"تبني نظرية السلطة"

تاريخ النشر: 31.05.2018 | 00:05 دمشق

كانت وزارة التعليم العالي في سوريا قديماً، تفرض على طلبة الدكتوراه المُبتعثين بأن يختاروا مواضيع لا علاقة لها بالمسائل والمواضيع التي تتعلق ببلدهم الأم في مختلف العلوم، وخصوصا الإنسانية منها. وكانت الحجة المُعلنة معقولة وسائدة لدى الكثير من المهتمين بالتعليم والبحث العلمي. فهي تُشير الى أنه يجب على طالب الدراسات العليا أن يتعرف على دول أخرى من خلال دراسة تجاربها ومشاكلها ودراساتها الحقلية.

وتطبيقاً لهذا المنع، فقد تم رفض توظيف بعض من أنهى دراسته على حسابه دوناً عن الابتعاث ودوناً عن منح الدولة السورية لكون عناوين أو مواضيع أطروحاتهم تتناول سوريا من قريب أو من بعيد. ونشطت سوق المساومات وفرص الفساد في هذا المجال لقبول تسجيل بعض الأطروحات من جهة، كما التف بعض الأذكياء على صرامة القانون، وفقدان جُلّ منفذيه لملكة القراءة، فعمدوا إلى اختيار عناوين تُخرج دراساتهم من الحالة السورية دون التغيير في المضمون الذي ينحصر في المشهد السوري.

للوهلة الأولى، واستناداً على مبدأ حسن الظن لمراقب خارجي لا يعرف حيثيات التفكير الأمنوقراطي المهيمن على مختلف مفاصل الحياة السورية،

المُشرّع السوري قد علّمنا بأنه يقلق لأمان وأمن وسطوة السلطة أكثر مما تشغله الأمور التعليمية والعلمية والبحثية بسنوات قمرية.

يمكن أن يظهر أن هذا القرار، بمعزل عن تطبيقاته واستثناءاته، يستند إلى حجة منطقية ورغبة عقلانية في إثراء المشهد العلمي المحلي بتجارب الدول الأخرى، وخصوصا فيما يتعلق بالعلوم التطبيقية أو الزراعية أو الهندسية. أما إن غلبت ملكة الشك والنظر إلى تسيير الأمور السورية بمعرفة ـ ولو محدودة ـ للعقلية التي تحكمها وتُسيّرها وتفرض خياراتها، فمن الممكن التوقف عند هذا المنع من وجهة نظر أخرى. ويمكن خصوصاً التمعّن في إدارة هذا المنع فيما يخص الدراسات العليا في العلوم الإنسانية، وتحديداً منها ما يتعلق بالاقتصاد وبالسياسة.

فالقاعدة تقول بأن المُشرّع السوري قد علّمنا بأنه يقلق لأمان وأمن وسطوة السلطة أكثر مما تشغله الأمور التعليمية والعلمية والبحثية بسنوات قمرية. يمكن بالتالي غالباً استنتاج حيثيات الدافع إلى رفض الدراسات المتعلقة بسوريا وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. فمن المُرجّح أن تكون رغبة هذا المُشَرِّع ـ غير الشرعي وغير المؤهّل غالباً ـ في منع الدراسة المعمّقة في شؤون العلوم السياسية وما يدور في فلكها المرتبطة بالبلد الأم، هو حذرٌ مبني على ذهنية أمنية تتعلق بالخوف من اطلاع الباحث أو الدارس على ما كتبه الباحثون الغربيون ونقله، وهو غزير وموثّق وجدي في غالبه، بحق السلطة "الوطنية" وإنجازاتها العظيمة فعلاً في حقول الحياة العامة وفي إدارة شؤون البلاد والعباد.

فمن سيقرأ عن اقتصاديات البلاد، لن يفوته كتاب الاقتصاد السياسي في سوريا للألماني فولكر بيرتس، ومن سيهتم بطبيعة نظام الحكم، لن يغيب عنه كتاب فلاحو سوريا لحنا بطاطو، كما أن من يهتم بالعصبية الخلدونية في قيادة شؤون المجتمع، فلن يفوته كتاب الدولة المتوحشة لميشيل سورا، ومن سيهتم بعلاقة الحاكم بالدين، فلن يفوته كتابات عديدة وآخرها علاقة الدين بالسلطة لتوماس بييريه.

من المهم الاطلاع على ما كُتب بغزارة عن سوريا ولكن من المهم أيضا توسيع مروحة الاهتمامات لما له من فائدة في توسيع زوايا المدارك وإغناء وسائل التحليل.

وهذا غيضٌ من فيض ما تذخر به مكتبات الجامعات الغربية من نصوص درست وحللت المشهد السوري بعمق وبجدية علمية. فالمنع الذي أشرنا اليه يستند أساساً إلى مخاوف وليس ـ مع النادر من الاستثناءات ـ إلى غاية علمية لإثراء المعلومات وللتعرف على ما هو مفيد في تجارب الدول الأخرى.

اليوم، ومن خلال متابعتي لاختيارات الطلبة الراغبين في استكمال دراساتهم العليا في أوروبا من السوريين، وهم غالباً من خارج إطار الابتعاث البعثي والأمني، فأنا أكاد ـ ويا للهول ـ أن أتبنى نظرية السلطة في الدعوة إلى تجنب حصر الاهتمامات بدراسة التجربة السورية في الثورة وفي النضال السلمي وفي العمل العسكري وفي المجالس المحلية وفي المجتمع المدني وإلخ. فمن المهم الاطلاع على ما كُتب بغزارة عن سوريا ولكن من المهم أيضا توسيع مروحة الاهتمامات لما له من فائدة في توسيع زوايا المدارك وإغناء وسائل التحليل.

وبالابتعاد عن دراسة حالة أو أحوال الوطن الأم، يمكن أن نُغني المكتبة المحلية بنصوص تعتمد على دراسات حقلية أُجريت في دول بعيدة جغرافياً وربما هي قريبة في طبيعة السلطة ـ مع صعوبة ذلك ـ أو أن المعطيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي تقوم عليها يمكن أن تكون ذات فائدة، إن هي دُرِسَت وحُلِّلَتْ، في بناء تراكم علمي مفيد في المطلق كما لمستقبل الوطن الأم المحطم ومجهول المصير.