تدمر..مملكة الموت والجنون

تاريخ النشر: 19.06.2018 | 01:06 دمشق

لكل نظام حكم في العالم ما يميزه عن الأنظمة الأخرى فمنها من تميز علمياً عسكرياً أو اقتصادياً أو ثقافياً فأسسوا صروحا" من التقدم العلمي والتكنولوجي كالدول الغربية الأوروبية والأمريكية لا بل صدروا تجاربهم للآخرين لتستفيد منها البشرية وبالمقابل هناك أنظمه تميزت في أمور يندى لها جبين الإنسانية فكانت ومازالت هذه الأنظمة تسعى دائما لتجهيل شعوبها وإفقارها وقمعها بطرق مبتكره تميز بها كثير من دول ما يسمى المعسكر الاشتراكي ودول العالم الثالث فنجد مثلا المدرسة الأمنية الرومانية (تشاوشيسكو) وغيرها من المؤسسات القمعية خاصة في الوطن العربي التي تتصدرها المؤسسة الأمنية السورية التي أبدعت في إيجاد طرق وأساليب قهر لشعبها ومن يعارض نظام الحكم فيها وعلى رأس هذه المؤسسات سجن تدمر وسجن صيدنايا وسجن الشيخ صالح وكثير من السجون والمعتقلات في الفروع الأمنية وإن أردنا أن نبحث في إدارة هذه السجون لن نجد مثالا" صارخا" أكثر من سجن تدمر السياسي الذائع الصيت .

  • الموقع والتأسيس :

يقع سجن تدمر السياسي على بعد 225 كيلومتراً شمال شرق العاصمة دمشق في الجهة الشمالية الشرقية من مدينة تدمر الصحراوية التاريخية (أكبر مدينه تاريخية في العالم ) على بعد 100 متر من الحي الشرقي للمدينة .

 شيّد سجن تدمر بداية ليكون ثكنة عسكرية أثناء الانتداب الفرنسي في ثلاثينات القرن العشرين ثم تحوّل ليصبح سجنًاً عسكرياً بعد أن نالت سوريا استقلالها وفي أواخر السبعينات أصبح معتقلًا لاحتجاز الكثير من السجناء السياسيين وليتم فصله إلى قسمين :

  1. السجن السياسي الواقع على الجهة الشمالية الشرقية من المدينة وهذا هو السجن المقصود بسجن تدمر الذي احتوى ما يقارب الـ6500 سجين في بعض الأحيان وكان أغلبهم من الإخوان المسلمين بالإضافة إلى علمانيين ومنتمين لأحزاب مدنيّة ومدنيّين وأقارب متّهمين ومراهقين تحت سنِّ الطفولة المُعتمد في القانون الدولي ومئات الفلسطينين واللبنانين والأردنيين وقد تم تدميره من الداخل عند استيلاء داعش على مدينة تدمر عام 2015 .
  2. السجن العسكري الواقع في الجهة الشرقية من المدينة غرب مطار تدمر 300 متر فقط وهو كان عبارة عن ثكنه للهجانة وفي نهاية السبعينات وبعد تحويل السجن الرئيسي إلى سجن سياسي تم استخدامه كسجن عسكري يحوي العسكريين الفارين من الخدمة أو ممن ارتكب جرائم جنائية وهذا السجن تم تدميره جزئيا" من قبل تنظيم داعش .

 

  • السجن الأسطورة :

تبدأ أسطورة سجن تدمر المرعبة بالتشكّل منذ تسلّم حزب البعث السلطة في سوريا في بداية الستينات من القرن الماضي وافتتح عام 1966وكان مخصصاً للعسكريين فقط  ليغدو  واحدًا من أسوأ السجون سمعةً في العالم وصفته منظمة العفو الدولية بأنه مصمم لإنزال أكبر قدر من المعاناة والإذلال والخوف بالنزلاء حسب شهادات سجناء سابقين كانوا في السجن.

يتكون السجن من 7 ساحات خارجية  و46 زنزانة كبيرة تحوي عدداً من السجناء و39 زنزانة صغيرة إضافة إلى 19 زنزانة تحت الأرض للحبس الانفرادي بالإضافة إلى امتلاك الحرّاس هناك قوة حكم مطلقة على السجناء مع رخصة قتل لا محدودة .

تعاقب على السجن عدد من الضباط المقربين جدا" من الدائرة الضيقة حول الأسد الأب والابن وكان ما يميزهم جميعا الإجرام غير المسبوق ومن أشهر هؤلاء المقدم فيصل غانم والعميد غازي الجهني والعميد بركات العش والعميد طلعت محفوظ والأخيران نقلوا إلى سجن صيدنايا بعد انتهاء مهمتهم في سجن تدمر.

 

  • ألقاب متعددة وسجل حافل:

تمكّن سجن تدمر السياسي من تحقيق عدة أرقام قياسية بين سجون العالم حيث يرد اسمه مع أسوأ عشر معتقلات شهيرة في العالم متقدمًا على سجن (كارانديرو) البرازيلي و(بيتالك) الروسي و(كوانغ بانغ) التايلاندي وغيرها من السجون المدرجة في موقع “كريمينال جاستيس ديغري هاب” وواحد من “أفظع” خمسة سجون في العالم وفقاً لموقع akora، بالإضافة إلى حيازته مرتبة ضمن قائمة “إنسايدرمونكي” لأفضل 10 سجون من حيث الإجراءات الأمنية المشددة في العالم وعدم إمكانية الهرب ويرد في الوصف أن "الحكومة السورية" شيدت هذا السجن مع هدف واحد في الاعتبار وهو إيصال السجناء لليقين من أنه ليس لديهم أدنى فرصة للهروب ومن أجل تحقيق هذا الهدف لسجن تدمر نقطة دخول واحدة فقط ولا يمكن الوصول إلى هذه النقطة سوى من خلال نفق تحت الأرض.

كما حصلَ على لقب “أسوأ مجزرة تحصل داخل السجن يشهدها العصر الحديث” والذي يُشير إلى مجزرة “تدمر” الشهيرة في الثمانينات حيث شهد السجن مجزرة أودت بحياة حوالي 2400 غالبيتهم من المعارضين ولا يمكن معرفة العدد الحقيقي حتى الآن بسبب السرية التامة التي أحيطت بها هذه العملية وللأسف لم يتم محاسبة مرتكبي هذه المجزرة البشعة حتى الآن ..

وقعت المجزرة مُباشرةً في اليوم التالي لمحاولة اغتيال فاشلة بقنبلتين يدويتين استهدفت حافظ الأسد، والد بشار الأسد وتم ربط الحادثة بجماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا.

في صباح يوم 27 حزيران/ يونيو/1980 الساعة 6:30 صباحاً  وصل 60 جنديا من “سرايا الدفاع” التابعة لـ”رفعت الأسد” شقيق حافظ الأسد بالمروحيات (أذكر تماما" كان يوم جمعة وكنت موجوداً في إجازة نهاية الأسبوع في منزل أهلي وشاهدت 14 طائرة في مقدمتها طائرة لونها أبيض تهبط في مطار تدمر القريب من منزلنا) إلى باحة سجن تدمر ليقوموا بالتوزّع على المهاجع وقتل المسجونين العزّل في مجزرة دموية احتاجت لأسبوعين من التنظيف على إثرها حيث تم نقل جثث المعتقلين وطمرها في مقابر جماعيه في منطقه اسمها العامرية شمال السجن 3 كم فقط وبعد عام واحد بدأت تظهر آثار هذه الجثث مما استدعى نقلها إلى منطقه أخرى اسمها المقاطع وتقع شمال شرق تدمر 25 كم.

كما تم توثيق سبع مجازر جماعية في سجن تدمر وقعت خلال الأعوام 1980 و1981 و1982 وراح ضحيتها مئات السوريين فضلًا عن تنفيذ النظام لإعدامات جماعية لم تتوقف بحساب معتقلين سابقين إلا في العام 1994.

ومنذ عام 1980 وبعد المجزرة الشهيرة أُعطيت صلاحيات مطلقة للحرّاس لقتل السجناء بالكمّ والكيفية التي يريدون فكان استخدام أبشع طرق التعذيب في التاريخ البشري تم الكشف عن جزء منها من خلال شهادات المفرج عنهم من هذا السجن  إذ أكد هؤلاء المعتقلون وجود أكثر من 40 طريقة للـتعذيب والمعاملة السيئة المستخدمة في سجن تدمر ومن المُلفت للنظر بعض وسائل التعذيب المستوردة مثل “الكرسي الألماني” المستخدم في تدمر والذي يقوم خبراء التعذيب في سوريا بإحداث بعض التعديلات عليه لإحداث أنواع إضافية من الألم والعاهات أحيانًا والذي يسمى بعد التعديل “الكرسي السوريّ”.

“لا تستطيع اللغة وصف الخوف ذلك الإحساس الداخلي عندما تشعر جسديًا بأن قلبك أصبح بين قدميك وليس في صدرك ونظرات الهلع في وجوه الناس حين يقترب موعد جلسات التعذيب”

أصبح من المؤكد أن التعذيب في سجن تدمر وحشيّ بشكل لا يصدّق حيث يمتلك الحراس صلاحيات مطلقة حيث لا وجود للكتب أو التلفاز أو الراديو والتعذيب هو العمل الترفيهي الوحيد المسموح به وتم تنفيذ كل ما يخطر لمخيّلة الحراس من تقطيع بالفؤوس وطقوس أخرى كما يتميز السجن بحفلات الاستقبال للوافدين من السجناء الجدد والتي تجري على كل سجين جديد وتتسبب عادةً بعدم القدرة على الوقوف لمدة أسبوع كما يقوم السجناء بعمليات جراحة لبعضهم البعض بأدوات بدائية ودون تخدير فيما تتسبب أغلب الحالات الصحيّة بالموت لعدم وجود أيّ نوع من الرعاية الصحية وهناك بعض الحوادث الذي لا يمكن لعقل بشري أن يصدقها سرها لي أحد أقربائي الذي كان يعمل في الفرن العسكري داخل السجن ( تم حقن هذا الرجل بمادة لم نعرف ماهي بعد مجزرة تدمر أدت إلى شلله ووفاته بعد شهرين ) قال إن مدير السجن العميد غازي الجهني كان بدل أن يدخل إلى المرحاض لقضاء حاجته كان يدخل إلى أحد المهاجع أو الزنازين ويبول على السجناء وقد كانت نهاية هذا المجرم بشعه جدا" في حادثي سيارة منفصلين بفارق زمني 3 سنوات الأول أصيب بشلل في الأطراف الأربعة وفي الثاني وعند عودته من دمشق طار من كرسيه المتحرك على أوتوستراد حمص دمشق وتم الدعس عليه بواسطة صهريج لم يبق له أثراً (عدالة السماء) ..

من الملفت أن أغلب هؤلاء المعتقلين مراهقون وصغار عاشوا ربيع عمرهم من بداية ثمانينات القرن الماضي وحتى منتصف التسعينات حيث أفرج عنهم وكانوا بمعظمهم مجرد أقارب لأناس متهمين بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين أو أفراد تم النطق باسمهم من قِبل سجناء سابقين تحت التعذيب ومن الملفت أن 2000 سجين من هؤلاء قد تمّ فصلهم في أماكن خاصة عن البالغين والسجناء الأكبر عمرا.

في نهاية حكم الأسد الأب وفي أيلول عام 1995تم إطلاق سراح بعض السجناء السياسيين وفقا لعفو بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لحكم حافظ الأسد قُدّرت أعدادهم بـ1200 سجين ولم يتم الإفصاح عن آلاف من السجناء الذين تم اعتقالهم على مدى 15 عاما" علمًا أن هذه الإفراجات نفسها زخرت بالانتهاكات ومنها إجبار المفرج عنهم على توقيع يمين الولاء قبل الإفراج وترهيبهم من العودة لمزاولة أيٍّ من النشاطات السابقة وهذا ما يُنهي حرية التعبير السلمي وتكوين الجمعيات بشكل مطلق حسب التقرير.

 

 

وفي عهد الأسد الابن

أغلق النظام السوري رسميًا سجن تدمر في عام 2001 بعد عام من  تولي بشار الأسد الحكم من والده ونقلت كافة الملفات الموجودة به إلى سجن صيدنايا في خطوة كان كثيرون يأملون بأن تكون فاتحة إصلاحات ووضع حد للتعذيب على نطاق واسع في السجون السورية .

وفي عام 2011 أعيد افتتاح سجن تدمر في 15 تموز 2011 بعد اندلاع الثورة السورية ليُزجّ فيه المعتقلون من الناشطين والثوار الذين انخرطوا في الثورة على حكم آل الأسد .

في 20 أيار 2015 استولت داعش على مدينة تدمر وعلى سجنها الشهير ودخلوا السجن بطريقة هزلية حسب شهود عيان وذلك بإحداث فتحة واحدة في السور الشرقي للسجن دخل منها ثلاثة عناصر من داعش يحملون رشاش بي كي سي وبندقيتين آليتين فقط وكان السجن فارغاً تماما من السجناء وسجانيهم ومن كافة الوثائق الخاصة بالسجن التي تم نقلها قبل يومين من دخول داعش المدينة وبهذا تكون هذه المرّة الأولى التي يخرج فيها سجن تدمر من سيطرة تنظيم الأسد منذ قرابة الـ45 عامًا .

وفي 30/5/2015 قام تنظيم داعش بتفجير السجن السياسي من الداخل بشكل شبه كامل وتدمير السجن العسكري بشكل جزئي وبهذا تم طوي صفحة سجن من أسوأ سجون العالم عبر التاريخ وطمست معه الكثير من الحقائق التي طالما سعى إليها الكثير من الباحثين وأهالي نزلاء هذا السجن الذين اختفوا إلى الأبد ومازال قاتلهم حرا" طليقا" ....