تبخير الآلهة في بلداننا: عن النقد بوصفه تدخلاً

2021.07.31 | 05:09 دمشق

0016.jpg
+A
حجم الخط
-A

"تخيلوا لو أن مجموعة من الوطنيين والراديكاليين اليونان قرروا القول بأن الدراسات الكلاسيكية تعتبر شتيمة بحق التراث العظيم لليونان القديمة، وأن أولئك الذين يمارسون هذه الدراسات من الإنسيين يمثلون مؤامرة شريرة وعميقة كانت مبّيتة منذ عدة قرون.. إذاً، يمكننا أن نسمح للبعض من غير الإغريقيين أن ينضموا إلى ساحة هذه الدراسات بشرط واحد، وهو أن يثبتوا كفاءتهم عن طريق النضال من أجل القضية الإغريقية في قبرص مثلاً، وعن طريق إثبات كرههم للأتراك وتبخير الآلهة الإغريقية المعظّمة حالياً، وعن طريق تبني آخر إيديولوجيا رائجة في دوائر الإغريق أياً تكن".

الكلام السابق هو لأحد المستشرقين العاملين على دراسة العالم العربي، بطبقاته الاجتماعية وأديانه ومذاهبه، و"للسياسة" والاجتماع فيه، وهو كُتب في ثمانينيات القرن الماضي كتذمّر واحتجاج على ما كان يطول المستشرقين من اتهامات بالتدخل في شؤون "بلداننا"، على الأقل، وغيرها من تهم، بغض النظر عن مضمون كتاباتهم، وهو موضع خلاف ونقد في بعضه، واتفاق مع بعضه الآخر، بطبيعة الحال..

مدعاة تذكر هذا المقطع، هو ما يتم تداوله اليوم من كلام واتهامات بحق بعض من يبدون الرأي ويقدمون تحليلات وكتابات تتناول الوضع التونسي الجديد، بعد الانقلاب الذي نفذه الرئيس قيس سعيّد. ذلك أن الانقسام في العالم العربي (وفي تونس بطبيعة الحال) بين مؤيد لما حصل ومعارض له، أتاح المجال لتقاذف الاتهامات، خصوصاً اتجاه غير التوانسة، من باب قبلي، منغلق، غير سياسي، ينفي الثقافة والمعرفة وفضاءاتهما. وكانت أبرز تلك التهم: "التدخل في الشأن التونسي".

تُرفع تهمة "التدخل في الشأن الداخلي التونسي"، فقط، عندما يكون المتكلم مختلفاً في الرأي والموقف عمّن يلقي التهمة 

هذه الاتهامات ومحاولات النيل من التعاطي النقدي مع ما حصل هناك ليست جديدة من نوعها. ليس فقط انطلاقاً من الكلام الذي افتُتحَ به هذا المقال، والذي يتناول طريقة التعاطي مع الاستشراق، أي بين "مثقفين مشارقة ومستشرقين غربيين"، بل على صعيد العلاقة بين المثقفين العرب أنفسهم، ليتبدى الكلام والاتهام بالتدخل السوري أو اللبناني أو المصري أو الخليجي في الشأن التونسي، استمراراً لتقليد كلامي وخطابي شهدته مناطق وبلدان أخرى في ما سبق.

تُرفع تهمة "التدخل في الشأن الداخلي التونسي"، فقط، عندما يكون المتكلم مختلفاً في الرأي والموقف عمّن يلقي التهمة ، وهي تغيب في حالة الحوار بين سوري وتونسي مؤيدَين للانقلاب، أو مؤيدين لـ "النهضة"، أو غير ذلك، أي بالمعنى الذي يتم فيه "إثبات كره الأتراك وتبخير الآلهة الإغريقية المعظمة حالياً" على ما أشار المستشرق في كلامه.

والحال، أن أسطورة "سوا ربينا" كانت قد شهدت سابقاً جدالات من هذا النوع، وإن بشكل وبدرجات مختلفة. فمع بداية الثورة في سوريا عام 2011، وقف مثقفون لبنانيون كثيرون معها ومن دون تردد، وأعلنوا انحيازهم إليها على الملأ، قولاً وكتابة، ثم، في وقت لاحق، دعماً للاجئين السوريين داخل الأراضي اللبنانية. مثقفون عرب وقفوا مع الثورة أيضاً، لكن ثمة "خصوصية" للبنان تضعه في موقع مختلف عن غيره من البلدان اتجاه ما يحصل في سوريا، وما سينتج عنه من نتائج وتداعيات على الداخل اللبناني نفسه.

مع تعقد الصراع السوري أكثر، وتحوّله بالتدريج، إلى حرب مفتوحة لا أفق لنهايتها قريباً، كان ثمة آراء لبنانية (وسورية بالطبع) بقيت على انحيازها السياسي للسوريين ومواجهتهم النظام السوري، مع جرعة نقدية عالية تجاه ما كان يتم تصديره على أنه "أخطاء فردية" و"حالات وانحرافات طبيعية". نُشرت العديد من المقالات السورية واللبنانية بنقدية عالية لسلوك المعارضة السورية الرسمية وغير الرسمية.. وكانت مواقع التواصل الاجتماعي تحفل أيضاً ببعض الردود السورية على الكتاب والمثقفين اللبنانيين انطلاقاً إما من "عدم درايتهم الكافية بالشأن السوري" أو "بالتدخل في هذا الشأن".

هكذا، كان ناشطون ومثقفون من سوريا يستأنفون تبخير الآلهة السورية (لا الإغريقية هذه المرة) انطلاقاً من خصوصيةٍ ما مفترضة، كانت هي نفسها تنتفي عندما يتطابق رأيان، لبناني وسوري. الكلام هنا، بالطبع، يأتي من باب التوصيف والمقاربة، لا التعميم، خصوصاً أن أصواتاً سورية عالية النقدية ولا يمكن التشكيك في انحيازها للثورة، كانت تسير بالتوازي مع أصوات لبنانية وفلسطينية ومصرية وعربية عموماً، مع فارق ملحوظ وغير بسيط، وهو أن السوريين لا يمكن أن يواجهوا تهمة "التدخل في الشأن السوري"، فكان أن تم استيلاد تُهم من نوع مختلف ضد من لا يتماهون مع الصراخ والشعارات والأصوات الشعبوية عالية النبرة.

في حالات كهذه، تونس وسوريا، لا يتم التعاطي مع الرأي القادم من خارج البلد بناء على محتواه من وجهة نظر المستمع أو القارئ، بل من زاوية اعتباره "تدخلاً"، ولسنا بحاجة إلى أمثلة وقرائن أكثر من هذا "الاعتبار" للإشارة إلى وجود نظرة ترى البلدان المشرقية "قبائل" معزولة بعضها عن بعض، أو يراد لها ذلك، قبائل إما أن تتفق وتتطابق في كل شيء، أو أن تختلف من منظور عصبي وشوفيني، وتنعزل عن بعضها.

إن التغييرات الكبرى التي تطول البلدان والدول، خاصة إن كان مثل بلداننا، يفترض بها، نظرياً على الأقل، أن تتيح تغيرات في أنماط التفكير وفي مقاربة العلاقة مع الذات والمحيط بطريقة مختلفة

خلاصة القول، إن التغييرات الكبرى التي تطول البلدان والدول، خاصة إن كانت مثل بلداننا، يفترض بها، نظرياً على الأقل، أن تتيح تغيرات في أنماط التفكير وفي مقاربة العلاقة مع الذات والمحيط بطريقة مختلفة. في هذا ما يعطي دوراً أكبر أيضاً للثقافة وانخراطاً أكبر في هذا العالم، بعيداً عن أوهام التطابق والاندماج والوصاية، وأيضاً خارج دعوات الخصوصية والفرادة، والتميّز بوصفه عصبية صاعدة.

أغلب الظن أن التغيرات القادمة في تونس، كائناً ما كان شكلها، ستجعل ما تم ذكره من تقاذف اتهامات تونسية- عربية طيّ النسيان، وطيّ السخرية، من دون أن تلغيه، بحيث يبقى جاهزاً للانفجار في وجه كل صوت نقدي وربما بأشكال أخرى، تبعاً لطبيعة الأزمة أو الكارثة، في تونس وفي سوريا، وفي غيرهما..