تواجه العملية التعليمية في شمال غربي سوريا (أو في المنطقة التي تعرف بـ"المحرر") منذ بداية العام الدراسي الحالي، أزمة في تأمين الكتب المدرسية التي ألقت بظلالها على التلاميذ والمعلمين والأهالي على حد سواء، وعرقلت انطلاقة العام الدراسي بالشكل المعتاد، إذ تحولت الحصص في كثير من المدارس إلى دروس مراجعة وتكرار، في ظل تأخر وصول المناهج الجديدة، ما انعكس سلباً على سير العملية التعليمية، في ظل تأكيد الجهات المعنية أن التوزيع سيُستكمل قريباً لتغطية النقص القائم في مختلف المراحل الدراسية.
وبعد سقوط نظام الأسد المخلوع، ألغت وزارة التربية والتعليم مناهج "حكومة الإنقاذ" السابقة في منطقة إدلب وريف حلب الغربي (المناطق المحررة سابقاً)، في حين اعتمدت الوزارة المناهج القديمة في عهد نظام الأسد، بعد أن خضعت لتعديلات محددة قبل اعتمادها.
تؤكد مصادر لموقع تلفزيون سوريا أن التأخير في توزيع الكتب يعود إلى مشكلات في عمليات الطباعة والنقل، وأن الجهات المعنية تعمل على تدارك النقص خلال الأيام المقبلة، كما يجري التنسيق مع إدارات المدارس لتوزيع النسخ المتوافرة أولاً للصفوف الأساسية، ريثما تصل الدفعات الجديدة لتغطية باقي المستويات الدراسية.
أسباب تقنية تتعلق بالطباعة والنقل
وفي هذا السياق، قالت معاونة مدير التربية في إدلب، جميلة الزير، لموقع تلفزيون سوريا، إن العام الدراسي الحالي انطلق هذا السنة بخطوة نوعية تمثلت في توحيد المناهج التعليمية في سوريا ضمن خطة تهدف إلى توحيد المعايير الوطنية في العملية التربوية على مستوى مدارس شمال غربي سوريا، مؤكدة أن هذه الخطوة تُعدّ الأولى من نوعها بعد سنوات من التشتت بين عدة مناهج دراسية.
وأوضحت الزير في تصريحها أن الكتب الجديدة تأخرت بالوصول لأسباب تقنية تتعلق بالطباعة والنقل، لكنها بدأت بالوصول تدريجياً إلى المدارس، حيث بلغت نسبة التغطية بين 70 إلى 80 % من إجمالي الحاجة في مختلف المراحل الدراسية.
وأضافت أن عملية التوزيع تتم وفق خطة منظمة تراعي الكثافة الصفية والصفوف الانتقالية، بالتعاون مع المنظمات الداعمة وفرق من وزارة التربية والتعليم، مشيرةً إلى أن الجهود مستمرة لاستكمال التوزيع خلال الأسابيع الأولى من الفصل الدراسي الحالي.
وبيّنت الزير أن عدداً من المعلمين لجؤوا خلال الأيام الأولى من الدوام المدرسي إلى طباعة الدروس والمناهج بشكل مؤقت لضمان استمرار العملية التعليمية وعدم توقف الدروس.
الكتب ستوزّع مجاناً
وأكّدت في حديثها لموقع تلفزيون سوريا أن الكتب الرسمية ستوزّع مجاناً على طلاب مرحلة التعليم الأساسي، في حين ستكون الكتب في المرحلة الثانوية بأسعار رمزية لا تُثقل كاهل الأهالي، مشيرةً إلى أن الوزارة ستمنع فرض أي رسوم إضافية على الطلاب في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها المنطقة.
وفي ما يخص المواد الإبداعية، أوضحت الزير أن كتب مادتي (الفن والموسيقى) لم تصل بعد إلى جميع المدارس، ومن المرجح تأجيل توزيعها مؤقتاً ريثما تُستكمل طباعتها وتوريدها.
وأشارت إلى أن وزارة التربية والتعليم قررت إعادة إدراج المادتين ضمن الخطة التدريسية الجديدة إلى جانب تقليص حصص مادتي اللغة الفرنسية والتربية الدينية إلى حصتين أسبوعياً، وهو القرار الذي أثار نقاشا واسعاً في الأوساط التعليمية، خاصة أنه يأتي بعد أن كانت حكومة الإنقاذ السابقة قد ألغت هاتين المادتين خلال فترة إدارتها للمنطقة قبل سقوط النظام البائد.
وسائل تعليمية بديلة
في المقابل، يجمع عدد من المعلمين التقاهم موقع تلفزيون سوريا، أن تأخر توزيع الكتب أثر على انطلاقة العام الدراسي، وأنهم يضطرون منذ بداية العام الدراسي إلى مراجعة الدروس الأساسية بدل التقدّم في المنهاج المقرر، معتمدين حلولاً مؤقتة كتحضير الدروس إلكترونياً وكتابتها على اللوح أو إرسالها للأهالي عبر مجموعات (واتساب)، لتمكينهم من متابعة تعليم أبنائهم في المنازل.
يقول المعلم في مدرسة ابتدائية بمدينة الأتارب بريف حلب الغربي، محمود الأحمد، إن تأخر وصول الكتب الجديدة وضع الكوادر التعليمية أمام صعوبات حقيقية في تنفيذ الخطة الدراسية، خصوصاً في الصفوف الأولى (الابتدائي) التي تعتمد بشكل كبير على الوسائل البصرية والكتاب الورقي لفهم المحتوى.
وأوضح الأحمد في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" أن بعض المدارس في المنطقة لم تتسلّم سوى جزء محدود من الكتب، ما أجبر المعلمين على اعتماد وسائل بديلة، مثل كتابة الدروس على الألواح وتصوير الصفحات وإرسالها عبر تطبيق "واتساب" للأهالي، ليتمكّن الطلاب من مراجعتها في المنازل، مؤكدًا أن هذه الطريقة مرهقة للطرفين وغير كافية لتحقيق الأهداف التعليمية المطلوبة.
وأضاف أن الاعتماد على النسخ الإلكترونية أو الصور لا يمكن أن يعوّض الكتاب الورقي، خاصة في المراحل التأسيسية التي تحتاج إلى متابعة مباشرة، مشيرًا إلى أن غياب الكتب يؤثر على تركيز الطلاب ويُفقدهم الحافز في متابعة الدروس اليومية.
وبيّن الأحمد أن مواد الفن والموسيقى التي أُعيد إدراجها في المنهاج لن تُرافقها كتب في الوقت الحالي، وأن الحصص المخصصة لها تُستثمر في الأنشطة التعبيرية والرسم والنطق السليم، ريثما تصل النسخ الرسمية، معربًا عن أمله في أن تُستكمل عمليات التوزيع خلال الأسابيع المقبلة لتستقر العملية التعليمية بصورة طبيعية.
منصة إلكترونية لتحميل الكتب
وأطلقت وزارة التربية والتعليم في 27 أيلول الماضي، منصة إلكترونية تتيح تحميل الكتب الدراسية المعدّلة للعام الدراسي 2025 – 2026، بهدف تسهيل وصول الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور في مختلف المحافظات إلى النسخ المحدثة من المناهج التعليمية.
وأوضحت الوزارة في بيان لها أن الكتب أصبحت متاحة بصيغة إلكترونية (PDF) عبر الرابط المخصص، بما يتيح تصفحها وقراءتها على الهواتف والأجهزة اللوحية والحواسيب.
وبيّنت أن هذه المبادرة تندرج ضمن خطتها لتطوير العملية التعليمية وتوسيع نطاق الموارد الرقمية، لاسيما بعد إدخال تعديلات جديدة على عدد من المواد الدراسية لتحديث محتواها بما ينسجم مع المعايير الوطنية الحديثة.
لا توجد كتب مستعملة
وعلى إثر التأخير في وصول الكتب، لجأت العديد من العائلات إلى تسجيل أبناءهم في المدارس الخاصة، التي عملت على طباعة الكتب الإلكترونية وتوزيعها على الطلاب، إذ تقول السيدة قمر (37 عاماً)، وهي والدة طالبة في الصف الثالث الابتدائي بإحدى المدارس الخاصة في مدينة معرة مصرين بريف إدلب الشمالي، إن إدارة المدرسة أرسلت النسخ الإلكترونية لجميع المقررات الدراسية، بما في ذلك مادتي الفن والموسيقى، ولم تطلب من الأهالي طباعة المنهاج كاملاً نظراً لكلفته المرتفعة.
وأوضحت في حديثها لموقع "تلفزيون سوريا" أن أحد الأسباب الرئيسية لاختيارها المدرسة الخاصة هو التزامها النسبي بتأمين الكتب الدراسية، إذ يتكرر التأخير في المدارس العامة كل عام، ويتسلم كثير من الطلاب كتباً مستعملة أو تالفة تحمل آثار واجبات سابقة، مما يُفقدها قيمتها التعليمية ويشتّت تركيز الطلاب.
وتتابع قائلة: "لحسن حظ الطلاب هذا العام، المناهج تغيّرت بالكامل، ولا توجد كتب مستعملة كما في السنوات الماضية، لكن السؤال الذي يطرحه جميع الأهالي هو: متى ستصل النسخ الجديدة؟ فكل يوم تأخير يعني تأخراً إضافياً في تعلّم الأطفال ومتابعة الدروس بالشكل الصحيح".
وتشير تهاني إلى أن الأهالي في المدارس العامة يحاولون التعاون مع المدرسة بتبادل النسخ المطبوعة جزئياً، أو مشاركة الصور عبر المجموعات الدراسية على الهواتف المحمولة، مؤكدة أن الحلول المؤقتة ليست بديلة عن الكتاب الورقي الذي يشكّل الركيزة الأساسية للتعلّم، خصوصًا في المراحل الأولى من التعليم.
الكتاب عنصر استقرار نفسي للأطفال
من جهتها، تقول السيدة نسرين (32 عاماً)، وهي والدة طالب في الصف الثالث في مدينة الأتارب بريف حلب الغربي، إن غياب الكتب المدرسية في الأسابيع الأولى من العام الدراسي أربك الأسر وأثقل الأعباء على الأهالي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الطباعة وصعوبة متابعة الدروس دون الكتب الأصلية.
وأوضحت نسرين في حديثها لموقع "تلفزيون سوريا" أن كثيراً من الأهالي اضطروا إلى تصوير الدروس من كتب المدارس الخاصة أو من نسخ إلكترونية شاركها المعلمون عبر مجموعات "واتساب"، مشيرةً إلى أن هذه الطريقة غير عملية، خصوصاً للأسر التي لديها أكثر من طفل، إذ تتضاعف نفقات الطباعة وتزداد صعوبة التنظيم والمتابعة اليومية.
وتضيف أن أبناءها يراجعون الدروس من أوراق مبعثرة أو صور غير واضحة، ما يجعل الدراسة في المنزل شاقة وغير مجدية، مؤكدة أن الأهالي يشعرون بأن أبناءهم بدأوا العام متأخرين عن الجدول المحدد بسبب غياب الكتب، رغم الجهود التي تبذلها المدارس والمعلمون لتدارك التأخير.
واختتمت نسرين بالقول: إن “الكتاب الورقي ليس مجرد وسيلة تعليم، بل عنصر استقرار نفسي للأطفال”، داعيةً الجهات المعنية في وزارة التربية والتعليم إلى تسريع عملية التوزيع وتوفير الكتب بجودة مناسبة، لأن كل تأخير في التعليم اليوم ينعكس على جيلٍ كامل في المستقبل.
يُشار إلى أن وزارة التربية والتعليم أقرت في تموز الماضي اعتماد مناهج العام الدراسي 2024 – 2025 كأساس للمناهج المعتمدة في العام 2025 – 2026، وذلك بعد استبعاد جميع الرموز والمضامين المرتبطة بالنظام البائد.