icon
التغطية الحية

تحديات تُعيق تفعيل الأجهزة الرقابية.. هل تتخلص سوريا من المحسوبيات؟

2025.10.08 | 07:21 دمشق

آخر تحديث: 2025.10.08 | 10:38 دمشق

تحديات تواجه تفعيل الأجهزة الرقابية في سوريا.. هل تتخلص سوريا من المحسوبيات؟ (الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ـ تلغرام)
تحديات تواجه تفعيل الأجهزة الرقابية في سوريا.. هل تتخلص سوريا من المحسوبيات؟ (الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ـ تلغرام)
تلفزيون سوريا ـ محمد كساح
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تفعيل الأجهزة الرقابية في سوريا، بما في ذلك إطلاق موقع إلكتروني للهيئة العامة للرقابة والتفتيش، يمثل خطوة إيجابية لمكافحة الفساد، ويتيح قناة تواصل بين المواطن والجهات الرقابية رغم التحديات.

- تتكون الأجهزة الرقابية من الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية، وتهدف لتعزيز الشفافية والنزاهة، وكشفت التحقيقات عن أضرار جسيمة على المال العام، مما أدى لإحالة الملفات للقضاء.

- تواجه الأجهزة تحديات مثل ضعف البيئة التشريعية، ويوصى بتقوية الرقابة الداخلية ودمج الأجهزة تحت إشراف البرلمان، وتحديث التشريعات وتدريب الكوادر لمكافحة الفساد بفعالية.

يُمثّل تفعيل الأجهزة الرقابية في سوريا الجديدة إلى جانب إطلاق موقع إلكتروني رسمي للهيئة العامة للرقابة والتفتيش، خطوة إيجابية نحو القضاء على الفساد الذي راكمه النظام السابق، كما تفتح قناة تواصل مباشرة بين المواطن والجهات الرقابية، بينما ينتظر الأجهزة الرقابية الجديدة ملفات كبيرة لا تخلو من التعقيد وصعوبة في اكتشافها نظراً لحداثة هذه الأجهزة من جهة، وللاستعدادات الكبيرة لدى الفاسدين من جهة أخرى.

وتتشكل الأجهزة الرقابية في سوريا من مؤسستين هما: الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش وهي مؤسسة حكومية مستقلة أسست بهدف تعزيز الشفافية والنزاهة في القطاع الحكومي السوري، تعمل على مراقبة وتفتيش المؤسسات الحكومية لضمان الالتزام بالقوانين والأنظمة المعمول بها، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، وتعزيز الثقة في المؤسسات الحكومية.

إضافة، للجهاز المركزي للرقابة المالية الذي يعد هيئة مستقلة تتبع لرئيس الجمهورية وتمارس مهامها استناداً إلى القانون رقم /64/ لعام 2003 وتعديلاته، ويتألف من إدارات فنية متخصصة في الرقابة على القطاع الإداري، والاقتصادي، وعلى صكوك العاملين، إضافة إلى إدارة متخصصة في الشؤون القانونية والتحقيق، إلى جانب عدد من المديريات المركزية، وفروع في جميع المحافظات السورية.

أبرز القضايا التي تمت ملاحقتها

إلى جانب الأخبار المتعقلة بملفات الفساد، يحوي الموقع الجديد للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش تبويبات عديدة مثل: "تحليل الأداء" التي تُعنى بتقديم تحليل شامل لأداء المؤسسات الحكومية وتقديم تقارير وتوصيات لتحسين الكفاءة والفعالية، و"حماية المال العام" وهي تبويبة تخص ضمان الاستخدام الأمثل للموارد العامة ومنع الهدر والفساد. بينما خصص الموقع تبويبة أخرى لـ"خدمة المواطنين" الهادفة إلى تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وضمان حقوقهم وحماية مصالحهم.

وكانت الهيئة أكدت وقوفها في معرض معالجتها إحدى القضايا النوعية المتعلقة بمخالفات عقد أبرمته إحدى الشركات العامة التابعة لقطاع الجيولوجيا والثروة المعدنية مع إحدى الشركات المحلية لتأهيل عدد من المعامل، على عدد من المخالفات المتعلقة بإجراءات التعاقد وإبرام العقد، ومخالفات أخرى تتعلق بتنفيذه. وأشارت إلى أن مقدار الضرر المالي اللاحق بالأموال العامة نتيجة المخالفة يتجاوز 148 ملياراً ونصف ليرة سورية، (تعادل 13 مليون دولار).

وفي السياق، كشفت التحقيقات الأولية للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عن أضرار جسيمة على المال العام تتجاوز قيمتها 30 مليار ليرة سورية (ما يعادل 2,764,976 دولاراً أميركياً)، وذلك في عدد من القطاعات الحيوية، وقد أُحيلت الملفات إلى القضاء.

ففي قطاع الثروات المعدنية تم الكشف عن مخالفات تعاقدية خلَّفت خسائر بمليارات الليرات السورية، أما في قطاع الطاقة فقد بلغت قيمة الأضرار نحو 25 مليار ليرة سورية (ما يعادل 2,304,147 دولاراً أميركياً)، وفي مجال التموين كشفت الرقابة عن تجاوزات ونقص في المواد الأساسية في أحد المخابز تجاوزت قيمتها 1.8 مليار ليرة سورية (ما يعادل 165,898 دولاراً أميركياً)، وأكثر من 3.9 مليارات ليرة سورية (ما يعادل 359,447 دولاراً أميركياً) في مخبز آخر، وفقاً لما نشرته الهيئة على موقعها الرسمي.

وكان نائب رئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية وسيم المنصور كشف أن تحقيقات الجهاز أظهرت فساداً ممنهجاً ساد قطاعات استراتيجية تمس حياة الناس بشكل مباشر في زمن النظام المخلوع، ترتب عليها آثار مالية تجاوزت وفق التحقيقات الأولية مئات الملايين من الدولارات الأميركية.

ونقلت وكالة سانا الرسمية عن المنصور أن الجهاز المركزي للرقابة المالية تسلم مئات ملفات الفساد التي نجم عنها أضرار جسيمة بالمال العام، وتورط فيها مسؤولون سابقون من حكومة النظام المخلوع، ما استدعى تشكيل ما يزيد على 80 لجنة تحقيق متخصصة في هذه الملفات.

وحول خطة عمل الجهاز في الوقت الراهن، أوضح المنصور أن هناك عدة محاور رئيسة وعلى رأسها تنفيذ خطة الجهاز لعام 2025 الخاصة بتدقيق حسابات الجهات العامة عن سنة 2024 وفق برنامج زمني محدد وأولويات واضحة.

ولفت المنصور إلى أنه تم تشكيل لجنة مختصة لإعادة النظر بالقانون الناظم لعمل الجهاز، بهدف تحديثه بما يتوافق مع متطلبات سوريا الجديدة، ومعايير الحوكمة الرشيدة، والالتزام بالمعايير الدولية، وبما يعزز استقلاليته وفعاليته في مكافحة الفساد وحماية المال العام.

من جانبه، دعا رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في سوريا، عامر العلي، المواطنين السوريين إلى المشاركة في مكافحة الفساد وعدم التستر عليه، وقال العلي في تغريدة على منصة "إكس" إن النظام المخلوع ترك خلفه مؤسسات متهالكة يسودها الفوضى وانعدام العدالة، ينخرها الفساد المالي والإداري، وتفتقر إلى أبسط أسس الحوكمة والنزاهة.

وأكد أن الفساد السياسي يُعد من أخطر أنواعه، وقد "سقط بسقوط النظام الذي صادر حرية السوريين لأكثر من خمسة عقود، عانى خلالها الشعب من التغييب والإقصاء والحرمان".

الرقابة ليست شأناً داخلياً فقط

وحول تفعيل الجهاز الرقابي وأبرز التحديات التي تواجهه، يؤكد الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن الرقابة والتفتيش من الأعمدة الأساسية لأي دولة تسعى نحو ترسيخ الشفافية وسيادة القانون، لا سيّما في مرحلة دقيقة مثل إعادة الإعمار؛ حيث تصبح مؤشرات النزاهة والرقابة عاملاً حاسماً في استقطاب الاستثمارات، وبناء بيئة اقتصادية مستقرة. 

ويضيف خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا أن تعزيز أدوات المحاسبة وتفعيل الأجهزة الرقابية لا يُعد فقط شأناً داخلياً، بل رسالة موجّهة أيضاً للمجتمع الدولي والأسواق الخارجية.

ويتابع أن تفعيل الهيئة العامة للرقابة والتفتيش، إلى جانب إطلاق موقع إلكتروني رسمي يتضمن إمكانية تلقّي الشكاوى، يمثل خطوة إيجابية تفتح قناة تواصل مباشرة بين المواطن والجهات الرقابية، ويرى أنه كلما زادت قدرة الفرد على الإبلاغ والمراقبة، زادت فاعلية المنظومة الرقابية، لا سيَّما إذا تم توفير ضمانات للاستقلالية وسرعة البت بالشكاوى.

ويوضح أن هذا التفعيل يمكن أن يسهم في مكافحة الفساد، إذا ترافق مع بيئة مؤسساتية داعمة، وكوادر مؤهَّلة، وإطار قانوني يضمن الصلاحيات والحصانة للمُبلِّغين والعاملين، أما بقاء الخطوة في إطارها الشكلي أو الإعلامي، فيجعل أثرها محدوداً.

تحديات وعوائق

وفيما يخص حملات مكافحة الفساد، يرى السيد عمر أن من المفترض تطبيقها بشكل شامل على جميع الجهات، سواء مَن ارتبطت أسماؤهم بفترات سابقة أو حالية، ما دامت هناك أدلّة واضحة، ويلفت إلى أن نجاح هذا التوجُّه يعتمد على استقلالية الهيئة ومصداقية تنفيذها من دون انتقائية أو تسييس.

أما آليات المحاسبة، فيوضح أنها تواجه تحديات حقيقية، أبرزها عدم تحديث القوانين وضعف البيئة التشريعية. فالقوانين الحالية قد لا تمنح الهيئة صلاحيات كافية، كما أن غياب الحماية الفعّالة للمُبلّغين قد يعوق التبليغ عن التجاوزات. لذلك، فإن تطوير البنية التشريعية أمر ضروري لدعم عمل الهيئة وتعزيز قدرتها على المتابعة والمساءلة.

وفي هذا الإطار، يُعدّ تحسين موقع أي دولة على "مؤشر مدركات الفساد" (CPI)، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، مؤشراً إيجابيّاً على تطور منظومتها الرقابية. كما يعزز هذا التحسّن ثقة المستثمرين والمنظمات الدولية. وبالنسبة إلى سوريا، فإن تحسين ترتيبها على هذا المؤشر يجب أن يكون هدفاً مرحليّاً، خصوصاً أنها كانت خلال عهد النظام المخلوع في مراتب متأخرة. وبناء عليه، يعتقد السيد عمر أن تحسين هذا التصنيف اليوم يعكس جديَّة الإصلاح، ويُسهم في بناء صورة إيجابية داخلياً وخارجياً.

أما التحديات المتوقَّعة أمام هذه الحملات، فيشير السيد عمر إلى أنها تشمل صعوبة الوصول إلى المعلومات، ونقص الكوادر المتخصصة، ومقاومة بعض مراكز النفوذ، إضافةً إلى الحاجة إلى نشر ثقافة مجتمعية تُشجّع على الإبلاغ دون خوف، وتُعزز من مناخ الشفافية والمساءلة.

في ذات السياق، يرى الخبير الاقتصادي والوزير السابق في الحكومة السورية المؤقتة، عبد الحكيم المصري، أن قضية المحاسبة تشكل ملفاً عسيراً وشائكاً أمام السلطة الحالية نظراً لإقدام المتورطين في قضايا الفساد على اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة حتى لا تنكشف عمليات فسادهم ولمعرفتهم السابقة بإمكانية مراقبتهم ومحاسبتهم، ما يصعب الأمور على هيئة الرقابة والتفتيش خاصة مع حداثة عملها وكثرة ملفات الفساد التي يمكن أن تلاحقها.

وفضلاً عن ذلك، يشير المصري إلى وجود عوائق قد تواجه الأجهزة الرقابية مثل وقوع البعض في فخ المحسوبيات وغياب الكفاءة التكنولوجية لدى البعض الآخر، وعدم توفر عدد كافٍ من الكفاءات والتي يمكن تجنبها بالعمل على تدريب وتأهيل كفاءات جديدة وإدخالها ضمن السلك الرقابي.

توصيات لرقابة أفضل

لتحقيق فعالية أكثر في مجالي الرقابة والمحاسبة، يدعو المصري إلى تقوية الرقابة الداخلية في المؤسسات الحكومية التي تقع على كاهل الهيئة العامة للرقابة والتفتيش، إضافة لتقوية دور الجهاز المركزي للرقابة المالية الذي عادة ما يجري جولات تفتيش سنوية، مؤكداً أن دمج هذين الجهازين يؤدي إلى تقلص حالات الفساد، ويُفضِّل المصري أن تكون تبعية الجهازين للبرلمان السوري المشكل حديثاً لا للسلطة التنفيذية.

ويتابع بأن الأفضل إحداث دوائر في جميع المؤسسات على غرار دائرة الالتزام الموجودة في المصارف، ووظيفة هذه الدوائر التأكد من مطابقة أي إجراء متخذ للأنظمة المعمول بها، ولتجنب الأخطاء وتخفيف كلفة عمليات الرقابة والمحاسبة وملاحقة الفاسدين.

ومن جانب آخر، يلفت المصري إلى أن حملات الفساد ينبغي ألا تقتصر على الفاسدين المحسوبين على النظام البائد بل يجب أن تكون مستمرة بحيث تشمل الجميع، ولا يتحقق ذلك من دون إطلاق الهيئة العامة للرقابة والتفتيش في كامل المؤسسات وكافة موظفي القطاع العام، تجنباً لأي حالات فساد محتملة، وكلما امتلك القائمون على الرقابة كفاءة عالية انخفضت حالات ومحاولات الفساد.

وحول القوانين والأنظمة الحالية وهل هي مؤهلة لتسهيل الحملات الجديدة التي تخص مكافحة الفساد، يوضح المصري أن المشكلة ليس في وجود هذه القوانين بل في عدم تطبيقها بسبب المحسوبيات، مع أن بعض الأنظمة تحتاج إلى تعديلات لتكون ذات فاعلية أكبر.

ومن المهم، وفقاً للمصري، مواكبة تعديل التشريعات والأنظمة مع التطوير التقني لآليات الرقابة، مع تمكين ذوي الخبرة التكنولوجية وتدريب الكوادر الذين يحتاجون إلى هذه الخبرات، نظراً لتعقيدات التدقيق المالي والتعامل الدائم مع الأرقام والسندات والوثائق.