز الناجين، من المحرقة النازية في سجون هتلر.

وظف خبراته وتجاربه في علم النفس، إضافة لمتابعاته ومعاناته، في المعتقلات، في تأسيس مذهب جديد، سمي العلاج بالمعنى، الذي يشكل نوعا من أنواع العلاج النفسي الوجودي.

 هذا الإنسان مستعد للتغلب على الظرف القاهر، الذي يفرضه المعتقل، ليس بوصفه حالة فردية، إنما بوصفه مصفوفة متراكبة، من القهر الممنهج وقتل الأمل، وإن تخللته أفعال ونزعات فردية، لدى بعض الجلادين،

الجلاد وبسبب إحساسه بالخوف المستمر والقلق، يستمد سكينته ووهم الأمان لديه، من خلال التعذيب المستمر للضحية

إلا أنها لا تخرج عن السياق العام، الهادف إلى تحطيم البنية الإنسانية للمعتقلين، وتحويلهم لأشباه حية، تبقيهم في موقع الانتقام المستمر، وأداة من أدوات القمع العام، يقهر بها النظام الحاكم شعبه، ومن هم في دائرة سيطرته.

ولا يمكن النجاة من هذا الشرك القاهر، إلا بإعادة تأطير مستمرة، للوقائع اليومية، هذا التأطير يهدف إلى خلق رؤية مختلفة لهذه الوقائع، فالجلاد وبسبب إحساسه بالخوف المستمر والقلق، يستمد سكينته ووهم الأمان لديه، من خلال التعذيب المستمر للضحية، ذلك التعذيب الذي يؤكد بشكل يومي لازم، سيادة الجلاد وقدرته في السيطرة على الضحية وتعذيبها.

هذا الاتجاه يقع على النقيض التام، لما ذهب إليه سارتر (يجب أن نتقبل انعدام المعنى بشجاعة وإقدام) هذا المذهب الذي أفضى لشيوع حالات اليأس، المفضي للانتحار، والذي نجده بنسبة كبيرة، لدى الشعوب الأكثر ترفا ووفرة بالموارد.

يذكر د. فرانكل في معتقله (معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة، الذي شيدته ألمانيا النازية أثناء الاحتلال النازي لبولندا) أنه التقى بسجينين كانا على أهبة الانتحار، وذلك لفقد الأمل بأي نجاة محتملة، وبأنهما يفتقران إلى أي شيء ذي معنى، يمكن للحياة أن تقدمه إليهما، فما كان منه إلا أن أعاد صياغة الأسئلة ،وتغيير الأطر، فبادرهما بالسؤال، أليس من المحتمل أن الحياة تنتظر منكما ما ينبغي تقديمه، بدل أن تنتظرا أنتما من الحياة ما ستقدمه لكما، وكانت النتيجة أعلى مما ينتظر، كانت النتيجة أن أحدهما وجد أن ابنته بقيت تنتظره، بعد أن نجحت بالهجرة إلى أمريكا، بينما أكمل الثاني إنجازه لمجموعة كتب في حقل الجغرافيا.

 إعادة طرح الأسئلة وخلق المعنى اللازم للحياة، غير في اتجاه حياة هذين السجينين، من أقصى خاصرة الألم اليسرى، إلى أقصى خاصرة الأمل الأخرى.  

  وأذكر أننا في مهجع 31 والذي كان يسمى مهجع الأحداث آنذاك في نهاية عام 1980، قمنا باتخاذ قرار جماعي، أن لا نصرخ أثناء جلدنا أو تعذيبنا، كي لا نمتع الجلاد بألمنا، سيما أن التعذيب أمر لا مفر منه، سواء صرخنا أم لم نصرخ، وكان هذا قرارا صعبا إلى حد كبير، إلا أن الاجتماع عليه بين عدد كبير من المعتقلين يجعل وطأته أخف.

وكم كان مبلغ سرورنا عظيما، من خلال النتائج التي تذوقناها بمتعه فائقة، من هذا الصبر، أذهبت إلى حد كبير ذلك الألم الذي كنا نحتمله، فقد جن جنون الجلادين، وأصبحنا وإياهم نتبادل التعذيب، هم يعذبوننا بالضرب المبرح، ونحن نعذبهم بالصبر واحتمال الألم، لدرجة أننا بتنا نتلذذ بصراخهم وصياحهم ألما، فصبرنا واحتمالنا، فوت على الجلاد متعة التلذذ بألم الضحية، وداومنا على هذا المنوال أشهرا عديدة، فكان كبير الجلادين عندما يأمر جلاديه بتعذيبنا، يوجههم الى أن يستمروا بالتعذيب إلى أن نصرخ، فاذا صرخنا فليوقفوا التعذيب.

لا أذكر كيف خطرت ببالنا تلك الفكرة يومها، ربما أوحى بها صديقنا "أبو النجا" فحين كان الجلاد بفرع أمن الدولة بحلب، يشوي له قدمه وهو لم يتجاوز السابعة عشر من عمره بعد، كان يقاوم هذا الألم الرهيب، بعدم إفشائه أسماء أصدقائه، ورفضه أن يسلمهم بيده إلى هؤلاء الجلادين، فكان غيظ الجلاد بفشله من نيل اعتراف "أبو النجا" مخففا لألمه، كان يقول لي كلما ردد الحكاية (كانوا يضربونني بالسياط والأسياخ المحماة، وكنت أجلدهم بصمتي)

ومن الملفت للنظر أيضا، أن تاريخ سجن تدمر، الذي دام أكثر من عشرين سنة متواصلة، من التعذيب والقتل الوحشي، لم يشهد حالة انتحار واحدة، حيث أنه فقد المعنى واليأس المطبق، هما علة أساسية لفعل الانتحار،

 للمعتقلين في تدمر شكلين من أشكال إيجاد المعنى وتعليل البقاء في هذا الجحيم، الشكل الأول هو الإيمان بعدالة سماوية لا شك فيها، والشكل الثاني هو الإيمان بعدالة القضية التي نعذب بسببها

بينما الحياة في معتقل تدمر، رغم تلاطم الأهوال اليومية فيه، وتراقص الموت في ساحاته كل صباح، كانت غنية بالمعنى، ذلك الذي يضفي على تجرع التعذيب اليومي، وملاقاة الموت، ألف معنى وقيمة سامية، ربما يكون بعضها الوقوف بوجه الطاغية، وسلوك طريق وعرة لنيل الحرية، ونفض غبار عشرات من سنوات الذل، التي لم يجرؤ سابقونا على نفضها.

ومن المسائل الهامة، التي تضغط على الإنسان عامة، والمعتقل بشكل أكثر تكثيفا، ذلك الإحساس بعدم الجدوى، وبعبثية الأقدار، وهو ضرب من ضروب غياب المعنى، وكان للمعتقلين في تدمر شكلين من أشكال إيجاد المعنى وتعليل البقاء في هذا الجحيم، الشكل الأول هو الإيمان بعدالة سماوية لا شك فيها، والشكل الثاني هو الإيمان بعدالة القضية التي نعذب بسببها، وهي الوقوف بوجه الظالمين والمطالبة بحرية تليق بهذا الوجود الإنساني.

وهذا الفرق نجده بحياتنا اليومية كسوريين، بين من قتل ابنها برصاصة طائشة، في عرس شعبي، "موت بلا جدوى وبلا معنى" وبين من قتل ابنها وهو في تظاهرة ترفع أصبعها بوجه الديكتاتور القاتل، فهو شهيد وبطل يثقب جدار الخوف، ويمزق حجب الصمت.

طبعا لا يقتصر هذا على معتقلي سجن تدمر وحسب، إنما اخترت الحديث عنه كونه الرمز الأشنع، لوحشية وطول التعذيب، الذي تجرعه آلاف السوريين وعائلاتهم، ويكاد يكون بويلاته وحكاياته القاتمة، شبح الرعب الذي جثم على صدور ملايين السوريين إلى يومنا هذا.