كشف تحقيق استقصائي أعدّه برنامج "المهجر" في تلفزيون سوريا تفاصيل قضية احتيال طالت عشرات السوريين المقيمين في ليبيا، بعد تسليمهم جوازات سفرهم إلى أشخاص قدّموا أنفسهم على أنهم ممثلون للجالية السورية ومندوبون عن السفارة السورية في طرابلس.
وبحسب شهادات جمعها فريق البرنامج وقاطع بينها على مدى أسابيع، تسلّم هؤلاء الأشخاص جوازات السفر بذريعة تجديدها أو إصدار وثائق عبور لأصحابها، أو تسجيلهم ضمن رحلات عودة إلى سوريا، إلا أن الجوازات لم تُعَد إلى أصحابها حتى الآن، رغم مرور نحو ثمانية أشهر على تسليم بعضها.
وبدأ التحقيق بعد رصد منشور على وسائل التواصل الاجتماعي كتبه شاب سوري يقيم في ليبيا، ناشد فيه وزارة الخارجية السورية التدخل لمساعدته على استعادة جواز سفره. وتواصل فريق "المهجر" معه، قبل أن يتبين خلال البحث أن عشرات السوريين يروون وقائع متشابهة تتكرر فيها الأسماء والوعود وطريقة جمع الوثائق.
أشخاص ينتحلون صفة ممثلين للسفارة
أفاد المتضررون بأن أشخاصاً عرّفوا عن أنفسهم على أنهم مسؤولون عن شؤون السوريين في ليبيا، ومندوبون عن السفارة السورية في طرابلس، رغم أن السفارة لم تكن قد استأنفت عملها رسمياً حتى وقت إعداد التحقيق.
وطلب هؤلاء من السوريين تسليم جوازاتهم بحجة تجديدها، أو استخراج وثائق عبور لهم، أو إدراج أسمائهم ضمن رحلات "العودة الطوعية" إلى سوريا.
إلا أن الأشهر مضت من دون إعادة الجوازات أو إنجاز المعاملات الموعودة، في حين استمرت الردود التي تلقاها أصحاب الوثائق بين مطالبتهم بالانتظار أياماً إضافية، أو إبلاغهم بأن ملفاتهم موجودة لدى جهات رسمية سورية أو ليبية، من دون تقديم إثباتات واضحة.
وقال أحد المتضررين، ويدعى عبد الرحمن فهد شلبي، إنه سلّم جواز سفره إلى شخص قدّم نفسه بصفته مندوباً مسؤولاً عن شؤون السوريين، بعدما وعده بإتمام إجراءات عودته إلى سوريا خلال نحو 20 يوماً.
وأضاف أن قرابة تسعة أشهر مرّت من دون أن يستعيد جوازه، موضحاً أن الشخص الذي تسلّم الوثيقة كان يطلب منه في كل مرة الانتظار أسبوعاً أو شهراً، قبل أن يطلب منه مراجعة جهاز الجوازات الليبي.
وعندما راجع شلبي الجهة الليبية المعنية، أُبلغ بأن جوازه ليس لديها، وأنه ما يزال لدى الشخص الذي تسلّمه منه، وفق شهادته.
رحلات أُلغيت بعد استعداد العائلات للمغادرة
وروى متضرر آخر، عرّف عن نفسه باسم عبيدة أبو محمد، أنه سلّم جوازه إلى أشخاص قالوا إنهم يمثلون الجالية السورية وينظمون رحلات عودة إلى سوريا.
وبحسب شهادته، طُلب منه ومن آخرين الاستعداد للسفر بعد انتظار دام أشهراً، ما دفع بعضهم إلى ترك أعمالهم وتسليم المنازل التي كانوا يقيمون فيها، لكن قبل الوصول إلى المطار، أُبلغوا بإلغاء الرحلة، قبل أن يكتشفوا لاحقاً أن أشخاصاً آخرين غادروا على متنها.
وأضاف أنهم طالبوا بعد ذلك باستعادة جوازاتهم، إلا أن الشخص الذي تسلّمها أخبرهم بأنها لم تعد بحوزته، من دون توضيح مكان وجودها أو الجهة التي سُلّمت إليها.
وثائق وصور وأرقام هواتف
تمكّن فريق "المهجر" خلال التحقيق من الوصول إلى صور عدد من الأشخاص الذين قدّموا أنفسهم على أنهم ممثلون عن السفارة السورية، إلى جانب أسمائهم وأرقام هواتف بعضهم ومعلومات أخرى مرتبطة بالقضية.
وقرر البرنامج عدم الكشف عن هويات هؤلاء الأشخاص أو عرض صورهم كاملة، وأحال المعلومات والوثائق التي جمعها إلى وزارة الخارجية السورية والجهات المعنية، لمتابعة القضية قانونياً والتحقق من مصير جوازات السفر.
وأشار التحقيق إلى أن الجوازات جُمعت من السوريين بحجج متعددة، شملت تجديدها وإصدار وثائق سفر أو أوراق عبور عبر الأمم المتحدة، إلا أنها لم تعد إلى أصحابها منذ أشهر.
حياة السوريين معلّقة بسبب غياب الوثائق
لم تقتصر تداعيات فقدان جوازات السفر على تعطيل إمكانية مغادرة ليبيا أو العودة إلى سوريا، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية للمتضررين وعائلاتهم.
وأوضح عدد منهم أنهم باتوا عاجزين عن التنقل بحرية بين المدن والمناطق الليبية، خشية توقيفهم عند الحواجز بسبب عدم امتلاكهم وثائق تثبت هوياتهم أو إقامتهم القانونية.
كذلك، تواجه بعض العائلات صعوبات في تسجيل أطفالها في المدارس، وتثبيت الولادات وعقود الزواج والطلاق، واستكمال المعاملات المدنية التي تتطلب مراجعة السفارة السورية أو إبراز جوازات سفر سارية.
وقال عبيدة أبو محمد إن غياب الجواز يجعله عرضة للمساءلة خلال التنقل، مضيفاً أنه حاول تقديم بلاغ إلى أحد مراكز الشرطة، لكنه طُلب منه إبراز جواز سفر وإقامة قبل تسجيل الشكوى، رغم أن موضوع البلاغ يتعلق بفقدان جوازه.
وأفاد متضررون آخرون بأنهم لا يستطيعون مغادرة المناطق التي يقيمون فيها، نظراً إلى وجود حواجز أمنية قد تطالبهم بإبراز أوراقهم الثبوتية، في حين أشاروا إلى أن بعض الخدمات، مثل تسجيل الأطفال في المدارس، باتت مهددة مع اقتراب بدء العام الدراسي.
لماذا لم يتقدم المتضررون ببلاغات؟
أرجع عدد من المتضررين تأخرهم في تقديم شكاوى رسمية إلى السلطات الليبية إلى الخوف من التعرض للتوقيف أو الترحيل، بسبب عدم امتلاكهم جوازات سفر أو إقامات قانونية، كما عبّر بعضهم عن عدم معرفتهم بالإجراءات القانونية الواجب اتباعها أو الجهة التي يتعين عليهم مراجعتها، في ظل تضارب المعلومات بشأن مصير الجوازات والجهة التي تحتفظ بها.
ورفض معظم أصحاب الشكاوى الظهور أمام الكاميرا، خوفاً من تعرضهم لأي أذى أو تهديدات محتملة، في حين وافق آخرون على الإدلاء بشهاداتهم عبر الفيديو أو الاتصال الهاتفي.
وتواصل فريق التحقيق مع محامين وحقوقيين في ليبيا لمعرفة الإجراءات القانونية الممكنة لحماية المتضررين وملاحقة كل من يثبت تورطه في انتحال الصفة أو الاستيلاء على الوثائق.
خبير قانوني: البلاغ يحمي أصحاب الجوازات
من جانبه، قال رئيس مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، طارق لملوم، إن على المتضررين التوجه إلى أقرب مركز شرطة في مناطق إقامتهم وتقديم بلاغ رسمي يتضمن اسم الشخص الذي تسلّم جواز السفر ورقم هاتفه والبيانات المتوفرة عنه.
وأوضح أن محضر البلاغ يمكن أن يشكل وثيقة تحمي المتضرر خلال التنقل أو مراجعة الجهات الرسمية، وتثبت أنه فقد وثيقته نتيجة واقعة أبلغ عنها بصورة قانونية.
واعتبر لملوم أن التأخر في تسجيل البلاغات قد يؤدي إلى تعقيد القضية مستقبلاً، داعياً السوريين إلى عدم تسليم وثائقهم الشخصية إلا إلى جهات رسمية، والتحقق من هوية أي شخص يدّعي تمثيل السفارة أو وزارة الخارجية.
ولفت إلى وجود فوضى في المعلومات المتعلقة بملف عودة السوريين من ليبيا، موضحاً أن بعض الرحلات السابقة نُظمت بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، وليس عبر وسطاء غير معروفين.
وأضاف أن وزارة الخارجية السورية والجهات الرسمية الليبية قادرتان على حسم الملف، في حال جرى التنسيق بينهما لتحديد مكان وجود الجوازات وملاحقة الأشخاص الذين تسلموها من أصحابها.
مطالب بفتح السفارة السورية في ليبيا
طالب المتضررون وزارة الخارجية السورية بالتدخل العاجل لاستعادة جوازاتهم، والتحقيق في هوية الأشخاص الذين قدّموا أنفسهم على أنهم مندوبون رسميون.
ودعوا إلى استئناف عمل السفارة السورية في طرابلس بصورة كاملة، لتقديم الخدمات القنصلية للسوريين المقيمين في ليبيا، ولا سيما إصدار جوازات السفر ووثائق العبور، وتسجيل الأطفال والوقائع المدنية، وتسهيل عودة الراغبين إلى سوريا.
وقال عبد الرحمن شلبي إن فتح السفارة بات ضرورة للسوريين المقيمين في ليبيا، سواء لاستعادة جوازاتهم المفقودة أو استخراج وثائق جديدة، مشيراً إلى أن غياب الأوراق الثبوتية يمنعه من التنقل خارج المنطقة التي يقيم فيها.
التحقيق مستمر
أكد برنامج "المهجر" أن الملف ما يزال مفتوحاً، وأن فريقه توصل خلال التحقيق إلى معلومات وشهادات إضافية تشير إلى شبهات تتعلق بتزوير وثائق عبور، بالتعاون بين أشخاص ومكاتب وساطة يديرها سوريون في ليبيا.
وأوضح البرنامج أنه سيعرض في حلقة لاحقة مزيداً من التفاصيل والوثائق المرتبطة بالقضية، وأنه وضعَ المعلومات التي جمعها أمام وزارة الخارجية السورية والجهات المعنية للتحرك وملاحقة كل من يثبت تورطه، والعمل على إيجاد حلول للسوريين الذين فقدوا وثائقهم وباتت حياتهم معلقة في ليبيا.