شكل قرار الحكومة السّورية تخفيض أسعار الكهرباء للمنشآت الصناعية دفعة "محدودة" لعجلة الاقتصاد، في حين يراها صناعيون وخبراء اقتصاد خطة غير كافية رغم أهميتها.
يواجه قطاع الصناعة في سوريا تحديات عديدة، معظمها يتعلق بالعقوبات الاقتصادية، وتتمثل في القدرة على توفير الكهرباء وتراجع الطاقة التشغيلية وارتفاع كُلف الانتاج، بالإضافة إلى نقص المواد الأولية وتعرض العديد من المصانع لعمليات سرقة.
كما تعاني الصناعة السورية من ضعف البنية التحتية اللازمة، نتيجة للتدمير الممنهج لها من قبل النظام البائد في السنوات السابقة.
في 7 نيسان/أبريل الجاري، أصدرت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء قراراً بخفض سعر الكيلو واط ساعي للخطوط المعفاة من التقنين جزئياً أو كلياً، بنسبة 21% للصناعي والتجاري، ليصبح السعر 0015 ليرة سورية للكيلو (نحو 1.2 دولار أميركي)، بدلا من 1900 ليرة.
خطوة في الاتجاه الصحيح
يرى الخبير الاقتصادي فاخر قربي، يقيم في دمشق، أن قرار تخفيض سعر الكهرباء له أثر إيجابي في تحسين التنافسية بين القطاعات الصناعية، وتحفيز الحركة الإنتاجية لدى المصانع، والتخفيف من الضغط المالي على القطاع الصناعي.
ويستدرك قربي، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، لكن القرار ليس كافياً، مشيراً إلى ضرورة أن يتبع القرار خطوات إضافية لرفع مستوى الخدمات وتعزيز التنافسية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على قطاع الصناعة في البلاد.
ويؤيد الباحث الاقتصادي محمد السلوم، يقيم في حلب، إيجابيات القرار، الذي يمثل برأيه استجابة لحاجة ملحة لدى الصناعيين، ممن يعانون ظروفاً تشغيلية صعبة للغاية وارتفاعاً بالتكاليف التي كانت مرهقة بالنسبة لهم في سنوات الحرب الأخيرة.
من الإيجابيات، بحسب قربي، استقطاب المزيد من المستثمرين الأجانب والسوريين للاستثمار في القطاع الصناعي، كما ينعكس هذا القرار إيجاباً في حل مشكلات الفقر والبطالة.
وتنشيط قطاع الصناعة يوفر فرص عمل لمئات الآلاف من العائلات السورية التي تعتمد في دخلها على المعامل والمصانع والورش.
انعكاسات اقتصادية مباشرة
يوضح الباحث الاقتصادي محمد السلوم، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، أن تخفيض أسعار الكهرباء للصناعيين سيفضي إلى تمديد ورديات العمل في القطاعات ذات الطابع الإنتاجي المستمر مثل: الصناعات الغذائية والبلاستيكية والنسيجية، ما يسهم في زيادة المعروض منها في السوق المحلية، وبالتالي تخفيض الأسعار في ظل غلاء المعيشة التي تشهدها البلاد.
ويشير السلوم إلى ضرورة أن ينعكس انخفاض تكاليف التشغيل على إعادة تسعير المنتجات، بما يتلاءم مع تخفيف الأعباء عن المواطن المستهلك، وتحفيز عملية التصدير ودخول الصناعيين أسواق جديدة في الدول المجاورة.
ووفقاً لسلوم، فإن القرار الجديد يحمل إشارة واضحة لتوجهات الحكومة السورية الجديدة نحو معالجة الآثار السلبية للمرحلة السابقة، والعمل بمبدأ السوق الحر وتحسين مستويات الدخل لدى الفرد على المدى المتوسط.
أسعار مرتفعة مقارنة بدول الجوار
بدوره، أسامة عجوم، وهو صناعي من مدينة حلب، يرى أن تخفيض أسعار الكهرباء خطوة صحيحة من حيث المبدأ، وذلك بالتزامن مع ارتفاع قيمة الليرة السورية، إلا أن السعر الجديد لا يزال مرتفعاً مقارنة بأسعار دول الجوار.
ووفقاً لرئيس لجنة العرقوب الصناعية ونائب رئيس القطاع الهندسي بغرفة صناعة حلب تيسير دركلت، فإن أسعار الكهرباء الصناعية في سوريا حيث بلغت 14 سنت، وبين تركيا التي سجلت سعر الكيلو واط ساعي بقيمة 9 سنت، وفي العراق 4 سنت، والأردن 6 سنت في الأردن.
ويلفت دركلت إلى أن الصناعيين يأملون أن ينخفض سعر الكيلو واط لللكهرباء لما بين 8 - 10 سنت في أقصى تقدير.
خطوة غير كافية
في حين لا يزال قطاع الصناعة، بحسب خبراء وصناعيين، يحتاج إلى العديد من التسهيلات تتعلق بضريبتي استهلاك الطاقة والدخل، بالإضافة إلى ضبط عمليات التهرب الضريبي.
ويرى عجوم، أن قطاع الصناعة للنهوض من جديد يحتاج ايضاً ضبط حركة القطع الأجنبي من جهة وسعر الصرف، وتخفيض أسعار حوامل الطاقة والجمارك والضرائب، ومعرفة إمكانية تصفير الضرائب لمدة سنتين كحد أدنى.
دمج المؤسسات الاقتصادية
تعتمد الحكومة الجديدة في إدارة شؤون وزارة الاقتصاد على معايير جديدة في إعادة هيكليتها، بالتحوّل الى التقسيم الوظيفي والتخصص الدقيق، مع إيضاح السلطات والمسؤوليات.
يقدم الخبير الاقتصادي فاخر قربي قراءة لخطوة دمج وزارتي الاقتصاد والصناعة في حقيبة واحدة في سوريا، معتبراً أنها تسهم في توطيف الكوادر البشرية بطريقة أفضل، ويخفف من حدة الأعباء المالية والروتين، ويحد من البطالة المقنعة المنتشرة في الوزارات المدمجة.
ويحقق هذا الدمج برأي قربي المزيد من الانسجام في مسؤوليات الوزارات، ووضع المسؤولين أمام مهمة البحث في مسارات الانتاج والكلفة والتسعير بشكل عادل، الذي سينعكس إيجابا على المواطن، من خلال انخفاض الأسعار بشكل تدريجي.
ويشير الخبير الاقتصادي الى السلبيات المتوقعة من عملية الدمج، نتيجة لتداخل الاختصاصات ونقص الدراسات التي تسهم في رفع السوية الإدارية والتنفيذية بكل وزارة أمام المسؤوليات الضخمة المترتبة عليها
مستقبل الصناعة السورية
يمكن للصناعيين زيادة الإنتاج بنحو 15% إلى 20% في القطاعات التي تستهلك الكهرباء بشكل كبير مثل: صناعة المواد الغذائية، البلاستيك، والنسيج، في حال تم استغلال تخفيض أسعار الكهرباء بشكل كامل.
ويقدم الباحث الاقتصادي محمد السلوم رؤيته لمستقبل الصناعة في سوريا، متوقعاً زيادة الإنتاج المحلي في حال استمرت الاسعار بالتراجع، مع إمكانيّة ارتفاع قيمة الصادرات السورية من قطاع الصناعة إلى 1.5 مليار دولار سنوياً بعد ثلاث سنوات، مقارنة بقيمة الصادرات اليوم التي تقدر بواحد مليار دولار حالياً، وفقاً لتقديره.
ووفقاً للسلوم، فإن حدوث هذا التحسن بقطاع الصناعة يشترط تحسين الأداء الاقتصادي وزيادة الناتج المحلي الإجمالي السوري بمقدار 2% إلى 3% خلال السنتين المقبلتين، وتعزيز حضور المنتَج في السوقين المحلية والدولية.
ويربط الباحث الاقتصادي تحسين واقع الصناعة السورية بعدة شروط أهمها: ثبات التغذية الكهربائية واستقرارها وتوسيع نطاق الدعم، ليشمل قطاعات إنتاجية صغيرة ومتوسطة، ومعالجة الاختناقات اللوجستية والتمويلية التي لا تزال تحدّ من قدرة الصناعيين على التوسع أو التصدير.
ما نحتاجه اليوم ويؤكده الصناعيون هو وجود سياسة طاقة صناعية متكاملة، يكون قرار التخفيض في مقدمتها، ولا يُختزل فيها.
كما أن الهدف ليس فقط خفض السعر، بل الوصول إلى بيئة إنتاج تنافسية، يكون فيها الصناعي السوري لاعباً قوياً في الداخل ومنافساً جديراً في الخارج.
مع الإشارة إلى ضرورة وضع آلية لتقييم الأثر شهرياً أو فصلياً، بما يسمح بتعديل السياسات بما يخدم مصلحة الاقتصاد الوطني.
