تدخل دولي لكبح مخدرات الأسد

تاريخ النشر: 13.10.2021 | 06:56 دمشق

أقر مجلس النواب الأميركي استراتيجية جديدة، تهدف لتقويض تجارة المخدرات في سوريا، وتتيح أيضاً تقديمتقرير عن ثروة رأس النظام بشار الأسد وأفراد أسرته، بمن فيهم أبناء عمومته.

ووفق تقارير إعلامية، فقد صوّت مجلس النواب على تعديليتطلب استراتيجية مشتركة بين الوكالات الأميركية، لتعطيل شبكات المخدرات التي يعتقد أنها تعمل في ظل نظام الأسد، وذلك ضمن التصويت على قانون ميزانية وزارة الدفاع لعام 2022، الذي تم رفعه إلى مجلس الشيوخ.

وتزامن ذلك مع إعلان الأردن مجددا عن ضبط كميات كبيرة من حبوب "الكبتاغون" المخدرة داخل شاحنة لنقل الخضار والفواكه في معبر نصيب الحدودي، كانت قادمة من سوريا ومتجهة إلى دول الخليج العربي، وذلك بعد أيام فقط من إعلان مماثل عن إحباط محاولتي تهريب مخدرات قادمة من سوريا، تتضمن حبوب كبتاغون ومادة الحشيش.

وكانت إدارة مكافحة المخدرات الأردنية، أعلنت في يوليو تموز الماضي عن إحباط تهريب نصف مليون حبة مخدرة، بعد ساعات فقط من إعادة افتتاح معبر جابر - نصيب أمام مركبات الشحن، مع ملاحظة أن حركة تهريب المخدرات كانت ناشطة أصلا قبل افتتاح المعبر، بل لم تتوقف طيلة السنوات الماضية عبر المعابر غير النظامية، بعد أن تحولت سوريا خاصة من العام 2018 إلى منتج كبير للمخدرات، وإن كانت بدايات تصدير المخدرات بدأت منذ حوالي العام 2013، مع التدهور الاقتصادي في البلاد، وزيادة تكاليف الحرب.

وبطبيعة الحال، لا تقتصر عمليات تهريب المخدرات على الحدود السورية الأردنية، حيث البوابة الرئيسية للتصدير هي الساحل السوري، عبر ميناءي اللاذقية وطرطوس باتجاه مناطق مختلفة من العالم. وكانت الشحنة الأبرز التي لفتت الأنظار الى سوريا كبلد منتج للمخدرات، وخاصة لحبوب الكبتاغون تلك التي وصلت إلى إيطاليا صيف العام الماضي قادمة من ميناء اللاذقية وتضم 84 مليون حبة "كبتاغون" وتصل قيمتها إلى 1.1 مليار دولار حسب الشرطة الإيطالية التي وصفتها بأنها أكبر عملية من نوعها في التاريخ. وقبلها أعلنت الشرطة اليونانية عن ضبط شحنة مماثلة قادمة من سوريا قدرت قيمتها بنصف مليار دولار. كما ضبطت شحنات أخرى في مصر ودبي ورومانيا وتركيا والبحرين.

إن جميع الشحنات التي تم ضبطها كان مصدرها سوريا أو عبر الحدود اللبنانية حيث "تشكلت عصابات إجرامية وزعماء ميليشيات وعصابات حدودية تصنع وتوزع كميات كبيرة من المخدرات

ونقل تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية في مايو أيار الماضي، عن ستة مسؤولين في أجهزة شرطة واستخبارات في الشرق الأوسط وأوروبا قولهم إن جميع الشحنات التي تم ضبطها كان مصدرها سوريا أو عبر الحدود اللبنانية حيث "تشكلت عصابات إجرامية وزعماء ميليشيات وعصابات حدودية تصنع وتوزع كميات كبيرة من المخدرات. وهذه العصابات خطيرة جدا. فهم لا يخافون من أي شيء. إنهم يختبئون لكن على مرأى من الجميع". وتشير الصحيفة إلى أن مسؤولين كبارا سوريين ولبنانيين متورطون في تجارة المخدرات التي تنتقل عبر طريق يمتد من سهل البقاع اللبناني ومدينة القصير السورية، جنوبا باتجاه الحدود السورية الأردنية الحدودية، وشرقا باتجاه العراق وإقليم كردستان، وشمالا باتجاه ميناءي اللاذقية وطرطوس، حيث باتت اللاذقية، وفق الصحيفة، تحت مراقبة كثيفة من أجهزة أمنية أميركية وأوروبية.

مع انهيار الاقتصاد الرسمي تحت وطأة الحرب والعقوبات والحكم القمعي لعائلة الأسد، أصبحت المخدرات الصادر الرئيسي للنظام ومصدر العملة الصعبة له، حيث يشير مركز تحليل العمليات والبحوث (COAR) -وهو شركة استشارية مقرها قبرص، إلى مصادرة كميات من المخدرات مصدرها سوريا العام الماضي في أماكن مختلفة من العالم بقيمة لا تقل عن 3.4 مليارات دولار، مقارنة بأكبر تصدير قانوني لسوريا وهو زيت الزيتون الذي تبلغ قيمته حوالي 122 مليون دولار في السنة.

كما يشير تقرير لموقع "إيكونوميست" البريطاني في يوليو تموز الماضي إلى أن المقاتلين الشيعة من أفغانستان ولبنان الذين جاؤوا لدعم نظام الأسد، جلبوا مهاراتهم في صناعة المخدرات والاتجار بها، فيما حصل حزب الله اللبناني على مساحات شاسعة عبر الحدود في جبال القلمون السورية، وتوسّع في زراعة الحشيش وطوّر صناعة منزلية جديدة لإنتاج الكبتاغون.

ووفق تقرير حديث لمؤسسة المجلس الأطلسي البحثية الأميركية، فإن نظام الأسد حصل في عام 2020 على ما لا يقل عن 3.5 مليار دولار، من جراء تجارة المخدرات، أي خمسة أضعاف قيمة الصادرات المشروعة للبلاد.

ولم يعد خافيا أن الجهات التي تقف خلف هذه التجارة تدور كلها في فلك نظام الأسد، وفي مقدمتها "حزب الله" الذي يعد "المنتج" والمورد لمعظم حشيش الكيف في لبنان، ويتعاون مع مخابرات وضباط النظام لإدخال بضاعته إلى السوق السورية، وخاصة الجنوب السوري في محافظتي درعا والسويداء عبر عناصره المنتشرين هناك، وبالتعاون مع "الفرقة الرابعة" والمخابرات العسكرية.

وفضلا عن ضرب البنية المجتمعية في المجتمع السوري حيث تنتشر هذه الآفة بشكل كبير بين الشباب، وخاصة الأنواع الرديئة والضارة من الحشيش وحبوب الكبتاغون، فإن الهدف الآخر والهام لهذا التحالف (حزب الله، أقرباء بشار الأسد في الساحل السوري، الفرقة الرابعة، المخابرات العسكرية، وتجار محليين) هو جني المال الوفير نظرا للكميات الضخمة التي يجري تداولها في وعبر الأراضي السورية، حيث باتت تجارة المخدرات تسهم في تمويل النظام وميليشياته وحزب الله، خاصة بعد أن جف أو تراجع التمويل القادم من إيران بعد تشديد العقوبات الأميركية عليها.

وحسب معطيات مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة، فإن نسبة قليلة من عمليات تهريب المخدرات على مستوى العالم يتم ضبطها، وهي تتراوح في الدول التي تشدد الإجراءات بين 1 و3 حالات من أصل عشرة. وفي الحالة السورية ومع غياب الدولة، بل وانخراط أجهزتها في تجارة المخدرات، فإنه تضبط عملية واحدة فقط بين كل 20 عملية تهريب للمخدرات.

ويرى متابعون أن تجارة المخدرات تؤدي إلى تقويض سيادة القانون، وإعاقة استعادة دورة الاقتصاد الطبيعية، وبالتالي استمرار الصراع في سوريا. وإضافة إلى العواقب الوخيمة على المواطنين السوريين أنفسهم، فإن تجارة المخدرات السورية سيكون لها أيضًا تأثير مزعزع للاستقرار على الدول المجاورة والإقليمية، والتي ستضطر إلى تحمل أعباء اجتماعية وأعباء أمنية نتيجة لذلك.

إن الاقتصاد السوري يعتمد في جله اليوم على أنشطة غير شرعية مثل تجارة الأسلحة، والابتزاز، والاتجار بالبشر، والدعارة القسرية، وتهريب الأعضاء، تهريب الآثار، والاختطاف للحصول على فدية، لكن تجارة المخدرات هي العنصر الأبرز في هذه الأنشطة، نظرا إلى الطبيعة السرية للمرافق وسهولة التصنيع والمرابح الخيالية التي يتم تحقيقها والمقدرة بـ 50 ضعفا من كلفة التصنيع. وتشير تقارير إلى أن المواد الكيميائية اللازمة لصناعة الكبتاغون يتم استيرادها من إيران والهند وأميركا اللاتينية وروسيا، وتتم عمليات التصنيع إما في مختبرات صغيرة تحت الأرض أو على نطاق واسع في المنشآت الصناعية الموجودة في المراكز الحضرية خاصة في حمص وحلب، حيث يقدر وجود ما لا يقل عن 15 مصنعا كبيرا لإنتاج الكبتاغون إلى جانب أدوية اصطناعية أخرى، تدير بعضها الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد.

إن هناك علاقة تفاعلية بين الاتجار بالمخدرات والحرب في سوريا، يغذي كل منهما الآخر، ومن الصعب التوصل إلى حلول سياسية في البلاد دون معالجة قضية الاتجار بالمخدرات

وإضافة إلى الفرقة الرابعة، تشارك العديد من أجهزة النظام في حماية وتصريف الإنتاج مثل المخابرات الجوية، والحرس الجمهوري، والمخابرات العسكرية والميليشيات المحلية وشركات الأمن الخاصة، إضافة إلى الجماعات المسلحة الأجنبية ذات الانتماءات المختلفة وخاصة المدعومة من إيران. وتؤكد تقارير عدة أن رأس النظام بشار الأسد وعائلته وأقرباءه لهم دور محوري في هذه التجارة، وخاصة شقيقه ماهر الأسد ووسيم بديع الأسد ومحمد شاليش وسامر الأسد.

 وخلاصة القول، إن هناك علاقة تفاعلية بين الاتجار بالمخدرات والحرب في سوريا، يغذي كل منهما الآخر، ومن الصعب التوصل إلى حلول سياسية في البلاد دون معالجة قضية الاتجار بالمخدرات التي باتت مصدر الدخل الرئيس للنظام الفاسد في دمشق وحلفائه ولعدد من أمراء الحرب الداعمين له، ما يستوجب تدخلا دوليا، يقطع هذه السلسلة التي جعلت من العقوبات الدولية على النظام غير ذات معنى، مع عدم إغفال أن النظام وحلفاءه يحاولون استخدام ورقة المخدرات لابتزاز الجيران والعالم بضرورة دعمه وتمكينه من استعادة كل البلاد، والانفتاح السياسي والاقتصادي عليه، ليتمكن من استعادة عافيته، ويستطيع تاليا وضع حد لصناعة المخدرات والاتجار بها.