تجنيد العلويين والشيعة لقمع الثورة

تاريخ النشر: 19.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 23.05.2018 | 00:44 دمشق

مذكرات الجنرال الهمذاني- خارطة طريق سوريا/ 2

 

في هذه الجزء من المذكرات يتحدث الجنرال همذاني عن وصوله الأول إلى سوريا مطلع كانون الثاني/يناير 2012، حيث كانت وجهته الأولى حمص التي يرى فيها أهمية استراتيجية خاصة، فهي محافظة تتصل بالعراق ولبنان وبدمشق والساحل. كان حي بابا عمرو وقتها، والذي شهد أبرز أحداث التظاهر السلمي في حمص محاصراً بالقناصين منذ فترة طويلة، و تعرض لأكثر من عشر محاولات اقتحام منذ اندلاع الثورة في آذار/مارس 2011،  في حين كان شبيحة النظام من العلويين والشيعة – كما توثق المنظمات الحقوقية الدولية – قد ارتكبوا عدد من المجازر الطائفية راح ضحيتها العديد من الأطفال والنساء فضلاً عن الشباب، بدءاً من مجزرة الزهراء في 6 كانون الأول/ديسمبر 2011، لكن المجزرة الأفظع هي تلك التي ارتكبتها الميليشيات، والتي قد تكون هي نفسها التي شكلها الجنرال همذاني، في 26 كانون الثاني/يناير 2012 في حي كرم الزيتون والتي جرت ذبحا بالسكاكين والسواطير والرشاشات، كان من بين ضحاياها 10 أطفال و6 نساء على الأقل.

ويتحدث همذاني عن المهمة الأولى له إثر اجتماع بدمشق لا يذكر من أعضائه سوى الجنرال سليماني،

اختار همذاني المهندس "صقر رستم" لتأسيس ميليشيا علوية (عرفت باسم "اللجان الشعبية")، والذي زعم للجنرال همذاني أنه رجل أعمال مقاول ترك أعماله وثراءه وجاء إلى حمص للدفاع عن النظام

لكن من السياق يبدو أنه اجتماع مع خلية الأزمة بدراسة وتقييم الأوضاع في سورياـ، غير أن همذاني يتقدم خطوة على الفور نحو تشكيل ميليشيات من مئات المتطوعين العلويين والشيعة، ويبدو أن تشكيل قوات غير نظامية رديفة كان أمراً متفق عليه أيضاً في الاجتماع،

اختار همذاني المهندس "صقر رستم" لتأسيس ميليشيا علوية (عرفت باسم "اللجان الشعبية")، والذي زعم للجنرال همذاني أنه رجل أعمال مقاول ترك أعماله وثراءه وجاء إلى حمص للدفاع عن النظام، لكن رستم هذا لم يكن سوى معاوناً لمدير المنطقة الصناعية في حسياء طُرد من منصبه بعد ملف فساد كبير، وشكل الميليشيا كما هو معروف من المجرمين أصحاب السوابق والمطلوبين للعدالة، ثم أصبح لاحقاً قائد الأمانة العامة للدفاع الوطني في سوريا. وأسند الهمذاني إلى الشيعي الشيخ محسن، (على الأرجح هو الشيخ محسن الخضر) مهمة تجنيد متطوعين من الشيعة السوريين والذي صار لاحقاً أساساً لـ "ميليشيا الرضا" التي ترتبط بحزب الله وإيران ارتباطاً عضوياً (في أيار/مايو 2014 صرح الهمذاني للإعلام بأن إيران أنشأت "حزب الله" آخر في سوريا) وتم مؤخراً إلحاقها بتشكيلات الجيش النظامي.

النص:

في 03/01/2012، كُلِفتُ بالذهاب إلى سورية في وقت كنت قائداً للحرس الثوري في محافظة طهران. ولم تكن تداعيات فتنة 2009 [الانتفاضة الشعبية الخضراء] قد انتهت بعد. وفيما كنا مشغولين بالتوسع في فيلق محمد رسول الله [المسؤول عن أمن مدينة طهران وضواحيها] ونزيد فروعه من 6 إلى 22 فرعاً، ونعيد ترتيب وحدة الصراع لكتائب الأمن استدعاني الجنرال محمد علي عزيز جعفري (القائد الأعلى للحرس الثوري). وبعد أن حضرت في مكتبه وقدمت له تقريراً عن أوضاع فيلق طهران، سألني: هل تذهب إلى سورية؟ حسنا، كثيرون كانوا متحمسين للذهاب إلى سورية، مكثت قليلاً ثم قلت له: من أجل ماذا أذهب إلى هنالك؟ وتحت أي عنوان أذهب؟ قال: إن الجيش والنظام السوري طلبوا المساعدة، ستذهب كقائد وتساعدهم. قال لي اللواء قاسم سليماني إنك مناسب لهذه المهمة.

ولأني كنت من المتحمسين للذهاب إلى سورية والدفاع عن حرم عمة السادات [السيدة زينب] والسيدة رقية فقد وافقت دون تردد، لم أقل أبداً: سأفكر فيه وأجيب، بل أجبت في المكان نفسه بالموافقة. فاتصل مباشرة بسليماني وقال له إن فلانا مستعدٌ للذهاب إلى سوريا.

بعد أيام تمت حفلة توديعي، وتم تعيين الجنرال كاظمي قائداً لفيلق [الحرس الثوري في] طهران. ثم بعدها بيومين أو ثلاثة قال لي الحاج قاسم سليماني إن علي أن أحضر صباح الغد إلى مطار الإمام الخميني. لم آخذ لوازم للسفر غير حقيبة صغيرة عندما حضرت إلى المطار وسافرت معه إلى دمشق.

وفي أول يوم من وصولنا إلى دمشق كنا نتوقع أن نذهب إلى زيارة ضريح السيدتان زينب ورقية - عليهما السلام -، وقد حصل ذلك فعلاً، وفي هذه الليلة عقد الحاج قاسم جلسة وتم تكليفي فيها بمهمة "دراسة ومتابعة أوضاع المنطقة". ذهبنا في اليوم التالي إلى محافظة حمص في وسط سوريا التي يحدّها العراق من الشمال الشرقي أعني أنها مشتركة الحدود مع العراق. ويحدها من الجنوب الغربي لبنان، وهي محافظة ذات أهمية بالغة، وبمثابة نقطة الوصل بين حلب في شمال سوريا وجنوب البلاد، وهي أيضا متصلة بمحافظة دمشق. وعلمت وأنا هناك بأن المسلحين الإرهابيين استولوا على المناطق المجاورة للمدينة وباتت تحت سلطتهم. 

كانت محافظة حمص مقسمة إلى ثلاثة أقسام؛ نصفها كان يقطنه السنَّة والنصف الآخر كان مقسما بين العلويين والشيعة، واستطاع المسلحون أن يخلقوا الفجوة بين الشيعة والعلويين وأن يقطعوا التواصل بينهما. وكان الإرهابيون في بعض مناطق هذه المحافظة قد هاجموا الأرياف وقتلوا الناس العزل، وكان الناس في حالة من القلق والاضطراب فيما يتعلق بأمنهم وسلامتهم.

 تعارفنا هناك بأخ من رجال الدين الشيعي يدعى الشيخ محسن، وأخذ بنا إلى المدينة وأطلعنا على حالة بعض الأماكن التي يمكن التجول فيها. وفيما كنا منهمكين في زيارة المدينة تعرضت لنا مجموعة من الشباب المعارضين، وكان لديهم أسلحة ويطلقون النار، ولكن بالطبع لم نقترب منهم.

 وبالإضافة إلى الشيخ محسن، تعرَّفنا أيضاً بشاب علوي آخر اسمه المهندس صقر،

رجعنا إلى دمشق معهما، وعقدنا اجتماعاً، وفي نهاية جلسة الاجتماع سلّمنا ألفي بندقية كلاشنيكوف إلى كتيبة العلويين، وخمسمائة إلى كتيبة الشيعة، وكذلك سلمنا لهم عدة قطع مسدسات

كان يشتغل بالمقاولات وتشييد الأبراج في الإمارات العربية المتحدة، وقد جاء إلى سوريا لتوه، وقال لي: شعرت بالخطر نحو بلدي فأوقفت مشروعي الاقتصادي ورجعت إلى سوريا لأدافع عنها. وكان لديه بناء ذو ثلاثة طوابق، واحد لعائلته والآخر لمكتب شركته، والثالث كان خالياً تعقد فيه جلسات لتنسيق وتجنيد المدافعين المتطوعين، كانوا يحتاجون إلى أسلحة، فقلنا لهم: نظموا وجنّدوا شباب العلويين. كذلك قلنا للشيخ محسن افعل الشيء نفسه لشباب الشيعة، واتفقنا على أن يقوم بتنظيم وتجنيد خمسمائة شيعي. وقال المهندس صقر أنا أيضا قادر أن أقوم بتجنيد ألفي شاب علوي.

رجعنا إلى دمشق معهما، وعقدنا اجتماعاً، وفي نهاية جلسة الاجتماع سلّمنا ألفي بندقية كلاشنيكوف إلى كتيبة العلويين، وخمسمائة إلى كتيبة الشيعة، وكذلك سلمنا لهم عدة قطع مسدسات. وتم توزيع الأسلحة على المجندين المتطوعين، وخلال أسبوعين تقريبا قمنا بتدريبهم وتنظيمهم، وتوجّهت هذه القوات لحماية بعض المناطق المهددة من قبل المسلحين الإرهابيين والمعرّضة لهجماتهم. وبعدما تمكّنت هذه القوات من تثبيت وجودها لم يعد للإرهابيين القدرة على أن يدخلوا مناطق الشيعة والعلويين. وتسبب وجود هذه القوات في المدينة في انخفاض معدل قتل المدنيين في المنطقة.

استمرت عمليات تنظيم وترتيب هذه القوات شهراً كاملاً حتى استقرت في هذه المنطقة، وتحوّل مبنى المهندس صقر إلي مقر القيادة وتنسيق العمليات، وأصبح صقر هو نفسه قائداً لهؤلاء الألفي جندي من المتطوعين، والشيخ محسن قائداً لخمسمائة، وهذه الخطوات كانت النواة الأولى للأمل في إخماد الفوضى السورية حيث عدنا أدراجنا بعد ذلك إلى دمشق.