بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على الثورة السورية التي تكللت بالإطاحة بنظام بشار الأسد، حيث تداخلت الحرب مع الانهيار الاقتصادي والعقوبات الدولية لتشكّل معاناة شاملة طالت تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، استمرت هذه العقوبات كعامل ضغط مركزي على الاقتصاد والبنية المجتمعية، وتحوّلت إلى عبء على المواطنين أكثر ممّا هي وسيلة ضغط على السلطة الجديدة، وساهمت في استمرار انهيار العملة المحلية، وضعف القطاعات الإنتاجية، وغياب فرص العمل، ما خلق شعوراً بزيادة اليأس وغياب الأفق، وتشكلت بيئة خصبة للتفكك الاجتماعي والتوترات الداخلية، بل وامتدّت تداعيات الأمر إلى دول الجوار التي تعاني من آثار غير مباشرة لهذه الأزمة المستمرة.
وفي هذا الإطار، بذلت الإدارة السورية الجديدة منذ تسلّمها للسلطة جهوداً لرفع العقوبات المفروضة؛ حيث أعلنت دول الاتحاد الأوروبي في شباط 2025 عن تعليق العقوبات في قطاعات الطاقة والنقل والبنوك، ورفعت بريطانيا العقوبات عن عدة كيانات، وأخيراً صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتاريخ 12 أيار 2025 بأنه يدرس تخفيف العقوبات الأميركية على سوريا، بهدف منح البلاد "بداية جديدة".
تستمر الدول الغربية في دعوة الحكومة السورية للعمل جاهدة على ضمان استقرار السلم الأهلي والحدّ من أي حوادث طائفية؛ حيث تضغط الدول الغربية، وخصوصاً أميركا، في هذا الملف عبر شروطها والعقوبات التي تستخدمها، وتدعو إلى الاستقرار في سوريا لينعكس ذلك على دول الجوار. لكن المفارقة هنا أن من أكبر معوّقات السلم الأهلي هو استمرار هذه العقوبات، لكونه يعيق إعادة بناء الاقتصاد السوري، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وبالتالي تقليل التوترات الاجتماعية والسياسية، ويمنع انعكاس ذلك بشكل إيجابي على استقرار المنطقة بأسرها.
تأثير العقوبات على الاقتصاد السوري والمجتمع
منذ بداية الثورة السورية في عام 2011، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجموعة واسعة من العقوبات على سوريا، استهدفت بشكل رئيسي القطاعات الحيوية مثل النفط، والطاقة، والبنوك، والشحن، إضافة إلى أسماء ومؤسسات مرتبطة بالنظام المخلوع. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه العقوبات من أداة ضغط سياسي إلى عبء ثقيل على الاقتصاد السوري والمواطن العادي؛ حيث إنه بحسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في أواخر 2024، فإن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما تجاوزت نسبة البطالة 50%، في ظلّ تدهور كبير في القدرة الشرائية وانهيار العملة الوطنية.
هذا التدهور الاقتصادي لم يقتصر على الأرقام فحسب، بل ترك آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة، فقد أدّى النقص المزمن في الوقود والكهرباء، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، إلى إضعاف قطاعات الصحة والتعليم، وزيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية، التي باتت عاجزة عن تلبية الحاجات الأساسية. كما أسهمت العقوبات في منع دخول المواد الخام والمعدات اللازمة للإنتاج، ما أدّى إلى شلل شبه كامل في القطاعات الصناعية والزراعية.
النتيجة كانت بيئة خانقة للمواطنين، خاصة الشباب، الذين وجدوا أنفسهم بين خيارين: إما الهجرة، أو الركود في انتظار المساعدات. ومع انعدام الأفق الاقتصادي، تصاعد الشعور بالإحباط والتهميش، وبدأ المجتمع يعاني من مظاهر تفكك اجتماعي وتراجع في الثقة بين فئاته، ممّا جعل الأرضية مهيّأة لخطابات الكراهية، والاستقطاب، وظهور سلوكيات سلبية في الشارع ووسائل التواصل.
العقوبات وتأثيرها على مزاج المجتمع
لم تكن العقوبات الاقتصادية مجرد إجراءات مالية أو تجارية فحسب، بل تحوّلت إلى عنصر مؤثر في تشكيل المزاج العام داخل المجتمع السوري. تحت وطأة الفقر المتزايد، وغياب الخدمات الأساسية، وانعدام الأمل في المستقبل، بدأ الإحباط يتسلل إلى النفوس، وشيئاً فشيئاً تحوّل إلى حالة من التوتر العام والانفعال الاجتماعي.
باتت وسائل التواصل الاجتماعي مرآة صريحة لهذا المزاج المتأزم؛ إذ تصاعدت فيها نبرة السخرية السوداء، وتفشّى الخطاب العدائي، وتزايدت حالات التنمّر الرقمي والانقسامات الحادّة بين فئات المجتمع، سواء على أسس مناطقية، أو طائفية، أو طبقية. كما تحوّلت النقاشات اليومية من قضايا جوهرية إلى التركيز على "الترندات" الفارغة والمحتوى السطحي، في محاولة للهروب من واقعٍ معيشي لا يرحم.
هذا الانفلات في الخطاب لا يمكن فصله عن البيئة الضاغطة التي خلقتها العقوبات، فحين يُسلب الإنسان من أدوات الإنتاج والعمل، ولا يجد منفذاً حقيقياً للتعبير أو للتحقق الذاتي، يتحوّل بسهولة إلى وعاء للغضب أو وسيلة لإفراغ الألم في اتجاهات سلبية، وبذلك، يصبح الاستقرار المجتمعي مهدّداً من الداخل، لا نتيجة لصراع سياسي فحسب، بل نتيجة لاختناقٍ معيشي طال أمده.
الفرضية المقابلة: كيف يُغيّر رفع العقوبات هذا المشهد؟
في ضوء المعاناة الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزتها العقوبات، يبرز رفعها كخطوة قد تفتح أفقاً جديداً للتغيير البنيوي في سوريا، فالتخفيف من القيود المفروضة على القطاعات الحيوية، مثل الطاقة والنقل والبنوك، يعني بالضرورة إعادة ضخّ الأوكسجين في جسد الاقتصاد السوري المتهالك؛ حيث إن رفع العقوبات يؤدّي إلى خلق فرص عمل جديدة نتيجة لدخول رؤوس الأموال الساخنة، ويزيد الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يُسهم بشكل مباشر في تحسين مستوى المعيشة وتقليل الفجوة الاجتماعية.
تحريك عجلة الاقتصاد لا يعني فقط عودة المستثمرين أو فتح المصارف، بل يرتبط بتحوّلات اجتماعية عميقة، فعندما تتوفر فرص العمل ويبدأ الناس بكسب دخل مستقر، يتراجع الاعتماد على المساعدات، وتنخفض مستويات القلق اليومي، ويعود الاهتمام بالشأن العام البنّاء بدل الانشغال بالتفاهات أو الانتقادات العقيمة. الشباب السوري، على وجه الخصوص، يمكن أن يتحوّل من شريحة محبطة إلى قوة إنتاجية فاعلة تُسهم في البناء لا الهدم.
علاوة على ذلك، فإن إنهاء العزلة الاقتصادية يُتيح المجال لعودة الكفاءات السورية في الخارج، ويَسمح بنقل الخبرات والتكنولوجيا، ويُعيد بناء الثقة بالمؤسسات المحلية. وهذا كله لا يعني فقط تعافياً اقتصادياً، بل بداية فعلية لمسار استقرار مجتمعي طويل الأمد، يؤسّس لسِلمٍ أهلي متين، ويُضعف البيئة التي تُنتج خطاب الكراهية أو الميل للعنف كردّ فعل على الشعور بالعجز.
الرابط بين الاستقرار الاقتصادي والسلم الأهلي
يرتبط الاستقرار الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً بمستوى السلم الأهلي داخل أيّ مجتمع، وسوريا ليست استثناءً من هذه القاعدة. فحين يشعر الفرد بأنه قادر على إعالة نفسه وأسرته من خلال العمل الشريف، تتراجع مشاعر الغضب والإحباط، وتختفي تدريجياً النزعات العدوانية التي تُغذّي الصراعات المجتمعية. في الحالة السورية، حيث تآكلت فرص العمل وانعدمت آفاق المستقبل لشرائح واسعة من الشباب، خلق هذا الواقع بيئة خصبة لتنامي الانقسامات، وتكريس الولاءات الضيقة، وحتى الانجراف نحو التطرف أو الجريمة كوسيلة للبقاء.
لكن في المقابل، يمكن لأيّ انتعاش اقتصادي ناتج عن رفع العقوبات أن يتحوّل إلى حجر زاوية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي. فمع تحسّن مستوى الدخل وتوفّر فرص العمل، يعود الأمان الاقتصادي، وتقلّ الحاجة إلى الهجرة أو الانخراط في اقتصاد الظل أو التهريب، وتبدأ قيم الإنتاج، والانتماء إلى المكان، والثقة بالذات بالظهور مجدّداً.
من الناحية النفسية والاجتماعية، حين يخرج الناس من حالة الصراع الصفري، تبدأ علاقتهم بأنفسهم وبالآخرين بالتغيّر؛ حيث تقلّ حدّة الخطابات العدائية، وتنتعش قيم التعاون والمسؤولية، ويظهر شعور عام بالانتماء الجماعي. وعندما يشعر الأفراد أن حياتهم تسير نحو الأفضل، يصبح لديهم دافع لحماية هذا الاستقرار، لا تقويضه. وبذلك، يمكن أن يُشكّل رفع العقوبات نقطة انطلاق حقيقية لبناء سِلمٍ أهلي يستند إلى التمكين الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، لا مجرّد التهدئة المؤقتة.
انعكاس الاستقرار المجتمعي السوري على دول الجوار
الحرب في سوريا لم تبقَ ضمن حدودها الجغرافية، بل امتدّت آثارها إلى عمق الجوار الإقليمي، سواء من خلال موجات اللجوء، أو النشاطات غير القانونية عبر الحدود، أو حتى التوترات الأمنية الناتجة عن غياب دولة مركزية مستقرة. لذلك، فإن أيّ خطوة نحو التعافي في الداخل السوري — وعلى رأسها رفع العقوبات الاقتصادية — لا تعني فقط مصلحة للسوريين، بل تُمثّل مصلحة مباشرة للدول المحيطة.
أوّل المتأثرين هي الدول المستضيفة للاجئين، مثل لبنان، والأردن، وتركيا، حيث فاقم الوجود السوري أزمات هذه البلدان الاقتصادية والبنيوية، وإن تحسّن الاقتصاد السوري يعني عودة تدريجية لبعض اللاجئين، وتخفيف العبء عن الخدمات العامة والبنى التحتية في هذه الدول، ما يعزّز استقرارها الاجتماعي ويُقلّل من التوترات بين المواطنين والمجتمعات المضيفة.
كذلك، فإن الانتعاش الاقتصادي يُقلّل من الانخراط في الأنشطة غير المشروعة مثل تهريب البشر، والمخدرات، والأسلحة، وهي ظواهر نشطت بفعل انهيار الاقتصاد السوري. فحين تتوفر فرص العمل داخل سوريا، ينخفض الحافز لدى الشباب السوري للانخراط في هذه النشاطات، ما ينعكس إيجاباً على أمن دول الجوار.
فضلاً عن ذلك، فإن استقرار سوريا يُقلّل من احتمالات اشتعال النزاعات الحدودية، ويفتح المجال أمام شراكات اقتصادية مستقبلية في مجالات الطاقة، والنقل، وإعادة الإعمار، وهو ما قد يتحوّل إلى عنصر توحيد إقليمي بدلاً من التنازع والتوتر. وبهذا المعنى، فإن رفع العقوبات لا يُقرأ فقط كملف داخلي سوري، بل كعامل استقرار استراتيجي للمنطقة بأسرها.
المصالح المشتركة: لماذا يجب أن تدعم الدول الإقليمية والدولية رفع العقوبات؟
في عالم تحكمه المصالح، لا يمكن النظر إلى رفع العقوبات عن سوريا باعتباره مجرد مطلب إنساني أو وطني، بل هو أيضاً ورقة رابحة تصب في مصلحة الدول الإقليمية والدولية التي تفرض هذه العقوبات، خاصة تلك التي تنادي بالاستقرار في الشرق الأوسط، أو تعاني من تداعيات استمرار الحرب في سوريا على أراضيها؛ حيث إن فتح الباب أمام تخفيف العقوبات يمكن أن يشكّل نقطة التقاء واقعية بين مصالح مختلف الأطراف.
فعلى مستوى دول الجوار واللجوء، مثل لبنان، والأردن، والعراق، وتركيا، والاتحاد الأوروبي، يشكّل تعافي الاقتصاد السوري فرصة لتقليل الضغوط الداخلية الناتجة عن اللجوء، واستعادة التبادل التجاري الذي تضرّر بشدة خلال السنوات الماضية. كما أن خفض التوترات على الحدود السورية، وتراجع معدلات التهريب والهجرة غير الشرعية، يعزّز من استقرار هذه الدول، ويوفّر أجواء أكثر أمناً لنموّها الاقتصادي.
أما بالنسبة للقوى الدولية، فرفع العقوبات يُتيح لها الدخول مجدداً إلى السوق السورية بشروط جديدة، ويمنحها دوراً في مسار إعادة الإعمار. كما أن تحقيق الاستقرار في سوريا يُقلّل من احتمالات تمدّد انتشار داعش، ويُضعف البيئة التي تُنتج الإرهاب العابر للحدود، ما يصبّ مباشرة في مصلحة الأمن القومي لها.
بالتالي، فإن مقاربة رفع العقوبات لا ينبغي أن تُفهَم كتنازل سياسي، بل كصفقة متوازنة تعود بالنفع على الجميع: على سوريا المنهكة، وعلى جيرانها المرهقين، وعلى المجتمع الدولي الباحث عن مخرج دائم من واحدة من أعقد أزمات القرن.
بشكل عام، تقف سوريا اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة بناء ذاتها، ليس فقط من خلال الحلول السياسية أو العسكرية، بل عبر تحريك العجلة الاقتصادية وتخفيف الأعباء اليومية عن كاهل شعبها؛ حيث إن رفع العقوبات، أو حتى إعادة النظر الجدية فيها، يمكن أن يكون مفتاحاً حقيقياً نحو تحسين الظروف المعيشية، واستعادة الأمل المفقود، وتعزيز الاستقرار الداخلي، وهو ما ينعكس بدوره على السلم الأهلي ويمتدّ أثره إلى الإقليم بأسره.
الواقع أثبت أن الضغط الاقتصادي المطوّل لا يؤدّي بالضرورة إلى التغيير السياسي المرجو، بل غالباً ما ينتج عنه مجتمعات مفككة، ناقمة، غارقة في الفقر والتوتر، بينما يفتح التعافي الاقتصادي الباب أمام إصلاحات أعمق، ويمنح المجتمعات الأدوات لتجاوز الجراح والانقسامات. من هنا، فإن رفع العقوبات لا يجب أن يُنظر إليه كجائزة تُمنح أو تُمنع وفق الحسابات السياسية الضيقة، بل كخطوة عقلانية تصبّ في صالح السلام والاستقرار المشترك، وتخدم مصالح شعوب المنطقة والدول الكبرى على حدّ سواء.
إن الوقت قد حان لتحويل صفحة العقوبات إلى فرصة للمصالحة والتنمية، فالسلم الأهلي لا يُبنى على الجوع، ولا يُحمى وسط الخراب، بل يبدأ من تمكين الناس ومنحهم القدرة على الحياة بكرامة في وطنهم.