تحديات تشكيل المنطقة الآمنة بإدلب

تحديات تشكيل المنطقة الآمنة بإدلب

تحديات تشكيل المنطقة الآمنة بإدلب

مصير محافظة إدلب، وتفاصيل التوافقات التركية الروسية حول آخر معاقل المعارضة السورية، سؤال بات الشغل الشاغل للشارع السوري في الفترة الأخيرة وهي على أبواب تصعيد جديد من قبل قوات النظام والميليشيات الطائفية الإيرانية، في ظل خروقات وقصف يومي على قرى منطقة جبل الزاوية، ومصير المحافظة بات يهم جميع السوريين بمختلف مكوناتهم، خاصة أن الاتفاقات التي جرت سابقا لم تؤدِ إلى النتيجة المرجوة منها، بالحفاظ على حدود هذه المنطقة وأمنها وأمن سكانها وتحميهم من عمليات القصف والاقتحامات.

وعلى العكس من تلك الاتفاقات السابقة تقدمت قبل أشهر قوات النظام بدعم روسي وإيراني مسيطرة على بلدات كانت تعد المعقل الرئيسي للمعارضة، وتحظى بمكانة خاصة في وجدان السوريين، وصولا إلى السيطرة الكاملة على الطريق الدولية بين دمشق حلب، المعروفة بـ"إم 5"، قبيل أن يتوصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في الخامس من آذار/ مارس المنصرم، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ورغم أن هذا الاتفاق حقق هدوءا نوعا ما ونجحت الدوريات إلا أن هناك أطرافا تسعى لعرقلتها وتأييد المزاعم الروسية أحادية الجانب، أن نظيره التركي لم يستطع تأمين الطريق الدولية تمهيدا لفتحه أمام الحركة المدنية والتجارية.

ورغم محاولات خرق الاتفاق الأخير من قبل النظام والميليشيات المذهبية الإيرانية الإرهابية، إلا أنه يعتبر الاتفاق الأطول حتى الآن من ناحية صمود وقف إطلاق النار، ومرد ذلك إلى تطورات الأوضاع الميدانية والسياسية في ليبيا، وانتشار جائحة كورونا في مختلف دول العالم، إلا أن انهيار هذا الاتفاق قائم في أي لحظة، بسبب عدم التوصل إلى اتفاق نهائي، في ظل سعي تركي جرى الحديث عنه رسميا عدة مرات من قبل القادة السياسيين مؤخرا، بأن هناك جهد لتحويل إدلب إلى منطقة آمنة، تشبه مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، بحيث تكون برعاية كاملة من تركيا، وعقبها سيتم حل المشكلات العالقة وأهمها ما يتم طرحه بالتوافق، من إيجاد حل للتنظيمات الراديكالية في المنطقة، وتشكيل جسم عسكري موحد تقوده تركيا، بغرض فرض الأمان وحماية المدنيين، بحيث يتم الحفاظ على آخر معاقل المعارضة، إلا أن روسيا دائما ما تخرج بمطالب تعجيزية وترفع سقف مطالبها في أي مفاوضات تجري مع الجانب التركي، ولكن التطورات الإقليمية والدولية تفرض عليهما التوافق بدل الاصطدام، وخاصة فيما يتعلق بتطورات حوض شرق البحر المتوسط وليبيا.

وفي إطار السعي التركي لتشكيل المنطقة الآمنة، شهدت الأشهر الأخيرة إدخال تركيا أرتالا كبيرة من القوات المسلحة بمختلف أصنافها، تشمل قوات عسكرية يبلغ قوامها أكثر من 20 ألف جندي مقاتل، ترافق هذه القوات عشرات الآلاف من الآليات العسكرية بمختلف أنواعها وصنوفها، حيث توزعت القوات التركية على طول الطريق الدولية، من بداما والناجية في ريف اللاذقية، مرورا بأريحا، وصولا إلى مناطق التماس شمالا، ولم تكتف تركيا بذلك بل عملت على التموضع في المواقع العسكرية المحددة بمساحات كبيرة، في عقود طويلة الأمد، وتخصيص نقاط عسكرية تتضمن مساحات كبيرة جدا لهبوط المروحيات، وانتشار الآليات، وهذا إن يدل على شيء، فهو دليل على أن تركيا تفاهمت على موسكو فعليا على تحويل إدلب لمنطقة آمنة في اتفاق أولي، بانتظار استكمال الترتيبات النهائية، وقمة الزعماء الثلاث للدول الضامنة الأخيرة التي جرت عبر الإنترنت أيضا أخرت تطبيق الشامل النهائي في إدلب وفرض إطلاق النار فيها وتحويلها لمنطقة آمنة.

ويكشف ما سبق معيقات عديدة ترتبط بإعلان المنطقة الآمنة، منها ما يرتبط بالتطورات الإقليمية، وأخرى ترتبط بمواقف الدول ذات الشأن في سوريا، وقد تكون ترتيبات الوضع في ليبيا، وتقاسم النفوذ فيها مع تقاسم النفوذ والمصالح شرق المتوسط، وحتى في مستقبل إعادة الإعمار في سوريا، عوامل مؤثرة في تأخير إعلان ذلك، فهذه عوامل إقليمية قد يكون لها دور بالفعل، أما العوامل المرتبطة بالدول ذات الصلة، فإن روسيا لا تزال ترغب بمزيد من القضم والسيطرة على الطريق الدولية حلب اللاذقية، وهو ما يعني سقوط مناطق استراتيجية مهمة منها بلدات جسر الشغور وأريحا وريف اللاذقية الشمالي، والهدف الروسي هو توسيع المنطقة المحيطة بقاعدة حميميم ومزيد من التأمين لها، وحماية طرق التهريب التي تتم من لبنان للتغلب على الحصار وقانون قيصر، ووصل الطرق الدولية مع بعضها لوصل مناطق النظام بالحسكة والوصول إليها وخلق واقع جديد سواء في إدلب أو في شرق الفرات، لفرض سياسات جديدة بالمنطقة وظروف مفاوضات جديدة مع تركيا وأميركا، ولكن مواقف تركيا الأخيرة في إدلب والتحركات العسكرية والدبلوماسية تكتسب قوة أكبر، بفضل دعم حصلت عليه أنقرة من قبل أميركا في إدلب، بدعم أي مواقف تركية عسكرية أمام تصعيد قوات النظام وحلفائه ومحاولاتهم التقدم ميدانيا.

تركيا من جانبها عملت ولا تزال على تقوية وجودها العسكري قبيل إعادة تموضع نقاط المراقبة لحدود سوتشي، ضمن إطار الاتفاق النهائي الشامل للمنطقة الآمنة، حيث إنها زادت وما زالت تزيد من قواتها العسكرية مؤخرا لهدفين، الأول يتعلق بردع أي محاولات لخرق الاتفاق والتقدم، والثاني هو مقدمات فرض المنطقة الآمنة التي تتطلب قوات عسكرية كبيرة لفرض الأمن فيها، وحل مشكلاتها المتعلقة بالتصدي للتنظيمات الراديكالية، خاصة أن الأخيرة أعطت روسيا الحجة بعدم تأمين تركيا للطريق الدولية من أجل تسيير الدوريات.

كما أن تركيا منذ البداية طلبت من الدول الضامنة روسيا وإيران فرض وقف إطلاق النار الشامل في المنطقة، وهو ما لم يتم حتى الآن، وتأمل أن يكون اتفاقية تحويل إدلب لمنطقة آمنة شاملة لوقف إطلاق النار الدائم، من أجل الانتقال لمراحل جديدة من بنود التفاهمات، حيث جرت توافقات سابقا على تحديد معابر لعودة المدنيين لمناطقهم ضمن إطار حدود سوتشي التي تقلصت بفعل التقدم الأخير للنظام، منها معابر في الشمال من أجل العبور إلى مناطق ريف حلب الغربي، ومعابر في ريف إدلب الجنوبي تشمل عودة النازحين باتجاه ريف حماة الشمالي، ولكن كانت هناك خلافات حول الضمانات المقدمة من الجانب الروسي حول سلامة المدنيين، بعد فشل التجربة في جنوب سوريا والغوطة الشرقية، مع تواصل تنكيل النظام بمناطق المصالحات، وتصطدم المشاورات الجارية في هذا الملف دائما بالمطالب الروسية التي يمكن القول عنها بأنها "تعجيزية"، ولكن تركيا تراهن على قدرتها دوما على إيجاد الحلول المناسبة لها للوصول إلى الأهداف المرجوة.

إذا ورغم عدم الإعلان عن إدلب منطقة آمنة إلا أنها باتت تعتبر في الطريق لأن تكون منطقة آمنة، بتبدل ميزان القوى على الأرض، وبالاستعدادات العسكرية الجارية من قبل تركيا، ومع تواصل المباحثات التقنية الروسية مع المسؤولين الأتراك، يبدو أن ملف إدلب سيكتسب زخما وبعدا مهما في هذا الطريق الذي يحتاج لتجاوز المعوقات السابقة.

مقالات مقترحة
معلومات مفيدة حول كورونا للمهاجرين واللاجئين في ألمانيا
وفاة أربعة أشخاص بفيروس كورونا في الرحيبة بريف دمشق
6825 شخصاً إجمالي عدد المصابين بكورونا شمال شرقي سوريا