تحولات الجماعة الجولانية

تاريخ النشر: 30.09.2019 | 00:09 دمشق

تغري عوامل عديدة بالنظر إلى سلسلة «جبهة النصرة» و«جبهة فتح الشام» و«هيئة تحرير الشام» بوصفها تنظيماً واحداً يغيّر جلده كل مرة في محاولة تهرّب فاشلة من التصنيف الدولي بالإرهاب. والحق أن هذه الفكرة واردة خصوصاً حين تحولت «النصرة» إلى «فتح الشام»، عندما أعلن أبو محمد الجولاني، قائد الجماعة، مجرد إلغاء العمل بالاسم الأول واعتماد الثاني في تموز 2016. صحيح أن ذلك تلازم مع فك الارتباط عن تنظيم «القاعدة»، لكن كثيرين شككوا في هذا الأمر، وما زالوا يشككون فيه رغم ثبوته بمرور السنين وبروز الخلاف بين التنظيمين في أكثر من تسجيل للظواهري. فضلاً عن أن إطلاق وصف الإرهاب ليس مرتبطاً بالصلة العضوية بالقاعدة حصراً، بل بتبني نهج قالت «فتح الشام»، وقتها، إنها ستحافظ على السير عليه.

أما أمر «هيئة تحرير الشام» فمختلف. إذ لم تكن مجرد تغيير في اسم التنظيم الذي بقي في المرة السابقة هو نفسه، بقياداته وقواعده وفكره، بعد أن ثبت أن ذلك لم يفِد في شيء. ولهذا حفلت الأشهر التي سبقت قيام «الهيئة»، في كانون الثاني 2017، بتحركات محمومة ونقاشات طويلة ومضنية عن «توحيد الساحة». فقد كانت تلك خطوة الجولاني التالية لمزج مياهه بمياه الآخرين، أملاً في أن يكون ذلك طريق نجاة معقولة من التصنيف، متخلياً عن الإمارة العامة ومكتفياً بمنصب القائد العسكري، في توارٍ ضروري ريثما تختلط الأوراق.

وبذلك لم تكن «الهيئة» مجرد نسخة جديدة عن «النصرة» كما يحلو للتحليل السهل أن يرى، خصوصاً بعدما غامت صورة تشكلها في خضم الأحداث الكثيرة اللاحقة

وبذلك لم تكن «الهيئة» مجرد نسخة جديدة عن «النصرة» كما يحلو للتحليل السهل أن يرى، خصوصاً بعدما غامت صورة تشكلها في خضم الأحداث الكثيرة اللاحقة. فقد كان التنظيم الجديد حصيلة اتحاد مجموعة من الفصائل الجهادية والإسلامية والقريبة من تكوين الجيش الحر، وانضمام مشايخ كانوا قد حافظوا على استقلاليتهم في السابق منتظرين قيام جماعة جامعة كما بدا الأمر وقتها. غير أن الوعود البراقة لتشكل «الهيئة» أخذت تتلاشى بالتدريج لصالح إمساك عصب «فتح الشام» بها، مُزيحاً، دون أن يقصد، وبحكم عوامل القوة والتماسك الذاتيين، كتلاً وأشخاصاً رمزيين، مما أتاح، مجدداً، إمكانية النظر إلى «الهيئة» وكأنها أحدث طبعات «النصرة».

غير أن هذا مجرد وجه واحد للحقيقة، رغم صحته. ذلك أن الكتل التي انضوت تحت مظلة «الهيئة» لم تترك وراءها، عند خروجها، سلاحها الثقيل فقط، كما يقتضي الميثاق، بل قطاعاً من عناصرها وكوادرها الذين فضّلوا البقاء حيث صاروا. كما أن عدداً من مقاتلي هذه الفصائل، وسواها، التي حاربتها «الهيئة» لاحقاً وسيطرت على مناطق نفوذها وسلاحها ومواردها و«فككتها»، انضموا إلى التنظيم المنتصر خوفاً أو طمعاً أو للاستمرار في قتال النظام أو لمجرد الحصول على دخل في ظل اقتصاد الحرب.

ومن جهة أخرى لم تمر «النصرة» بهذه التحولات، من البيعة والاندماج والانفكاكات والمعارك المختلفة والتغير السياسي المرافق في الخطاب، دون أن يتأثر عنصرها البشري من القمة إلى القاعدة. فقد تخلى الكثيرون عن عضويتها لصالح «الاعتزال»، نتيجة خلافات أيديولوجية أو إدارية أو اضطراب في سلامة الرؤية والحفاظ على «المنهج». فيما أسس قياديون جهاديون منشقون عنها تراكمياً، في أطوارها المتعددة، حركة «حراس الدين»، في شباط 2018، لتكون الفرع الرسمي الصغير لتنظيم «القاعدة» في سوريا. أما الكتل المتبقية من أشلاء تنظيم «جند الأقصى»، التي اضطرت إلى الاحتماء بعباءة «فتح الشام» عندما أجمعت الفصائل على اجتثاث «الجند»، في تشرين الأول 2016، فقد خرجت الآن وأعادت تنظيم نفسها في حركة «أنصار التوحيد».

تطرح موجة «الانشقاقات» الجديدة هذه عن «الهيئة» صورة الجولاني بشكل أوضح على العلن، كمستبد يريد الإمساك بكل المفاصل الفاعلة بنفسه أو عبر مواليه. ورغم أنها اعتراضات فردية، غير مصحوبة بخروج كتل، إلا أن أثرها المعنوي ليس قليلاً في ظروف صعبة

ما الذي بقي من «جبهة النصرة» إذاً؟ إنه الجولاني بشكل أساسي. هذا الحصر ليس سليماً بالتأكيد، لكن «الجولانيين» هو التعبير الأكثر دقة لوصف مبايعي الرجل الحاليين. يبدو من المثير الاطلاع على سجلات «هيئة تحرير الشام» لمعرفة نسبة أعضائها الجدد وأولئك المستمرين من 2015، وبما أن هذا ليس متاحاً تمكن الإطلالة على أسماء مشتهرة لقادة الصفين الأول والثاني، وقد خرج بعضهم من التنظيم وقُتل آخرون في ظروف مختلفة. ويشير رصدهم وتتبع أحوالهم إلى مراقبة تحولات تصب في سياق تكريس الجولاني كدكتاتور محدود:

  • أولها تراجع الأنداد وزيادة الأتباع. يقدّم القيادي الشريك في تأسيس «النصرة»، المعروف بلقب «صالح حماة» (صاحب حساب «أس الصراع في الشام» على تويتر وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي)، مثالاً صارخاً على ذلك. أما من يقبل التطويع من الشركاء تحت كنف القائد الأوحد فيبقى، كما تردد عن الولاء الذي صار يقدمه شخص محوري من الرعيل الأول مثل «أبو ماريا القحطاني».
  • وثانيها تركّز مجموعة كبيرة من المناصب في أيدي هذه المجموعة من القياديين الموثوق في ولائهم. وهو ما أوضحه بالتفصيل آخر منشقَّين عن «الهيئة»، أو معترضَين على قيادتها بوجه أدق، «أبو العبد أشداء» والمحامي «عصام خطيب».
  • زيادة مركزية العامل المادي على سواه من شؤون التنظيم، بما فيها الجانب العسكري. وهو ما ركزت عليه شهادة «أشداء».
  • تضخم الذراع الأمني للجماعة على حساب الجناح العسكري أيضاً. وهو ما تقوله تسجيلات المحامي.
  • تراجع الوعود الأيديولوجية، جهادية كانت أم إسلامية، لصالح أمر اليوم والبراغماتية غير الشفافة.

تطرح موجة «الانشقاقات» الجديدة هذه عن «الهيئة» صورة الجولاني بشكل أوضح على العلن، كمستبد يريد الإمساك بكل المفاصل الفاعلة بنفسه أو عبر مواليه. ورغم أنها اعتراضات فردية، غير مصحوبة بخروج كتل، إلا أن أثرها المعنوي ليس قليلاً في ظروف صعبة، ولذلك نلحظ أن قيادة «الهيئة» أوعزت لمواليها من الإعلام الموازي بفتح نار التشهير على أسماء كانت تحظى بالتقدير في هذا الوسط، وبطريقة مسفة.

بشكل متكرر يواجه الجولاني اعتراضات شعبية سببها الأساسي توسع «الهيئة» في الجباية ومعاناة السكان تحتها لتأمين متطلبات المعيشة، وخطر وجودها في المناطق، وعسكرياً تخيم حوله أجواء الهزيمة واللوم بعد خسارة ريف حماة الشمالي، وسياسياً عليه أن يواجه اتفاق «سوتشي» عاجلاً أم آجلاً، وهو استحقاق وجودي يقضي بحل «الهيئة» نفسها أو تعرضها لمعركة استئصال تنفذها تركيا والجيش الوطني أو روسيا وقوات النظام.

تمر على الجهادي المغامر أوقات قاسية هذه الأيام، إذاً، لكنه لن يستسلم بسهولة...

بموجب الاتفاق.. قوات النظام تدخل مدينة داعل وتُخلي حاجزاً في درعا البلد
درعا.. ملازم في جيش النظام يهين لؤي العلي رئيس "الأمن العسكري"
تنفيذاً للاتفاق.. النظام يدخل تل شهاب غربي درعا ويفتتح مركزاً "للتسويات"
"الصحة العالمية" توصي بأول علاج وقائي للمرضى المعرضين للخطر من كورونا
منظمة الصحة العالمية: الإصابات والوفيات بكورونا تنخفض عالمياً
10 وفيات و170 إصابة جديدة بفيروس كورونا شمال شرقي سوريا