icon
التغطية الحية

تجميد البويضات في سوريا.. بين الضرورة الطبية والعوائق الاجتماعية

2026.09.02 | 07:04 دمشق

آخر تحديث: 2026.09.02 | 07:09 دمشق

سوريا
تلفزيون سوريا - لمى راجح
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تجربة ميسم: ميسم، امرأة مطلقة تبلغ 42 عاماً، قررت تجميد بويضاتها في سوريا بعد محاولات في تركيا، مدفوعة برغبتها في الأمومة وضغوط اجتماعية واقتصادية، مما دفعها لبيع جزء من مصاغها الذهبي لتغطية تكاليف العملية.

- التحول الطبي والاجتماعي: شهدت سوريا زيادة في تجميد البويضات بين النساء العازبات، حيث يعتبر تجميد البويضات موضوعاً مهماً في النقاشات الاجتماعية والبحث العلمي، مع التأكيد على أهمية القيام به في سن أصغر.

- الضوابط الشرعية والقانونية: تجميد البويضات مسموح به شرعياً للنساء المتزوجات والعازبات، بشرط الالتزام بضوابط صارمة لضمان عدم اختلاط الأنساب، مع فرض رقابة صارمة على مراكز الإخصاب.

"لم أتخذ قرار تجميد البويضات إلا بعد تفكير طويل، بعدما تقدّم بي العمر ودخلتُ عقدي الخامس"، بهذه الكلمات تلخّص ميسم، وهو اسم مستعار، تجربتها.

تبلغ ميسم 42 عاماً، وهي امرأة مطلقة سبق لها أن خاضت تجربة زواج استمرت عاماً ونصف العام من دون أن تُرزق بأطفال. وفي حديثها إلى موقع تلفزيون سوريا، توضح أن رغبتها في الأمومة كانت الدافع الأساسي وراء قرارها.

وتقول: "ربما أرغب في الزواج مرة أخرى والإنجاب عندما ألتقي الرجل المناسب، ولذلك قررت تجميد بويضاتي. لا أريد أن أجد نفسي في سباق مع الزمن، أو أن أقبل بأي رجل لمجرد أن أنجب قبل فوات الأوان، ولا سيما أنني أتطلع إلى أن أصبح أماً".

وتعكس تجربة ميسم واقع الكثير من النساء اللواتي يجدن أنفسهن أمام خيار تجميد البويضات بعد أن يتقدّم بهن العمر من دون زواج.

وتتنوع دوافع هذا القرار؛ نتيجة الظروف الاقتصادية التي تمر بها سوريا، وارتفاع تكاليف الزواج، وعزوف بعض الرجال عنه، ناهيك عن ظروف حرب النظام المخلوع على السوريين والهجرة التي شهدتها البلاد سابقاً.

وإلى جانب ذلك، ثمة دوافع طبية، كإصابة بعض النساء بأمراض سرطانية تستدعي الخضوع لعلاجات كيميائية أو إشعاعية تضر بمخزون المبيض، ما يجعل تجميد البويضات خياراً وقائياً قبل البدء بالعلاج.

تستعيد ميسم محطاتها السابقة قائلة: "اضطررت إلى مغادرة سوريا واللجوء إلى تركيا، كحال الكثير من السوريين والسوريات. تطلقت في سن الثالثة والثلاثين، وفي الخامسة والثلاثين بدأت أتعرض لضغوط عائلتي، إذ كانوا يرون أنه يتوجب عليّ الزواج كي ألحق بفرصة الإنجاب".
وأضافت: " دفعني هذا الضغط إلى التفكير في تجميد البويضات، لا سيما أن العملية شائعة في تركيا، لكنني اصطدمت بالعائق القانوني هناك، إذ يتوجب أن تكون النساء من حاملات الجنسية التركية حصراً. شعرت وقتها بخيبة أمل كبيرة، ورضيت بقدري واستسلمت للضغوط العائلية والمجتمعية".

عندما عادت ميسم إلى سوريا، فوجئت بوجود مراكز لتجميد البويضات ضمن مراكز الإخصاب وطفل الأنبوب، ما دفعها إلى بيع جزء من مصاغها الذهبي وإجراء عملية سحب البويضات. وتُعد هذه العملية مكلفة بالنسبة إلى كثير من النساء، إذ تصل تكاليفها إلى نحو ألفي دولار أميركي، وقد تزيد في حال تكرار محاولات التنشيط، ما يشكّل عائقاً مادياً كبيراً أمامهن.

الخصوبة المؤجلة: كيف يقرأ الطب التحول الجديد؟

رغم أن بعض الأوساط المحلية ما زالت تتناول موضوع التجميد همساً وتعدّه مستهجناً اجتماعياً، فإن السنوات الأخيرة شهدت إقبالاً متزايداً على العملية في سوريا، لا سيما من النساء العازبات.

في هذا الصدد، يشير الدكتور رامي عبيد الناصر، اختصاصي أمراض النساء ورئيس مركز طفل الأنبوب وطب الجنين في مشفى الرشيد بدمشق، إلى هذا التحول بقوله: "نلاحظ خلال السنوات الأخيرة زيادة واضحة في الاهتمام بتجميد البويضات، وقد انعكس ذلك على عدد المراجعات المتزايد في عيادة الإخصاب لدينا، وإن كان الإقبال في سوريا لا يزال أقل منه في بعض الدول الغربية".
وتابع: "أصبح الموضوع أكثر حضوراً في وسائل التواصل الاجتماعي ومجال البحث العلمي، وكذلك في نقاشات النساء اللواتي يرغبن في تأجيل الحمل، خصوصاً مع تأخر سن الزواج وتغيّر الظروف الاجتماعية والاقتصادية".

ويضيف الناصر، متحدثاً عن العامل البيولوجي: "تحتفظ البويضة المجمدة تقريباً بعمرها البيولوجي وقت تجميدها. فإذا جمّدت المرأة بويضاتها في سن الثلاثين، فهي تحفظ بويضات بجودة مرتبطة بهذا العمر، حتى لو استخدمتها لاحقاً وهي في الأربعين أو الخمسين. ومع التقدم في العمر، ينخفض عدد البويضات المتاحة وتزداد نسبة الاختلالات الصبغية في البويضات والأجنة، لذلك تكون فرصة النجاح عادةً أفضل عندما يتم التجميد في سن أصغر".

وزاد: "تشير الدراسات العلمية إلى أن العمر عند تجميد البويضات أكثر أهمية من العمر عند استخدامها لاحقاً، فيما يتعلق بفرصة النجاح. ولهذا لا ينبغي أن نقول للمرأة: جمّدي البويضات وستضمنين الحمل، بل نقول: كلما حُفظت البويضات في سن أصغر وبعدد مناسب، ازدادت فرصة الاستفادة منها مستقبلاً".

الخطوات الطبية والآثار الجسدية للتجميد

تمر عملية تجميد البويضات بعدة مراحل طبية. وعن هذه المراحل، يوضح الدكتور رامي عبيد الناصر أن العملية تبدأ بتقييم حالة المرأة، ويتضمن ذلك عادةً تقييم مخزون المبيض بواسطة تحليل هرمون AMH، وعدّ الجريبات الغارية AFC، وإجراء تصوير للحوض بالأمواج فوق الصوتية، إما عن طريق المهبل وإما عن طريق البطن، إضافة إلى إجراء الفحوص المناسبة وتحديد البروتوكول العلاجي.

بعد ذلك، تبدأ مرحلة تنشيط المبيض بالهرمونات، وتستمر مدة تقارب عشرة إلى اثني عشر يوماً في معظم الحالات، مع متابعة نمو الجريبات بواسطة التصوير بالأمواج فوق الصوتية وتحاليل الهرمونات.

يتابع الناصر: "عندما تصل الجريبات إلى الحجم المناسب، تُعطى المريضة الحقنة النهائية لإنضاج البويضات، ثم تُسحب البويضات عبر جدار البطن لدى العازبات، أو عبر المهبل، بتوجيه التصوير بالأمواج فوق الصوتية. وبعد السحب، يقيّم المختبر البويضات الناضجة، ثم يحفظها باستخدام تقنية التزجيج، وهي تقنية التجميد السريع التي أصبحت الطريقة القياسية والأكثر استخداماً".

ويضيف: "تُحفظ البويضات بعد ذلك في خزانات النيتروجين السائل، ضمن درجات حرارة شديدة الانخفاض، وتُدوّن عليها بيانات تشمل الاسم والكنية والرقم الشخصي وتاريخ الميلاد".

وفيما يتعلق بإثبات الملكية والأوراق الرسمية، تذكر ميسم أنها حصلت، فور انتهائها من العملية، على وثيقة وتصريح رسمي من المشفى يثبتان تجميد بويضاتها.

أما فيما يتعلق بالتغيرات الهرمونية خلال مرحلة تنشيط المبيض، فقد تواجه النساء تقلبات هرمونية وأعراضاً جسدية تختلف شدتها من امرأة إلى أخرى. وتصف ميسم تجربتها قائلة: "عندما بدأت مرحلة أخذ إبر التنشيط، شعرت وكأنني في قدر يغلي، ومررت بمجموعة من التقلبات النفسية. كنت أعلم أنها ناتجة عن أخذ إبر التنشيط، وأنها مؤقتة وستزول بعد عملية السحب".

وتتابع: "شملت هذه التقلبات البكاء المستمر، والتغير الحاد في المزاج، والشعور بالتوتر والقلق، واضطرابات النوم، إضافة إلى انتفاخ البطن، وتورم الثديين وألمهما، ووجع خفيف أسفل البطن والظهر، وازدياد الرغبة الجنسية. أستطيع تشبيه التغيرات التي مررت بها بتلك التي تسبق الدورة الشهرية، لكنها كانت أشد بكثير".

ويؤكد الدكتور الناصر أن هذه الأعراض الجانبية تختفي بمجرد الانتهاء من عملية التجميد، ويؤكد: "تتمثل الآثار الجانبية المحتملة في الانتفاخ والشعور بالامتلاء أو الثقل في البطن، وتقلبات المزاج، والصداع، وألم الثدي بسبب الأدوية، وألم موضع الحقن، وتضخم المبيض بصورة مؤقتة، إضافة إلى ألم ونزف بسيطين بعد السحب".

ويضيف: "نادراً جداً ما يحدث نزف أو التهاب أو إصابة للأعضاء المجاورة، ولذلك يجب تقييم حالة كل امرأة على حدة، بهدف تقليل هذه المخاطر، خصوصاً عند وجود متلازمة المبيض متعدد الكيسات أو عدد كبير من الجريبات".

أما عن المدة الزمنية للحفظ، فيبيّن الدكتور الناصر أن التجميد بتقنية التزجيج يمنع البويضة من الشيخوخة بيولوجياً. وفيما يتعلق بالإطار القانوني في سوريا، فإن المدة المتفق عليها هي عشر سنوات قابلة للتجديد، بشرط تجديد الموافقة الرسمية عند نهاية كل دورة.

أحياناً تتداخل هذه الآثار الجسدية مع العوامل النفسية والضغوط الاجتماعية؛ إذ تشير الاختصاصية النفسية ليلاس تقي إلى أن عملية تجميد البويضات تشكّل عبئاً كبيراً على المرأة التي تصطدم بالرفض والاستهجان المجتمعي، لا سيما إن كانت عازبة، وهو ما يدفع كثيرات إلى إبقاء الأمر سراً، إذ يُطلب منهن غالباً الزواج مباشرةً بدلاً من اللجوء إلى التجميد.

وتضيف تقي: "رأينا كثيراً من النساء يتزوجن فقط لأن لديهن رغبة ملحّة في الإنجاب، تحت ضغط شعورهن بالأمومة. واليوم، من المهم جداً أن تستفيد النساء من التطور الطبي، وأن تتخذ كل امرأة قرارها المستقل بالتجميد في حال رغبت في ذلك".

الضوابط الشرعية وحفظ الأنساب

فيما يتعلق بالرأي الشرعي، يوضح الشيخ عبد الرحمن كوكي الحالات المسموح بها والضوابط الصارمة لعملية التجميد، قائلاً: "يجوز للمرأة المتزوجة تجميد البويضة إذا كانت ستستخدمها في أثناء قيام العلاقة الزوجية، ومن نطاف زوجها، من دون أن يكون هناك أي مجال للخطأ أو الاشتباه. أما إذا أرادت تجميد البويضة، ثم استخدام نطاف زوجها بعد انتهاء الحياة الزوجية، سواء بالفسخ أو الطلاق أو الوفاة، وزرعها في رحمها، فهذا لا يجوز".

ويرهن الشيخ كوكي تجميد البويضة بشروط محددة، قائلاً: "يجب أن تكون النطاف من الزوج حصراً، والبويضة من الزوجة حصراً، وأن تُزرع في رحم الزوجة نفسها في أثناء قيام الحياة الزوجية، من دون أي احتمال لاختلاط البويضات أو النطاف، ومن دون زرع البويضة في رحم امرأة أخرى".

كما شدد على ضرورة مراعاة عدم كشف الأعضاء التناسلية للنساء إلا عند الضرورة القصوى، ويُفضّل أن يكون ذلك أمام طبيبة.

أما عن النساء العازبات وغير المتزوجات، فيبيّن الشيخ كوكي أنه لا مانع شرعياً من تجميد البويضة لاستخدامها مستقبلاً بعد الزواج الشرعي، بشرط الالتزام التام بالضوابط نفسها، وضمان عدم حدوث أي خطأ في العينات.

ومن جهة أخرى، تطرق الشيخ كوكي إلى أهمية تنظيم عملية تجميد البويضات من الناحيتين القانونية والشرعية، وأكد المسؤولية المناطة بمراكز الإخصاب، داعياً إلى فرض رقابة صارمة وسنّ قوانين حازمة تفرض عقوبات بالحبس والتغريم والإغلاق، في حال ثبت ارتكاب مراكز تجميد البويضات أخطاءً تتعلق بتبديل البويضات أو اختلاط الأنساب، بما يشكّل رادعاً قانونياً يمنع تكرار هذه التجاوزات.