في محاولة لتطوير مهارات الصحفيين ورفد ثقافتهم وخبراتهم في المجال الإعلامي، أطلق معهد مصداقية الصحافة Accuracy Press Institute""، بالتعاون مع الأكاديمية السورية للتدريب والاستشارات، وبإشراف وزارة الإعلام، مجموعة من الدورات التدريبية التخصصية.
وتأتي هذه التدريبات من جملة الجهود للنهوض بالواقع الإعلامي السوري ورفع كفاءة الصحفيين بما يحقق رفع سوية الوعي الجمعي وغربلة الشائعات وكشف التضليل، ويؤكد على دور الصحفيين في صناعة الثقافة الاجتماعية ونقل الحقيقة.
الصحافة الاقتصادية بين النظريات والتطبيق
بدأ الأستاذ كمال شيخ علي، تدريبات "الصحافة الاقتصادية" بسؤال: لماذا نحتاج إلى إعلام اقتصادي متخصص.
وخلال الجلسات التدريبية التي تضمنت نقاشات ومقارنات في أحوال الاقتصاد السوري بين زمن نظام الأسد، والاقتصاد الذي يؤسس بعد سقوطه، كان الهدف الأساسي هو الوصول إلى مرحلة من الشفافية يمكن من خلالها وضع جميع القضايا الاقتصادية تحت المكاشفة، ووضع الاقتصاديين بمختلف توجهاتهم في موضع مساءلة.
ركز التدريب على الجولات الميدانية من خلال زيارات قام بها المتدربون إلى: بنك الشام الإسلامي، وسوق دمشق للأوراق المالية، وهيئة الأوراق المالية السورية، ووزارة المالية، ومصرف سوريا المركزي. وهدفت هذه الزيارات إلى ربط المتدربين بأصحاب القرار المعنيين بالشأن الاقتصادي السوري.
ويقول المدرب كمال شيخ علي لموقع "تلفزيون سوريا": "تعاني الصحافة السورية من ندرة الصحفيين المتمرسين في تغطية المواضيع الاقتصادية، وبعد توجه الإدارة السورية الجديدة إلى اقتصاد السوق الحر، صار لزاماً إيجاد صحفيين متخصصين في الاقتصاد قادرين على تحليل الأوراق والبيانات المالية وفهم مصطلحات السوق، وكتابة التقارير الاقتصادية التحليلية".
واستهدف التدريب الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي من المؤسسات الحكومية والخاصة، ولا سيما من المهتمين بالشأن الاقتصادي، كما تم التركيز على مفاهيم مثل: التضخم، وسعر الفائدة، وأنواع التقارير المالية، ومهام المحاسب القانوني، وشفافية السوق، والازدواج الضريبي.. وغيرها.
اختُتم التدريب بتوزيع شهادات صادرة عن معهد مصداقية الصحافة على المشاركين، وذلك بدعم ورعاية وزارة الإعلام ووزارة المالية و"تلفزيون سوريا" و"قناة حلب اليوم".
التحقق الصحفي في مواجهة ثقافة "الترند"
وفي سياق عمله مع الصحفيين السوريين والعاملين في مجال الإعلام الرقمي، أطلق معهد مصداقية الصحافة أيضاً تدريباً بعنوان "فهم التضليل الإعلامي وأدوات التحقق من الخبر".
وركز التدريب الذي قدمه الصحفي زيد مستو، على فهم أسس عملية التحقق من الأخبار وتفنيد الشائعات وفق عقلية نقدية متشككة كما وصفها.
كما طُرحت خلال جلسات التدريب أسئلة حول إذا ما كانت مهمة الصحفي تثقيف المتابعين والجمهور أم عليه نقل الخبر فقط، وأيضاً تعريف المهنية في العمل الصحفي، والتفاوت في السياسات التحريرية بين وسيلة إعلامية وأخرى.
ويقول المدرب زيد مستو لموقع "تلفزيون سوريا": "حاولنا خلال السنوات الماضية استهداف الصحفيين في الداخل السوري، لكننا فيما بعد أحجمنا عن ذلك خوفاً عليه من رقابة الأجهزة الأمنية فقط لكونهم يتعاملون معنا، اليوم نحن في دمشق ونكمل مشروعنا على الأرض بعد أن وصلنا إلى أكثر من 500 صحفي منذ عام 2017".
وتناول التدريب عدداً كبيراً من أدوات التحقق والمواقع المتخصصة في كشف التزييف والتي يمكن للصحفيين الاستفادة منها، وأنواع التضليل الإعلامي المنتشرة حالياً وتقنيات الاستخبارات مفتوحة المصدر "OSINT"، وأدوات الأرشفة والذكاء الاصطناعي وغيرها.
وفي حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" عن التدريب، أوضح الإعلامي محمود خشانة أن التدريب وسّع معارفه حول آليات التحقق من المعلومات وتعلم شيئاً جديداً في مجال العمل الاستقصائي في الصحافة والتعامل مع محركات البحث، يقول: "كان التدريب بمعلوماته ومنهجيته جديداً بشكل كامل بالنسبة إلينا، وهو تدريب غير مسبوق في دمشق".
برامج تدريبية متكاملة لرفع كفاءة الصحفيين
وقال مدير العمليات في معهد مصداقية الصحافة، الصحفي زيد مستو، لموقع "تلفزيون سوريا"، إن المعهد بصدد إقامة تدريبات تخصصية متكاملة ولا سيما مع مرحلة الانتقال السياسي والاقتصادي التي تعيشيها البلاد، وذلك من خلال التعاون مع منظمات المجتمع المدني ووزارة الإعلام، مضيفاً: "تهدف تدريبات إلى تخريج صحفيين متخصصين وربطهم بسوق العمل مباشرةً ومع المعنيين في مراكز صنع القرار".
وتأسس معهد مصداقية الصحافة "Accuracy Press Institute" في واشنطن، في نهاية عام 2016 كمنظمة غير ربحية للثقافة والصحافة المستقلة، تهدف إلى مراقبة الأداء الإعلامي وإنتاج التحقيقات العميقة، وتدريب الكوادر الإعلامية في الداخل السوري، من خلال تدريبات حضورية وعبر الإنترنت في مناطق مثل إدلب وحلب وغوطة دمشق، وفي قلب دمشق مؤخراً بعد سقوط نظام الأسد.
وتقام حالياً مجموعة من التدريبات في مقر الأكاديمية السورية في منطقة كفرسوسة بدمشق وبإشراف مباشر منها، ويأتي ذلك استمراراً لعمل الأكاديمية في مجال التدريب والاستشارات والذي بدأ منذ عام 2021 في مقرها داخل حرم كلية العلوم السياسية والإعلام في إدلب.
وعن ذلك، أوضح مدير العلاقات العامة في الاكاديمية عبادة المقداد، أن انتقال العمل إلى دمشق هو استكمال لمجهود كبير قامت به الأكاديمية في المناطق المحررة قبل سقوط النظام. مضيفاً: "لا تتوقف طموحات الأكاديمية عند حدود التأهيل المهني، بل تتعداها إلى ترسيخ مفهوم الرسالة الإعلامية في صناعة الوعي وهندسة الرأي العام".