"تحرير الشام" وواشنطن: تحالف ممكن يعني أن الحرب مستمرة

تاريخ النشر: 17.03.2020 | 23:01 دمشق

لم يحظ الخبر الذي تداولته بعض وسائل الإعلام مطلع هذا الاسبوع، والذي تحدث عن إلقاء "هيئة تحرير الشام" القبض على زعيم تنظيم "الدولة" الجديد باهتمام كبير، إذ كان واضحاً عدم جدية هذا الخبر بما فيه الكفاية.

إلا أن تسريب مثل هذا الخبر من قبل الهيئة، يأتي ضمن سياسة (لفت الانتباه)، التي تريد من خلالها التأكيد مجدداً للدول الفاعلة في القضية السورية على أهمية وجود واستمرار التنظيم.

وكما تمت الإشارة في المقال السابق، فإنه وعلى عكس ما يرى الكثيرون في أن التطورات الأخيرة تضع "هيئة تحرير الشام" أمام تحد خطير قد يعني اقتراب نهايتها، فإن قادة التنظيم، غالبا ما، يرون في هذه التطورات (فرصاً)، مع عدم التقليل طبعاً من المخاطر.

فعلى الرغم من تصنيفها على لوائح المنظمات الإرهابية، ورغم أن تفكيكها يأتي على رأس قائمة المطالب الروسية ضمن اتفاقاتها الموقعة مع الجانب التركي حول منطقة إدلب، إلا أن قادة "تحرير الشام" يرون أن استمرار وجودها يعتبر مهماً في الوقت نفسها بالنسبة للكثير من الأطراف، وهي تحاول الاستفادة من ذلك بكل تأكيد.

فبالدرجة الأولى، تعمل الهيئة على التأكيد باستمرار أنها الجهة التي تمتلك اليوم الأرشيف الكامل تقريباً للقوى الجهادية الناشطة في سوريا، وأنه بات في يدها ضمان كبح جموح هذه القوى، وأن على العالم أن يعترف بها ويتعاون معها كطرف لا غنى عنه في هذا الملف.

كما أنها تدرك أن تركيا ليست بوارد استعداء الهيئة وإضافة تهديد جديد لأمنها المهدد أصلاً من قبل جماعات مختلفة، كحزب العمال الكردستاني وتنظيم "الدولة"، وبالتالي فإن أنقرة لن تكون مستعدة لاستعداء طرف آخر من أجل إرضاء موسكو، التي أثبتت باستمرار عدم امكانية الثقة بها، في الملف السوري على الأقل.

بل إن قادة "تحرير الشام" لا زالوا يعتقدون غالباً بأن تركيا يمكن في النهاية أن تقبل بالتنظيم كحليف لها، في حال أرادت أنقرة فعلاً تطبيق سياسة إيران بالاعتماد على أذرع لها في المنطقة، خاصة وأن الهيئة تغيرت بشكل كبير عما كانت عليه منذ التأسيس باسم (جبهة النصرة) إلى اليوم.

بل إن الجولاني وفريقه الذي يقود الهيئة حالياً يبدو أكثر تفاؤلاً بإمكانية أن تتخلى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها عن تصنيف التنظيم كعدو، وأن تقتنع فعلاً بإمكانية التعاون أو التحالف معه ضد الروس في سوريا، خاصة وأنه لم يصدر عن الهيئة أي اعتداء على مصالح الولايات المتحدة أو الغرب وأن نشاطاتها ظلت محصورة في سوريا.

وفي هذا السياق يمكن اعتبار زيارة وفد أمريكي إلى معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا والذي تسيطر عليه "هيئة تحرير الشام" مطلع الشهر الماضي (للوقوف على الوضع الإنساني للنازحين) وكذلك اللقاء الذي أجراه قبل ذلك أبو محمد الجولاني مع (مجموعة الأزمات) وهو مركز دراسات ممول من الاتحاد الأوروبي، والتصريحات التي صدرت عنه في هذا اللقاء، يمكن اعتبارها مؤشرات قوية في هذا الاتجاه.

ولا أدل على قوة هذه المؤشرات من تصريح المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري قبل عدة أيام، والتي اعتبر فيه أن "هيئة تحرير الشام" جماعة تعبر عن نفسها بأنها قوة معارضة وطنية تضم مقاتلين وليس إرهابيين.. وعلى الرغم من تعقيبه بأن "واشنطن لم تقبل بعد بهذا التوصيف الجديد" إلا أن ما سبق له دلالاته القوية حتماً.

كل ذلك لا يمكن إلا أن يعيدنا إلى تصريح سابق للواء اسماعيل حقي رئيس جهاز الاستخبارات التركي السابق الذي كان قد أكد وجود اتصالات بين الهيئة والولايات المتحدة، وأن اجتماعات عقدت بينهما بالفعل، وأن واشنطن تريد استخدام ورقة تحرير الشام ضد روسيا.

من الناحية الإيديولوجية لا تجد قيادة الهيئة حرجاً كبيراً في أن تعقد مثل هذا النوع من العلاقات، ولديها من الأمثلة التي يمكن أن تقيس عليها ما يكفي لإسكات المعترضين داخل التيار السلفي الجهادي، هذا إذا كانت بالفعل ما تزال معنية بمواقف التيار.

فالدعم والتسليح الأميركي الذي حظيت به الجماعات الجهادية في أفغانستان إبان حقبة الاحتلال السوفياتي، والتحالف الكامل لهذه الجماعات مع باكستان، يعتبران قياساً كافياً بالنسبة لتحرير الشام من أجل شرعنة أي تعاون مع واشنطن، ومن باب أولى أي تحالف ممكن مع تركيا في حال قبلت هاتين الدولتين بذلك.

كما أن اتفاق السلام الذي وقعته حركة طالبان مؤخراً مع الولايات المتحدة، سيعتبر سنداً إضافياً بالنسبة للهيئة في سلوكها هذا الطريق، الذي تعتقد في النهاية بأنه سيكون مرحباً به من القوى السورية المعارضة ومن الحاضنة الشعبية للثورة، بما يكفي للاستغناء عن أي حاجة للتيار الجهادي.

تعتمد "هيئة تحرير الشام" في مقاربتها للفرص والتحديات التي تنتظرها إذن على الورقتين الأمنية والعسكرية، وهما الورقتان اللتان ما تزالان الأقوى حضوراً والأكثر أهمية بالنسبة للدول الفاعلة في المسألة السورية، وهو مؤشر قوي على أن الهيئة تعي أن فرص الانتقال إلى المسار السياسي لإنجاز حل للصراع ما تزال ضعيفة، على عكس ما يعتقد الكثيرون من أن نجاح وقف إطلاق النار في إدلب سيكون المحطة الأخيرة قبل الانتقال إلى مفاوضات الحل الدبلوماسي، الذي يعني، ضمن ما يعنيه، تفكيك الجماعات المصنفة على لوائح الارهاب، وفي مقدمتها "هيئة تحرير الشام"، سواء بالقوة أو بالإقناع.

درعا.. ملازم في جيش النظام يهين لؤي العلي رئيس "الأمن العسكري"
تنفيذاً للاتفاق.. النظام يدخل تل شهاب غربي درعا ويفتتح مركزاً "للتسويات"
مع تسارع التطبيع.. هل ينجح الأردن في إعادة تعويم الأسد؟
كورونا.. بايدن يعلن تقديم 500 مليون جرعة لقاح للدول النامية
للسنة الثانية على التوالي.. كورونا يعيق تنظيم توزيع جوائز نوبل
كورونا.. زيادة الإصابات تدفع مشافي اللاذقية لخطة الطوارئ