تداعيات (الوَدَك)

تاريخ النشر: 28.11.2021 | 10:29 دمشق

د. موسى الحالول

 

أُعيذُها نَظَراتٍ منكَ صادقةً  ...  أن تَحْسَبَ الشَّحْمَ فيمن شَحْمُهُ وَرَمُ

/المتنبي/

 

ما سأقدمه أدناه هو محاولة يسيرة لمغامرة في اللسانيات الثقافية، وأقول مغامرة لأنها ليست نتيجة بحث معمق، بل مجرد تداعيات وخواطر متفرقة هلَّت من قراءاتي المتناثرة والذاكرة –الفردية منها والجمعية. وهذه التداعيات حفَّزتها كلمةٌ سمعتها من صديق سعودي قبل أيام.

سألت هذا الصديق عن شخص وعما سيفعله في مسألة تخصنا نحن الاثنين، فقال إنه "مِتْوَدِّك" في هذي الأمور. استطرفتُ الكلمة وحدستُ معناها (في لهجتنا الفراتية نقول "مِتْوَدِّس بالدَّيْن" أي غارق فيه)، لكني استزدتُه إيضًاحًا، فقال إنها تعني "خبير أو غارق أو منهمك". خمنت أن للكلمة أصلًا فصيحًا، فسألته إن كان يعرف معنى الوَدَك. ولما نفى معرفته بذلك، قلت إنه يعني الدهن أو الشحم.

وكنت قد عرفت معنى الوَدَك أول مرة حين قرأت أن واليًا قد أهدى إلى مُسْتَعْطٍ ثيابًا على أكمامها آثار الوَدَك، فأبى المُسْتعطي أن يغسل هذه الأكمام، وذلك للدلالة على أن المتفضل عليه صاحب نعمة (ولعله أراد أن يوهم الناس أنه هو أيضًا ممن يأكلون الشحم واللحم كل يوم). وعند العودة إلى المعاجم وجدتُ أن من أقوال العرب، "مَا فِيهِ وَدَكٌ"، أَيْ لَيْسَ عِنْدَهُ طَائِلٌ، والطائل يعني النفع أو الفائدة. وبهذا المعنى يقول الشاعر الجاهلي عائذ بن مِحْصَن، المعروف بلقب المُثَقِّب العَبْدي:

فإما أن تكون أخي بحقٍّ ... فأعرف منك غَثِّي من سَميني

وإلّا فَاطَّرِحْني واتَّخِذْني ... عدوًا أتَّقِيكَ وَتَتَّقيني

إذن في ذاكرتنا الجمعية، المتمثلة في الشعر، فإن الشحم أو السِّمَن هو المعادل الموضوعي للنفع والخير والنعمة.

أثار قول أجدادنا "مَا فِيهِ وَدَكٌ" الآنف الذكر في ذاكرتي صدى عبارةٍ هُيئِّ لي أني كنت أسمعها منذ عقود في المسلسلات السورية، "ما عندي ولا وَتَكِة" (أي، ولا نِكلة = أصغر عملة معدنية). ولكني اتهمت ذاكرتي المثقوبة، إذ لم أعد أتابع أي مسلسل منذ سنوات، كما قاطعت التلفاز لأنه النافذة التي نُطل منها على مآسينا وجراحنا المفتوحة حتى يوم الناس هذا. على أي حال، سألتُ أستاذًا جامعيًا مختصًا باللسانيات الإنجليزية من حلب إن كانت "وَتَكِة" دارجة في اللهجة الحلبية وعما تعنيه، فقال إنها تعني الشيء الضئيل، لكنه لا يعرف معنى الكلمة الأصلي. قلت له، "لعلها محرفة عن كلمة ’وَدَك‘ التي تعني الدهن أو الشحم. وفي الفصحى يقولون: ما فيه وَدَكٌ.." فوافقني قائلاً، "معقول جدًّا."

ثم بحثت في الإنترنت عن كلمة "وَتَكَة" فإذا بي أكتشف أنها تعني عند المصريين "بنت ذات أنوثة متفجرة" زاد فضولي، فسألت صديقًا مصريًا عن هذه اللفظة، فقال: "وصف للمرأة الجميلة الخمرية اللون المتفجرة الأنوثة بشرط أن تكون أردافها قريبة للامتلاء ولديها خصر محدد وليست ذات عرقوب بل ممتلئة الساقين".

بما أن صديقي هذا أستاذ قدير في الأدب العربي، قلت له: "هل تعتقد أنها تعني أصلًا امرأة وَدِكَة، أي، دَهينة، شَحيمة؟" فقال هي كذلك. إذن، هنا الشحم هو مقياس الجمال. وأعتقد أن امتلاء الجسم كان إلى وقت غير بعيد من معايير جمال المرأة عند العرب، قبل أن تَتَعَوْلَم هذه المعايير وتغزونا الثقافة الغربية حتى في هذا المجال. ومما له صلة بتلازم الجمال بالشحم في الثقافة العربية ما يقوله الناقد السعودي عبد الله الغَذّامي، "وكما هي الدلالة اللغوية المزدوجة لكلمة (جميل) التي تعني (الشحم) مثلما تعني (الجمال) فإن في الثقافة أيضًا جمالًا من تحته شحم، وكما أن الشحم لذيذ وجذاب إلا أنه ضار وفتاك بالصحة البدنية" (انظر كتابه «النقد الثقافي»، ص 84).

ومن طرائف المجاز في وادي الفرات قولهم إذا رشا أحدهم شرطيًا "دهنتْ له السير" (والمقصود بالسير هنا هو الحِزام). ومن محاسن المصادفات أن الإنجليزية أيضًا فيها تعبير مماثل، لفظًا ودلالةً، هوgrease money  (مال الدَّهْن، أي مال الرشوة). ومن طرائف الأقوال ما يقوله السعوديون حين يتراشقون بالألفاظ، في جِدِّهم أو هزلهم، "على شَحْم!" أي، اخْرَس! بقيتُ سنواتٍ لا أفهم علاقة هذا اللفظ بمدلوله إلى أن قيَّض الله لي صديقًا شرح لي هذه العلاقة. قال إن العبارة الأصلية تعرضت للاختزال –فيما يُعرَف بالبلى اللفظي الذي تتعرض له الكلمات ذات التداول العالي– لأنها في الأصل، "خَلَّك على شَحْم!" وهذه العبارة من آداب الضيافة عند البدو، إذ إن الشحم، بنظرهم، ألذ من اللحم. فإذا أراد الضيف أن يتناول شيئًا من اللحم، ردُّوه إلى ما هو ألْيَق به. إذن، فعبارة "خَلَّك على شَحْم" تعني "خَلَّك على شيء طيب." وهذا القول، والعهدة على صديقي السعودي، فيه صدى لقول النبي، صلى الله عليه وسلم، "وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ". هكذا تطورت الدلالة فأصبحت "على شَحْم!" تعني "اخْرَس!".

وأختم بهذه المُلْحة البدوية: يُحكى أن بدويًا نزل بأرضٍ مُمْرِعةٍ لرجلٍ لا يعرفه في أحد مواسم الانتجاع. ومن عادةِ البدو أن يولِموا لمن ينزل بـ چاسِرهم، أي ينزل بجوارهم (و"الچاسر" هو الحبل الأوسط الذي يحمل بيت الشَّعر طوليًا من منتصفه ويُثَبَّت طرفاه بوتدين متناظرين). لاحظ المضيف أن نزيله عنده بنت "مَزيونة" فنصب عندها (أي، عَشِقها)؛ لأن العِشْق شِراكٌ تُنْصَب للإيقاع بالطريدة. بدأ صاحبنا العاشق/ الناصب (وهو متزوج) يتردد على بيت جاره، وكان قبل التوجه إلى جيرانه يعمد إلى قطعة شحم يدهن بها يديه ولحيته وشاربيه حتى تُبْرِق. وكان بهذا يريد أن يُوهِم أهل البنت أنه رجل سَخِيٌّ يأكل الشحم واللحم كل يوم. فكان إذا جلس راح يتصنَّع التجشؤ ويقول، "والله، الشحم ذبحنا!" وسارت الأمور على هذه الحال إلى أن جاءته ابنته الصغيرة البريئة في يوم من الأيام وهو في بيت أهل محبوبته ودلقت على رأسه، وأمام الأشهاد، الخبر الفاجع الفاضح: "يُبَه، يُبَه، شحمتك اللي تدهن بها يدَّك ولحيتك أكلتها البس!" فما كان من الناصب المسكين إلا أن زجرها وشتمها في عِرض أُمِّها شتيمةً يعف القلم عن ذكرها. لعل صاحبنا أدرك بالغريزة أن زوجته هي من سحبت منه قطعة الشحم –عِدَّة النصب– لتتركه مبهوتًا، خالي الوفاض. أما القطة فكانت أداة التنفيذ، وابنته هي وسيلة الإعلام التي نقلت خبر أمها العاجل لجمهورها المستهدف بالبنط الأحمر العريض!