"تحرير الشام" وحصر مهمة "تجديد الخطاب الديني" في أوقاف حكومة الإنقاذ

تاريخ النشر: 07.01.2022 | 08:52 دمشق

بعد هيمنتها الكاملة على القطاع الديني في إدلب وبدعم من "هيئة تحرير الشام" منذ بداية العام 2021، بدأت "وزارة الأوقاف والدعوة والإرشاد" التابعة لـ "حكومة الإنقاذ" مرحلة جديدة طورت معها الخطاب الديني وفق الرؤية المستجدة لـ "تحرير الشام"، مستقطبة وجوهاً دينية وشرعية جديدة. كما عملت على تكثيف أنشطتها في مختلف المجالات، كالعمل الدعوي والتعليم الشرعي والتوسع في بناء المساجد والمعاهد والثانويات الشرعية.

وسخرت أوقاف الإنقاذ إمكانات هائلة لإنجاز الخطة المفترضة مستفيدة من العوائد المالية التي تدرها أملاك الوقف من محال وأراض وعقارات، كما استفادت من الهبات والمساعدات التي تقدمها عادة المنظمات والجمعيات الدينية المحلية والخارجية التي تدفقت بشكل أكبر خلال العام 2021، بالإضافة إلى قنوات الدعم الأخرى ومن بينها خزينة تحرير الشام التي بدا أنها تضع دعم القطاع الديني على قائمة أولوياتها باعتباره المرآة التي من المفترض أن تعكس تحولها الأيديولوجي الذي جرى ضمن سياق التحولات البراغماتية التي انتهجتها الهيئة خلال السنوات الثلاثة الماضية.

الأوقاف تفخر بإنجازاتها

بدأت معظم الوزارات التابعة لـ حكومة الإنقاذ في إدلب الترويج للأعمال والمشاريع التي أنجزتها خلال العام 2021، وذلك بالتزامن مع تسلم التشكيلة الوزارية الجديدة لأعمالها برئاسة "علي كدة" مرة أخرى بعد أن اختاره مجلس الشورى العام للبقاء في منصبه، وكان لوزارة الأوقاف النصيب الأكبر من الإنجازات التي روجت لها منتصف شهر كانون الأول الحالي.

يتبع لوزارة الأوقاف في حكومة الإنقاذ 13 دائرة ما بين دائرة فرعية وأخرى مركزية، وأهمها دائرة الدعوة والإرشاد التي نظمت خمس حملات دعوية في معظم الجوامع والمساجد في إدلب ومحيطها وفي المخيمات، وشملت تنظيم مسابقات واستقطبت أكثر من 100 ألف مشارك، وتحولت المساجد لنقاط جذب بعد أن اتبعت الدائرة سياسة تحفيزية، واستخدمت في كثير من الأحيان الوسائل التقنية كشاشات العرض وعرض تسجيلات دينية ودروس ومحاضرات شرعية في المساجد.

ولم يعد مستغرباً أن ترى دراجة نارية أو غسالة موضوعة في صدر المسجد كجوائز تنتظر أسماء الرابحين في المسابقات التي تقام دورياً، وكانت الحملة الدعوية الأخيرة باسم "منازل الأبرار". يمكن القول إن العمل الدعوي بات أكثر تنظيماً وفي سياق مخطط له مسبقاً بعد أن كان عشوائياً وتقوم به جهات مختلفة في غالبها قوى أيديولوجية وعسكرية (جهادية)، كما أن الدعوة تركزت في المساجد بدلاً من الساحات العامة والطرق، ولم يعد يسمع صوت دعاة (الجهاد) والتجنيد كما السابق.

أما دائرة شؤون المساجد فتتولى إجراء الدورات التدريبية والتطويرية لأئمة وخطباء المساجد، وبلغ عدد الدورات التي نظمتها الدائرة أكثر من 34 دورة موزعة على المديريات الفرعية التابعة للوزارة، ويبدو أن الانضمام للدورات إلزامي ولا يمكن للمشايخ والأئمة التخلف عنها وإلا فصلوا من عملهم.

وتشرف دائرة الهندسة التابعة لوزارة الأوقاف على أعمال بناء وترميم المساجد والمعاهد والثانويات الشرعية، وزاد عدد المساجد المبنية والمرممة خلال العام 2021 عن 103 مساجد في إدلب وريفها ومنطقة ريف حلب الغربي، وبنت دائرة الهندسة 14 مركزاً دينياً خلال الفترة ذاتها، وهناك مسجدان قد بدء العمل ببنائهما مؤخراً. وتنفذ دائرة الهندسة أيضاَ المشاريع التنموية/ الربحية التي تعود بالمال على الوزارة والتي يتم إنشاؤها على أملاك الوقف.

وبدوره، تفقد رئيس دائرة الهندسة في الوزارة "مصطفى حاج قدور" عمل ورشات البناء في مسجد زيد بن حارثة بالحي الشمالي من مدينة إدلب وبدأت بالفعل أولى مراحل العمل البيتوني، وتفقد حاج قدور أعمال البناء في مسجد محمد علي ونظيفة يمان في معرة مصرين الواقع قرب طريق إدلب- باب الهوى والذي تجاوزت مساحته 600 متر مربع، فيما يتسع لأكثر من ألف مصلٍ، وتسلم حاج قدور مركزين لتحفيظ القرآن بنتهما جمعية شام الخير في مخيم الهبيط في ريف إدلب.

 

 

يتبع للوزارة أيضاً دائرة التعليم الشرعي التي تدير عمل 8 ثانويات شرعية و12 معهداً موزعة في أنحاء إدلب، وشهدت الدائرة توسعاً كبيراً خلال العام 2021، وذلك من ناحية الزيادة في عدد وانتشار المراكز الدينية، ويدرس في المعاهد أكثر من 700 طالب وطالبة، وفي الثانويات يزيد العدد على 1400 طالب وطالب علم شرعي، وتتولى دائرة الحلقات تنظيم أنشطة تحفيظ القرآن في المساجد للإناث والذكور، وتجاوز عدد نقاط التحفيظ والدروس الشرعية التي تنظمها دائرة الحلقات الـ2000 نقطة، ويستفيد منها قرابة 40 ألف طالب وطالبة.

مساعٍ لزيادة النشاط والتوسع

استقطبت أوقاف الإنقاذ في إدلب آلاف العاملين والعاملات في القطاع الديني بمختلف مجالاته، وخلق توسع الأوقاف فرص عمل جديدة للكثيرين، وبدا الخطاب الديني والتوجه المستجد للأنشطة وتنوعها يحاكي طبيعة المجتمع المحلي وشكل تدينه، وجذبت الأنشطة الدعوة والمسابقات التحفيزية والأنشطة الترفيهية ككرة القدم لأسر المساجد الآلاف ومن مختلف الأعمار إلى المساجد.

لا يقل العمل الديني النسائي أهمية عن ذاك الموجه للرجال، حيث تولي الأوقاف اهتماماً خاصاً بمكتب الدعوة النسائي الذي بدا في أوج نشاطه خلال العام 2021، وخصصت الأوقاف لأنشطة المكتب، الدعوية والإرشادية وتعليم القرآن والدروس والمحاضرات أوقات محددة في عموم مساجد إدلب ومحيطها.

يفيد مدير الشؤون الإدارية في وزارة الأوقاف والدعوة والإرشاد عبدو حسين العبدو في حديثه لـ موقع تلفزيون سوريا بأن " وزارة الأوقاف باتت تتبع خطة عمل منظمة تقوم بتنفيذها 13 دائرة ما بين مديرياتها الفرعية والمركزية، أما بالنسبة للإشراف على المشاريع وتنفيذها فيكون من خلال الدعم المقدم من جمعيات ومنظمات، أو من مال الوقف الذي يجبى في مناطق المحررة أو من متبرعين من أصحاب الخير".

وحول الخطط المستقبلية لوزارة الأوقاف، ومدى الانفتاح على التيارات والقوى الدينية المحلية الأخرى وإشراكها في العمل الديني والدعوي، يقول العبدو: "نطمح للتنمية والتطوير في الخطة القادمة، تنمية مال الوقف وتنمية مستوى الأئمة والخطباء، وبالنسبة للجهات الدعوية أو الشخصيات العلمية الموجودة في المحرر فنحرص كل الحرص على إشراكها جميعا دون الوقوف على مسمى أو تصنيف".

يزيد عدد موظفي أوقاف الإنقاذ على 100 موظف إداري، أما العاملون في مختلف المجالات فعددهم يتجاوز 2000 موظف، الخطباء والأئمة والمدرسين في الثانويات الشرعية والمعاهد يقول العبدو "العمل على زيادة أجور العاملين في وزارة الأوقاف هو الهاجس الأكبر والمستمر، ومن ضمن خطة الوزارة الحالية".

وحول أداء الوزارة ومدى تفاعل المجتمع المحلي مع الأنشطة والخطاب المستجد يوضح العبدو بأنه "في الآونة الأخيرة نرى تجاوباً من المجتمع المحلي ومن العاملين معنا في مجال المساجد وأيضا نأخذ بعين الاعتبار الانتقادات الموجهة لوزارة الأوقاف او لعمل وزارة الأوقاف".

ويبرز اسم جمعية منارات الهدى كواحدة من أهم الجمعيات المرخصة من وزارة أوقاف الإنقاذ والتي تعمل في القطاع الديني، ولديها نشاط متنوع، دعوي وتعليمي وترفيهي، ويبدو أن دعمها المالي كبير وكادرها أيضاَ، والقائمين عليها مقربون من قادة بارزين في تحرير الشام أمثال "مظهر الويس" و"عبد الرحيم عطون".

تمكين قبضة الهيئة على الأنشطة الدينية

نجاح هيئة تحرير الشام المفترض بتمكين وزارة الأوقاف وهيمنتها على كامل المشهد الديني في إدلب؛ منع ظهور أنشطة تخالف توجهات الهيئة وخطابها المستجد، ولم يعد باستطاعة (الجهاديين) المناهضين لـ تحرير الشام الصعود على المنابر أو تنفيذ أي نشاط من دون رخصة من دوائر الوزارة المسؤولة. وبدت قبضة الوزارة المحكمة في العديد من المواضع، مثال على ذلك مضامين خطبة الجمعة التي تم توظيفها لصالح دعم سلطات الإنقاذ وتقوية نفوذها، كذلك عودة بعض الجهاديين المنشقين سابقاً عن تحرير الشام، إلى العمل الدعوي تحت مظلة أوقاف الإنقاذ وبرخصة منها، كما حصل مع الجهادي السعودي مصلح العلياني الذي ألقى محاضرة في إدلب مؤخراً.

يحسب لأوقاف الإنقاذ سيطرتها على الأملاك الوقفية وتسخيرها لتطوير وتوسعة عمل الوزارة في القطاع الديني، وهذه الهيمنة تفتقدها مديريات الأوقاف التابعة للمجالس المحلية في مناطق سيطرة الفصائل بريف حلب، فأملاك الأوقاف من عقارات وأراضٍ في منطقة ريف حلب يتم سلبها وسرقتها جهاراً نهاراً من مقربين ومحسوبين على قادة الفصائل وآخرين في المجالس المحلية، ويتم إنشاء مشاريع تجارية وتبنى المساكن على أراضي الأوقاف من دون أي محاسبة تذكر، ولا تستفيد المديريات في المنطقة من ريعها إلا بجزء قليل وتعتمد في عملها بشكل شبه كامل على الدعم التركي المقدم للقطاع الديني بدءا من رواتب الموظفين ومعلمي القرآن والخطباء والأئمة وصولاً إلى عمليات إكساء وترميم المساجد.

موقف المنشقّين عن الهيئة

يغيظ التوجه المستجد والهيمنة المطلقة لأوقاف الإنقاذ (الجهاديين) المنشقين والمناهضين لتحرير الشام، ويتهمون الأخيرة بالانفتاح المصلحي على تيارات دينية أخرى، كالصوفية والإخوان، والسماح لها بالاشتراك والعمل في القطاع الديني بحرية ومنحهم تراخيص لافتتاح المعاهد والمراكز الدينية في حين يمنع على ممثلي التيار (الجهادي) المتشدد هذه المميزات والتسهيلات، لا بل تتم ملاحقتهم وإخضاع بعضهم لدورات شرعية مكثفة لنزع أفكار التشدد من رؤوسهم كما فعل بعناصر تنظيم "جند الله" الذين استسلموا لتحرير الشام التي هاجمتهم في منطقة جبل التركمان بريف اللاذقية الشمالي قبل شهرين من الآن.