سيطرَت "إدارة العمليات العسكرية" على مدينة سلمية في الخامس من كانون الأول 2024، بعد انسحاب قوات النظام المخلوع وميليشياته منها، وقوبل دخول قوات "ردع العدوان" باستقبال حافل من الأهالي، حيث تم إعلان تحريرها من سلطة نظام الأسد. تعد المدينة ذات أهمية على عدة مستويات منها العسكري والسياسي، على الصعيد العسكري يجعلها موقعها بريف حماة الشرقي نقطةَ وصلٍ بين مناطق الوسط والشرق، أما أهميتها السياسية والاجتماعية فهي تأتي باعتبارها مركزا تاريخيا للطائفة الإسماعيلية، ما جعل العيون تراقب الأحداث فيها والمعارك وهي تقترب من حدودها، لذلك كان دخول المدينة اختبارا لانضباط وهوية قوات "ردع العدوان" التي تشكلت من فصائل عسكرية ذات توجهات إسلامية.
قبل سقوط النظام، انقطعت الاتصالات والإنترنت عن المدينة لأيام، وانتشرت الشائعات والمخاوف. اقتصر التواصل مع الأهالي حينها على الاتصالات العادية، واضطر بعضهم إلى الذهاب إلى مناطق في محيط المدينة تصلها تغطية الإنترنت، لنقل الأخبار إلى الصحافة أو إلى ناشطين في الخارج.
"في تلك الظروف، تلقّيت اتصالًا من رقم غريب؛ كان المتصل أخي، وأخبرني أن الرقم يعود لأحد المقاتلين الذي سمح له باستخدام هاتفه للتواصل معي. ذلك الاتصال كان مؤشرا إيجابيا على انضباط المقاتلين وعلاقتهم الوثيقة بالأهالي، فهم جميعا أبناء سوريا من شمالها إلى جنوبها"، يقول أحد الصحفيين لموقع تلفزيون سوريا.
تنسيق على المستوى المحلي والدولي
قبل دخول "قوات ردع العدوان" إلى المدينة، أصدرت غرفة العمليات بيانات وجهتها لأهالي المدينة، وقبل تحريرها جرت اتصالات مع الوجهاء والمعارضة المدنية في المدينة، إضافة إلى المجلس الإسماعيلي الأعلى، رتبت للدخول إلى المدينة من دون قتال، وتقول مصادر خاصة لموقع تلفزيون سوريا إن اتصالات جرت على مستويات دولية وإقليمية أيضا، لتحييد المدينة المعروفة بتنوعها الطائفي عن الأعمال العسكرية.
في 5 كانون الأول وبعد اجتماع بين وفد من قوات "ردع العدوان" ومسؤولين في المجلس الأعلى الإسماعيلي المحلي ووجهاء من المدينة، تم الاتفاق على إنهاء المظاهر المسلحة التابعة للنظام المخلوع وحلّها وتسليم السلاح، وتحييد المدينة عن أي أعمال قتالية، وقالت المصادر حينها إن "أهالي سلمية سيديرون مدينتهم على غرار ما حصل في حلب عقب التحرير ويتكفلون بحمايتها ريثما تتضح التطورات..".
ويروي المحامي المتقاعد ورئيس المجلس الوطني الإسماعيلي السابق تامر المير تامر المعروف بـ "أبوصائب" لموقع تلفزيون سوريا الأجواء التي سادت المدينة قبيل التحرير "قبيل التحرير ساد القلق والترقب في المدينة لأن سير العملية العسكرية لم يكن معروفا بعد لكن الناس كانت متفائلة بالقادم للخلاص من هذا الكابوس (النظام المخلوع)".
ويوضح أن التنسيق جرى بين اللجنة التي تم تشكيلها لاحقا وقوات ردع العدوان، وبدأ الأمر باتصال مباشر معه مةن خلال شباب المدينة المعارضين المقيمين في الخارج ويتابع "تحدثنا بشأن عبور القوات لسلمية، حماة لم تكن محررة حينها، تواصلت مع المجلس الإسماعيلي وسألنا عن وضع ميليشيات الدفاع الوطني لأن الخوف كان منهم، فأخبرنا المجلس بأنهم فروا من المدينة باتجاه طرطوس، تواصلنا مع القوات وقلنا لهم أهلا وسهلا بكم نستقبلكم بكل رحابة صدر وبالورود بشرط عدم حدوث أي تجاوزات فقالوا لنا من المستحيل حدوث ذلك.. هنا شكلنا لجنة مع المجلس من 6 أشخاص واستقبلتهم اللجنة على مداخل سلمية وكان الاستقبال جيدا جدا وعبرت القوات لاحقا إلى حمص".
ويشير إلى أنهم تواصلوا مع أفراد من "الهيئة الإسلامية" قبل تشكيلها، حيث عمل الجميع معا بكافة طوائفهم وانتماءاتهم لتحييد المدينة عن أعمال القتال ودخول قوات ردع العدوان لتحرير المدينة، حيث كان "المير تامر" شخصية توافقية استطاعت بجهود الجميع تحييد "فلول النظام".
من جهته يقول المهندس بسام الجرف وأحد مؤسسي الهيئة الإسلامية في سلمية التي أعلن عنها بعد التحرير "قبل التحرير كان عملنا منظما لكنه كان سريا للغاية لضرورات معروفة وفقدنا خلاله العديد من كوادرنا بين شهيد ومغيب، لذلك لم نكن معروفين لقيادة ردع العدوان والتي كانت تظن المدينة من لون واحد غالبا، لذلك تواصلهم كان مع المجلس الإسماعيلي قبيل التحرير ونحن كان تواصلنا فرديا معهم، ولم يكن لدينا تخوف منهم بل على العكس نحن كنا بانتظارهم وجاهزين للتعاون بشتى السبل وخرجنا لاستقبالهم على أطراف المدينة قبل دخولها بيوم وأعطيناهم الصورة الحقيقة للبلد والمغايرة للصورة التي زرعها النظام السابق بأذهان الجميع، ولاحقا تم اللقاء مع بعض الضباط في المسجد الكبير أول يوم من دخول القوات".
وفور وصول الأمن العام لإدارة المدينة "تم اللقاء معهم في مسجد التوحيد وقدمنا المساعدة لهم في ضبط الوضع العام وبالأخص مؤسسات الدولة وتم توزيع شباب منهم ومن كوادرنا لحماية المنشآت العامة بالمدينة بدءا بالمطحنة والفرن ومركز البحوث غربا وباتجاه المدينة والدوائر فيها وكازيات الدولة سادكوب ومنطقة الصيادة". يقول الجرف.
ويضيف "لم تكن لدينا أية مخاوف من اشتباكات مع ميليشيا النظام بل كنا على ثقة منذ سنوات أن قوات النظام لن تدافع عن سلمية بل قد تستخدمها ورقة ضغط عالمية وأن ميليشيا الدفاع الوطني والتي غالبها من سلمية لن تقاتل باعتبارهم متطوعين لأجل الراتب ليس أكثر وسيفرون عند أول رصاصة وهذا ما حدث".
ويشير إلى أن "سلمية مدينة معارضة للنظام تاريخيا ومظاهرات 2011 المميزة فيها كانت خير دليل على ذلك ولذلك كان استقبال أهلها لقوات الردع بالأهازيج حالة طبيعية وصادقة وتحمل رسالة للجميع أن سلمية ضد الظلم ومع الحق إلا من شذ من شذاذها".
وكان الملفت في المدينة خروج الأهالي لاستقبال القوات العسكرية والاحتفال في الشوارع وحرق كل ما يمت بصلة للنظام المخلوع ورئيسه بشار الأسد وخاصة أمام "شعبة حزب البعث"ومبنى السرايا الحكومي، رغم طلب قوات "الردع" والوجهاء والمجلس الأعلى من الأهالي البقاء في منازلهم. وعقب ذلك في السادس من كانون الأول 2024 خروج مظاهرات جددت مطالبها التي بدأت عام 2011 بإسقاط النظام والتوجه إلى دمشق.
وفي 16 من كانون الأول الفائت، شهدت مدينة سلمية إقبالا كبيرا من قبل عناصر النظام المخلوع والمدنيين على تسليم سلاحهم، امتثالاً للتعميم الصادر عن إدارة العمليات العسكرية.
وزارة الدفاع السورية: هدفنا كان إسقاط النظام
وبشأن تلك المرحلة قالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية لموقع تلفزيون سوريا، "تقع مدينة سلمية في قلب سوريا تقريبًا، مما يجعلها نقطة وصلٍ بين مناطق الوسط والشرق، وبالتالي موقعًا جغرافيا استراتيجيا لأي عمليات عسكرية. من جهة أخرى، تحتوي على تنوّع اجتماعي وتضم مكونات متعددة".
وأوضحت "مدينة سلمية هي أولا وأخيرا مدينة سوريّة، والمجلسُ الإسماعيلي الأعلى وباقي مكونات شعبها هم أبناء هذا الوطن، حالهم كحال أي مواطنٍ في أي بقعة على جغرافيا الأرض السورية. ولم يكن التعامل معها إلا ضمن نفس سياستنا في التعامل مع أي مدينة أخرى أو أي طائفة أخرى".
وتابعت الإدارة "فمنذ بدء عملية ردع العدوان أطلقنا نداءاتٍ للشعب السوري بكل طوائفه ومكوناته أننا لسنا دعاة ثأر ولا قتل، بل نحن أصحاب حق، وهدفنا هو إسقاط النظام المجرم وتحقيق العدالة والحرية لكامل الشعب السوري".
وتشير الإدارة إلى أن الاتفاق على دخول المدينة من دون قتال وتحييدها عن العمل العسكري، لم يكن يشكل هدفا سياسيا أو رسالة سياسية مباشرة وتضيف "قد يراها البعض رسالة، ولكننا لا نراها كذلك، بل هي منهجنا وخطّ سيرنا منذ بداية العملية. فالمتتبع لمجريات العملية يرى بوضوح كيف تعاملنا مع جيش النظام البائد الذي ألقى السلاح ولم يقاتل وكذلك الأمر تم في مدينة سلمية، حيث أعلنّا أن القانون هو سيدُ الموقف والقرار، وهو فوق الجميع، وهو من سيتولى محاسبةَ من تلطخت أيديهم بالدماء، دون أي عمليات ثأرٍ أو انتقامٍ من قواتنا أو غيرها، وبضماناتنا كجيش يحمي شعبه، وعلى هذا دخلنا المدينة".
وختمت الإدارة بالقول "قوات ردع العدوان هي اليوم نواة الجيش السوري الجديد وعاموده الفقري. وكما أسلفنا، فنهجنا واضح وهدفنا واضح. نحن موجودون لحماية أهلنا وشعبنا، ومستعدون للتضحية بدمائنا لحماية أي مواطنٍ سوري من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب، لينعم وطنُنا وشعبُنا بالأمان والطمأنينة بعد ما عاشه من سنين الحرب. ويكون هدفنا جميعا، جيشا وشعبا ومؤسسات دولة، أن نعمل لنُبني وننهض ببلدنا ونبدأ عصر الاستقرار والازدهار".
تنسيق وتواصل مع قوات "ردع العدوان"
حافظت المؤسسات الإسماعيلية في المنطقة على تنسيق وثيق مع قوات "ردع العدوان" منذ بداية تقدمها من شمالي سوريا في بداية كانون الأول 2024، حيث بدأ التواصل معهم بشكل رسمي في 3 من كانون الأول . وفق ما يقول مأمون الخطيب عضو المجلس الإسماعيلي في سلمية لموقع تلفزيون سوريا.
ويضيف أنه بتوجيه من "المجلس الإسماعيلي الوطني" في سوريا تم تشكيل لجنة تنسيق ومتابعة تمثل المنطقة وتمت الموافقة على التعاون مع قوات "ردع العدوان" حيث توصلت حكومة الإنقاذ السورية آنذاك إلى اتفاق مع المجلس الإسماعيلي يقضي بدخول سلمي وآمن إلى المنطقة بكاملها، وهو كان الخطوة الأولى التي ضمنت أمن المنطقة واستمر تعاوننا معهم بعد سقوط النظام".
ويتابع "يثق الناس بالمجلس الإسماعيلي، لذا اتبعوا رؤيته، وقد وعدتنا إدارة العمليات العسكرية في قوات ردع العدوان بضمان الأمن في منطقة سلمية وريفها بكافة مكوناتها، وفي باقي المناطق التي يتواجد فيها الإسماعيليون مثل مصياف والقدموس والخوابي والمناطق الأخرى".
استقبل سكان المدينة قوات ردع العدوان في 5 من كانون الأول 2024، حيث تركوا بعض العناصر في المدينة و أكملوا طريقهم جنوبا إلى حمص. وكان لمتطوعي المجلس الإسماعيلي والمجتمع المحلي كما يقول "الخطيب" دور كبير في الحفاظ على الأمن وإبلاغ قوات "الأمن العام" بأي تهديدات قد تؤثر على أمن المنطقة والسكان حيث شارك حوالي ألفي متطوع في حماية أحياء المدينة وقراها والمنشآت الحكومية.
ويضيف "في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام، وقعت بعض حالات الخطف ونهب المواشي، خاصة في ريف سلمية. ولكن بعد أن وحدت وزارة الدفاع جميع الفصائل المسلحة وعززت قوات الأمن العام وجودها في المنطقة تحسن الوضع الأمني بشكل جيد حيث أصبحت الأمور أكثر تنظيما تدريجيا، ونجحنا في توزيع المسؤوليات".
"واليوم وبفضل التنسيق القائم بين سكان سلمية والأمن الداخلي الموجود في المنطقة تحسن الوضع الأمني في سلمية إلى حد كبير، لكن لم تخلُ الأمور من الصعوبات لذلك أجرينا المزيد من الحوار معهم للتأكيد على موضوع عدم التدخل في الحريات الشخصية".
وبحسب "الخطيب"، يتم احتواء المشكلات التي تحدث في المدينة من خلال تنسيق على مستوى عالٍ مع الجهات الرسمية وإدارة المنطقة وقوات الأمن الداخلي. "إذ يغلب على مدينة سلمية روح التآزر المجتمعي ونأمل أن يكون نموذج سلمية قابلاً للتطبيق في مناطق أخرى من البلاد لكن الأمر يحتاج إلى جهد ووقت وحوار إضافيين. إنه ببساطة مسألة وقت وقبول ومشاركة".
بعد التحرير.. صوت من الغوطة يجمع الثوار في سلمية
لعبت شخصيات مؤثرة دورا أيضا في السلم الأهلي في مدينة سلمية قبل تحريرها وبعده، من هذه الشخصيات منشد الثورة أبو ماهر صالح، الذي سبق قوات "ردع العدوان" إلى مدينة سلمية وعن ذلك يقول لموقع تلفزيون سوريا، إنه دخل إلى مدينة سلمية ليلا من دون تنسيق وكان واثقا من أنها "بلد ثورة" مشيرا إلى أن لديه معارف من أبناء المدينة يقطنون خارجها، ويضيف "دخلت إلى سلمية قبل قوات ردع العدوان بحوالي 3-4 ساعات وعرفت عن نفسي للأهالي وقلت لهم أنا أبو ماهر من الغوطة ونحن إخوة والنظام فرق بيننا، وأنا أعلم أن سلمية لولا الطوق الأمني الذي كان حولها كانت حررت منذ زمن..".
ويضيف "نحن السوريون نؤمن أننا قبل حكم الأسد ونظامه كنا نعيش في (الجنة) الجميع يعرف سلمية ويعرف الغوطة لكن النظام جاء بالطائفية وغذاها وزعم حماية الطوائف، سوريا واحدة بأهلها وناسها وهذا التواصل ضروري ويجب أن يستمر، مثلا في بداية التحرير قمنا بدعوة أهل سلمية إلى إدلب وأهل إدلب إلى سلمية وإلى السويداء وهكذا.. وكنا نرتب لقدوم أهل طرطوس إلى إدلب لكن وقعت الأحداث المؤلمة في آذار..".
وحول تحقيق السلم الأهلي يرى أبو ماهر صالح أنه "يجب أن يتضافر وعي الحكومة السورية مع وعي المجتمعات المحلية إضافة لعمل الشخصيات المؤثرة والثورية والمحبوبة المتوافق عليها والتي حافظت على توازنها خاصة خلال العام الجاري وما وقع فيه من أحداث مؤلمة في الساحل والسويداء، وذلك وعيا وإيمانا منها بأن سوريا للجميع ولن يعمرها سوى أهلها..".

