تحليل الثِّيمات في النُّكتة السِّياسيَّة في سوريا

تاريخ النشر: 15.01.2022 | 06:11 دمشق

إنَّ الكلمة الأولى التي ارتبطت بالثَّورة السُّورية وغيرها من الثَّورات العربيَّة وغير العربيَّة هي كلمة (الحريَّة)، ولا يمكن تجزئة الحريَّة التي يتشوَّق إليها الثَّائرون ضدَّ أنظمتهم الاستبداديَّة الطَّاغية، فالحريَّة غير المشروطة وغير المحدَّدة تُمارس بكلِّيتها ضمن الفضاء السِّياسيِّ وفي الحياة العامَّة. غير أنَّ وجود أجواءٍ من الحريَّة والدِّيمقراطيَّة في دولةٍ ما لا يعني تمتُّع مواطنيها بالنَّقد السِّياسيِّ الحرِّ والمباشر والذي لا يتعرَّض أصحابها فيها للمساءلة والعقاب. هذا في حال وجود مندوحةٍ واسعةٍ للممارسة الحريَّة، أمَّا في حال تداعي الحريَّة أو انعدامها فلا بدَّ أن يلجأ الأفراد أو المؤسسات إلى وسائل أخرى تعوِّض ما يعانون منه من استلابٍ وكبتٍ.

النُّكتة السِّياسيَّة الشَّعبيَّة شفاهيَّةٌ وسريَّةٌ، وهي تنطوي على تواطؤٍ مشتركٍ بين القائل والمستمع على مضمون تلك النُّكتة

وقد لعبت النُّكتة السِّياسيَّة في سوريا وفي ظلِّ حكم الأسدين دوراً مهمَّاً ورائداً، إذ تمَّ توظيف النُّكتة السِّياسيَّة لصالح جهةٍ ضدَّ جهةٍ أخرى، مثل النِّكات بين الدُّول التي غالباً ما تُعملق شجاعة السُّوري وتُظهر حذلقته بصورةٍ طريفةٍ، أو النِّكات التي شاعت عن العلاقة بين حافظ الأسد وأخيه رفعت والتي كانت تشير إلى سيطرة سرايا الدِّفاع التي يقودها رفعت على سائر فصائل الجيش السُّوريِّ، أو عن العلاقة بين بشار وأخيه ماهر والتي تكشف ضعف شخصيَّة بشار مقابل تسلُّط شخصيَّة ماهر، فلا تخفى الغاية المقصودة من وراء هذه النِّكات والتي تتحيَّز لطرفٍ ضدَّ آخر، لما في ذلك من حربٍ نفسيَّةٍ يقودها تكتيكٌ سياسيٌّ مدروسٌ يعمل على تقويض الآخر والقضاء على هيبته السِّياسيَّة.

والنُّكتة السِّياسيَّة الشَّعبيَّة شفاهيَّةٌ وسريَّةٌ، وهي تنطوي على تواطؤٍ مشتركٍ بين القائل والمستمع على مضمون تلك النُّكتة، وتقوم هذه النِّكات بتنفيس الكبت السِّياسيِّ من خلال ممارسة النَّقد على شخصيَّةٍ سياسيَّةٍ أو على قرارٍ سياسيٍّ، من ثمَّ يتمُّ تداولها على نطاقٍ واسع الانتشار، فتنتشر انتشار النَّار في الهشيم، وتحقق فائدتها في نقدها السِّياسي اللَّاذع والذي يخلق حالةً من القلق داخل الأنظمة السِّياسيَّة الدِّيكتاتوريَّة، ممَّا يضخِّم دور الأجهزة الاستخباراتيَّة، على أنَّ ذلك مرهونٌ بقوَّة الثِّيمات التي تحملها النُّكتة، وحدَّتها في تناول القضيَّة التي غالباً ما تكون موضوع السَّاعة، كما هو مرهونٌ بقدرتها على الوصول إلى أكبر عددٍ ممكنٍ من النَّاس. وتبقى النُّكتة الشَّعبيَّة المتداولة مجهولة القائل أكثر أماناً من غيرها من أنواع النِّكات السِّياسيَّة، وذلك لأنَّها وليدة المخيِّلة الشَّعبيَّة التي تحتضنها، وتعمل على إبقائها منتعشةً.

وقد لجأ النِّظام الأسديُّ في عهد حافظ وابنه بشَّار إلى ترويج النُّكتة السِّياسيَّة لتصبح متداولةً على ألسنة النَّاس في الشَّارع، ومن ثمَّ قام بتهميش دور الرَّقابة في العلن، وتفعيل الأجهزة الاستخباراتيَّة في السِّر، لمراقبة المواطنين وملاحقتهم وكمِّ أفواههم وزجِّهم في السُّجون ومحاسبتهم على الحريَّة الزَّائفة التي أوهم بها النِّظام شعبه، وقد حدث ذلك في الدِّراما التِّلفزيونيَّة وفي المسرح، ففي المسرح تمَّ التَّرويج للكثير من النِّكات السَّاخرة من أوضاع سوريا الدَّاخليَّة والخارجيَّة ونجد ذلك في مسرحيَّات دريد لحام في عهد حافظ الأسد (ضيعة تشرين، غربة، كاسك يا وطن...)، ومسرحيات همام حوت في عهد بشَّار الأسد (طاب الموت يا عرب، ضدّ الحكومة، عربي وشويَّة كرامة...)، فقد تمَّ إعطاؤهما الضَّوء الأخضر ليمارسا النَّقد السِّياسيَّ من خلال مسرحهم السَّاخر الذي أضحك المتفرِّجين في الوقت الذي كانت الأقلام تدوِّن للمخابرات أسماء الضَّاحكين، أمَّا في المسلسلات التِّلفزيونيَّة تظهر النُّكتة المبطَّنة بالنَّقد السِّياسيِّ في (سلسلة مرايا) و(سلسلة بقعة ضوء)، ففي لوحات هذين المسلسلين تمَّ تمرير النِّكات السِّياسيَّة والتي لم تَغفل الأجهزة الرَّقابيَّة عنها لتُظهر أخطاء الشَّخصيَّات السِّياسيَّة وتجاوزاتهم من خلال لوحاتٍ فيها سخريةٌ سياسيَّةٌ مطعَّمةٌ بحسٍّ دراميٍّ فكاهيٍّ، ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذه النِّكات لا تسعى إلى تقديم وعيٍ يتجاوز الوعي الشَّعبيِّ، بل تهدف إلى جعل المواطن السُّوريِّ يتعايش مع سلطة الأمر الواقع، وبذلك انتشرت النُّكتة السِّياسيَّة الموظَّفة على شاشات التَّلفزة والفضائيَّات بشكلٍ أكبر من المسرح، ممَّا أتاح للنُّكتة السِّياسيَّة انتشاراً واسعاً استقطب عدداً كبيراً من المشاهدين.

النُّكتة السِّياسيَّة بأشكالها المختلفة كانت نوعاً من التَّنفيس السِّياسيِّ في سوريا، وقد عوَّض وجودها عن غياب الحريَّة والدِّيمقراطيَّة منذ عقودٍ طويلةٍ

ويعدُّ الكاريكاتور السَّاخر واحداً من أشكال النُّكتة السِّياسيَّة، إذ يعمل الكاريكاتور على جذب المتلقِّي بصريَّاً سواء أكان معروضاً على شاشة التِّلفاز أو عن طريق الصُّحف والمجلَّات،  فيحاول المتلقِّي تأويل الثِّيمات الموجودة في الرَّسم كلٌّ حسب ثقافته وفهمه لتلك الثِّيمات، ممَّا يجعل تأويله مفتوحاً على كلِّ الاحتمالات، وقد كان لعلي فرزات رسَّام الكاريكاتور الأكثر شهرةً في سوريا دور مهمّ في نشر الوعي السِّياسيِّ من خلال لوحاته التي عُنيت بالنَّقد السِّياسيِّ عن طريق الرُّسوم المحبَّبة التي لاقت شهرةً واسعةً لدى شريحةٍ كبيرةٍ من السُّوريين، وقد استمرَّت لوحاته الكاريكاتوريَّة ذات الحسِّ الكوميديِّ السَّاخر حتَّى بعد اندلاع الثَّورة السُّورية حاملةً في ثيماتها رموزاً عميقةً ذات دلالاتٍ واسعةٍ تستدعي تركيزاً عالي الدِّقة، وبذلك عمل الكاريكاتور على التَّحريض الفكريِّ من دون أن يقدِّم الحلول للمشكلات التي يطرحها.

وخلاصة القول: إنَّ النُّكتة السِّياسيَّة بأشكالها المختلفة كانت نوعاً من التَّنفيس السِّياسيِّ في سوريا، وقد عوَّض وجودها عن غياب الحريَّة والدِّيمقراطيَّة منذ عقودٍ طويلةٍ، فكانت تلك النِّكات معادلاً موضوعيَّاً للنَّقد السِّياسيِّ للشَّخصيات والمؤسسات والقرارات السِّياسيَّة التي تمَّ تحصينها بالاستبداد والقمع ومصادرة الحريَّات.