تحت ضغط أميركي.. إسرائيل تقلص علاقاتها الاقتصادية مع العملاق الصيني

تاريخ النشر: 09.10.2021 | 07:26 دمشق

آخر تحديث: 09.10.2021 | 12:24 دمشق

تلفزيون سوريا - خالد خليل

يثير ازدياد الاستثمارات الصينية في إسرائيل قلق الولايات المتحدة، التي ناقشت مع وفد أمني إسرائيلي زار واشنطن مؤخراً التهديدات التي يشكلها حجم استثمارات بكين في السوق الإسرائيلية، لا سيما في قطاعي البنية التحتية والتكنولوجيا فائقة الدقة (الهاي تك)، الذي بلغ ذروته في عام 2018 قبل أن يشهد انخفاضاً في العام التالي نتيجة الضغوط السياسية الأميركية التي لا تزال تدعو تل أبيب لإعادة النظر في علاقاتها الاقتصادية مع العملاق الصيني.

ذكرت صحيفة "معاريف"، أن إدارة بايدن ناقشت مع مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، إيال حولتا، خلال زيارته لواشنطن الثلاثاء الماضي، التهديدات التي تشكلها الاستثمارات الصينية في قطاعي البنية التحتية والتكنولوجيا فائقة الدقة (High Tech) في إسرائيل.

وأضافت الصحيفة، أن مسؤولين رفيعي المستوى في الجهاز الأمني قدموا توصية لرئيس الوزراء، نفتالي بينيت، بتشكيل لجنة جديدة للإشراف على الاستثمار الأجنبي في إسرائيل، على ضوء ازدياد المناقصات الصينية المطروحة في مشاريع البنية التحتية والتكنولوجية في إسرائيل.

وأشارت "معاريف"، إلى أن اللجنة المقترحة ستحل محل لجنة قائمة تابعة لوزارة المالية، لأن الأخيرة لا تغطي القطاعات الأساسية التي تستثمر فيها الصين، لا سيما قطاع التكنولوجيا الذي تديره في الغالب شركات خاصة.

وعلى الرغم من أن مكتب رئيس الوزراء لم يتخذ بعد قراراً بإنشاء اللجنة، إلا أن التوصية تأتي مع استمرار الحكومة في تأخير الإعلان عن أسماء الشركات الفائزة بمناقصة تشييد خطي القطار السريع في تل أبيب، المعروفين بالخط الأخضر والبنفسجي.

في الوقت نفسه، أعلنت شركة "Egged"، أكبر شركة مواصلات عامة في إسرائيل، الأسبوع الماضي، عن رسو مناقصة شراء 200 حافلة كهربائية، على ثلاث شركات تعمل في توريد حافلات مصنوعة في الصين.

وأشارت "معاريف" أن ضباطاً كباراً في الجيش وجهاز الأمن العام "الشاباك" يقفون وراء التوصية لضبط العلاقات الاقتصادية مع الصين، لأنهم قلقون من تداعيات التدخل الصيني المستمر والمتزايد في الاقتصاد الإسرائيلي.

ويخشى المسؤولون الإسرائيليون من تأثير استمرار الصين في الفوز بالمناقصات وتشييد البنية التحتية على العلاقات مع واشنطن، من ناحية، إضافة لخشيتهم من احتمال أن تستخدم الصين البنية التحتية لأنشطة التجسس داخل إسرائيل وضدها، من الناحية الأخرى.

وتتعامل إسرائيل بجدية مع ضغوط الولايات المتحدة لقطع العلاقات الاقتصادية مع الصين، على الرغم من الاستفادة الواضحة لتل أبيب من الاستثمارات الصينية الضخمة، عبر المماطلة في تنفيذ هذه الاستثمارات وعرقلة بعضها.

وفي هذا السياق، كشفت صحيفة "معاريف" أن الحكومة الإسرائيلية تتعمد تأجيل البت في صفقة بمليارات الدولارات لتشييد خطي القطار السريع نظراً لشدة المنافسة من قبل الشركات الصينية، والتي كان من المفترض أن تتم قبل ثلاث أشهر.

ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع، لم تكشف عن هويته، على الرغم من أن الحكومة تقول إنها لم تفتح المظاريف، ولكنها اتصلت بإحدى الشركات المتقدمة للصفقة تسألها عن سبب انخفاض سعرها بدرجة كبيرة عن الشركات المنافسة الأخرى.

إحدى هذه الشركات المنافسة هي شركة السكك الحديدية الصينية الحكومية، التي نفذت العديد من مشاريع بنى تحتية في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، وهي إحدى الشركات التي حظرت واشنطن التعامل معها مؤخراً.

وكان الرئيس الأميركي جو بايدن أصدر في تموز/يونيو الماضي أمراً تنفيذياً يحظر عدداً من الشركات الاستثمار في الولايات المتحدة للاشتباه في علاقتها بصناعة الدفاع الصينية.

تتعامل إسرائيل بجدية مع ضغوط الولايات المتحدة لقطع العلاقات الاقتصادية مع الصين، على الرغم من استفادة لتل أبيب من العائدات الاستثماراتية الصينية، عبر المماطلة في تنفيذ عقود مشاريع استثماراتية وعرقلة بعضها

ضغوط أميركية متجددة

لم تكن هذه المرة الأولى التي تطلب فيها واشنطن من إسرائيل ضبط علاقاتها الاقتصادية مع الصين، وكما تماطل تل أبيب اليوم في البت بمشروع قطارها السريع استجابةً للضغط الأميركي، فقد عرقلت في العام الماضي فوز شركات صينية بمناقصة إحدى مشاريع تحلية المياه.

في أيار/مايو 2020، قبل أيام قليلة من اتخاذ القرار في مناقصة بناء وتشغيل محطة تحلية المياه "Whistling 2"، وصل وزير الخارجية الأميركي آنذاك، مايك بومبيو، إلى إسرائيل وحذر من الاستثمارات الصينية في البنية التحتية الحيوية، ما أدى إلى فوز منافس غير صيني بالمناقصة لأسباب تتعلق بالسعر، حسبما أعلنت مصادر حكومية إسرائيلية.

ويثير النشاط الاستثماري للصين في مجال التكنولوجيا فائقة الدقة (الهاي تك) مع إسرائيل التي تعتبر رائدة عالمياً فيه، مخاوف الولايات المتحدة، وتعتبر هذا المجال بالغ الأهمية لأمنها القومي، مثل الرقائق وصناعة البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات.

وما يزيد مخاوف واشنطن من اختراق الشركات الصينية لقطاع "الهاي تك" الإسرائيلي، عدم امتلاك اللجنة الإسرائيلية المكلفة بالإشراف على الاستثمار الأجنبي صلاحية مراقبة الصفقات التكنولوجية، كما تزداد مخاوف واشنطن من تنامي النفوذ الاقتصادي الصيني المستثمر في البنية التحتية.

غغ.jpg
الرئيس الصيني شي جين بينغ يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو في بكين، 21 آذار/مارس 2017 (رويترز)

حجم الاستثمارات الصينية في إسرائيل

تضع الحكومة الإسرائيلية الحالية، هدف إصلاح العلاقات مع واشنطن ولا سيما الديمقراطيون على رأس أولوياتها بعد الفتور الذي شاب علاقة البيت الأبيض مع تل أبيب في عهد نتنياهو.

وفي المقابل، تركز الإدارة الأميركية الجديدة على "الخطر القادم من الشرق" المتمثل بالصين، ويحتل التنافس مع الصين قائمة أولويات الأجندة السياسية في البيت الأبيض، بينما تشهد العلاقات الاقتصادية لإسرائيل، حليفة واشنطن، مع الصين تنامياً متزايداً في العقد الأخير.

ووفقاً لبيانات وزارة الاقتصاد والصناعة الإسرائيلية، بلغت الاستثمارات الصينية في إسرائيل في عام 2017 نحو 3.5 مليارات دولار.

على الرغم من صغر سوق إسرائيل مقارنة بالأسواق العالمية، فإن استثمارات الصين فيها كبيرة خلال العقد الماضي، تركزت في قطاعين مهمين هما البنية التحتية و"الهاي تك".

بلغت الاستثمارات الصينية في إسرائيل ذروتها في عام 2018، ووصلت عائداته نحو 3.5 مليارات دولار في 2017، وتعد الصين ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل بعد الولايات المتحدة الأميركية

يشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو، استقبل رجل الأعمال الصيني، جاك ما، مؤسس مجموعة "علي بابا" المنافسة لأمازون الأميركية، في أيار/مايو 2018 في إسرائيل بحفاوة تليق بالرؤساء.

وبحسب دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، بلغت ذروة الاستثمارات الصينية في عام 2018 التي بدأت زيادة تدريجية ملحوظة في 2016، لتتراجع معدلاته إلى أدنى مستوى في 2019.

وإحدى أسباب التراجع يعود إلى التغيير في بيئة الاستثمار في إسرائيل فيما يتعلق بالشركات الصينية، كجزء من الضغط السياسي الأميركي، إضافة لتغيير الأولويات في الصين نفسها، وتداعيات وباء كورونا، بحسب الدراسة.

وتظهر الدراسة أن الشركات الحكومية الصينية تستثمر بشكل رئيسي في مجال البنية التحتية في إسرائيل، لامتلاكها الخبرة وضخامة رأس المال الذي يخولها الفوز بالمناقصات، بينما في مجال التكنولوجيا العالية، بينما تركزت الاستثمارات الصينية في التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلية بيد صناديق رأس المال الاستثماري التشاركي.

وتشير هذه الدراسة، التي أعدها الباحث الاقتصادي الإسرائيلي، دورون إيلا، إلى أنه على عكس الانطباع الناجم عن الانتقادات العامة في وسائل الإعلام الأميركية، لا تشكل الاستثمارات الصينية سوى 10 في المئة من إجمالي رأس المال الأجنبي المستثمر في إسرائيل.

العلاقات الاقتصادية بين الصين وإسرائيل

لا تشكل الاستثمارات سوى بعداً واحداً من الصورة الشاملة للعلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والعملاق الصيني، الذي يمتلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وترتبط إسرائيل والصين بعلاقات اقتصادية مميزة ومتنامية على الرغم من حداثة العلاقة الدبلوماسية التي تربط بكين بالدولة العبرية، والتي بدأت في عام 1992م، فضلاً عن تفاوت الحجم والثقل الاقتصادي بين البلدين.

بدأت العلاقات الاقتصادية بين البلدين بعد سياسة الانفتاح الصيني على أسواق جديدة في أعقاب الأزمة المالية في عام 2008، وذلك لتحقيق رؤيتها بأن تصبح قوة اقتصادية عالمية.

ويعود سبب تركيز الصين على إسرائيل لاعتقادها أن إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل سيساعد على تحسين صورتها في الغرب.

وبحسب تقرير المسؤول عن تعزيز الصادرات الإسرائيلية إلى الصين، يائير ألفين، تعد الصين ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وبالنسبة للصين تحتل إسرائيل المرتبة الـ 48 على المستوى التجاري.

ولدى إسرائيل ستة ملاحق اقتصادية في الصين من أصل 42 ملحقاً اقتصادياً إسرائيلياً في العالم.

 وتعتبر الصين ثالث أكبر وجهة للصادرات الإسرائيلية بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وتبلغ قيمتها 4.7 مليارات دولار، صادراتها هي السيارات والإلكترونيات والمنتجات الكيماوية والطبية.

ووفقاً لتوقعات بنك إسرائيل فإنه بحلول 2035، ستشكل الصادرات للصين 10% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية.

بينما يأتي الاستيراد الإسرائيلي من الصين في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، مع حجم واردات 11.4 مليار دولار في مجموعة متنوعة من الصناعات والسلع الاستهلاكية.