تأثير الفراشة السورية

تاريخ النشر: 16.12.2021 | 05:55 دمشق

يتيح الوعي الشعبي السائد بالمصطلح الذي يحمل اسم "تأثير الفراشة Butterfly Effect"، للكثيرين أن يحيلوا أسباب كوارث كبرى يعيشونها، إلى عوامل صغرى، يكشف التحليل العلمي أنها محدودة الفعالية!

ولمن لا يعرف، نقول: إن هذا التعبير المجازي، يقوم في سطحه الأول على افتراض أن رفة جناح فراشة صغيرة في مكان ما، قد يصنع الأعاصير في مكانٍ آخر.

لكنه كفكرة مثيرة، يستفيد من الارتكاز الحساس والمهم للحدث، على الظروف الأولى المحيطة له، ويعتمد على كون الفروق الصغيرة في الحالة الأولى لنظام متحرك—ديناميكي قد ينتج عنها في المدى البعيد فروقات كبيرة في تصرفات وسلوكيات هذا النظام. (ويكيبيديا)

غير أن الثقافة الشعبية في تعاطيها مع الأمر، الذي تسميه عادة بأثر الفراشة، وربما بسبب استخداماته غير العميقة في بعض حكايات السينما والدراما، وفي كثير من الروايات والقصص، تقلص الطيف العلمي الدقيق للمفهوم، لتجعل من ومضة ما في زمان ومكان محددين، سبباً مثبتاً، أدى لحصول حدث كبير!

الأمثلة المقترحة عن "تأثير الفراشة" كثيرة في الفيزياء، أما في سياق التدليل على الأزمات حول العالم، فإننا نعثر على مثال طريف، ربما يختصر علينا الشروحات المطولة، حيث أورد ليونارد سميث في كتابه "نظرية الفوضى، مقدمة قصيرة جداً"، النسخة التالية من أغنية الأطفال المعروفة في تقويم "بور ريتشاردز ألماناك" في عام ١٧٥٨م الذي نشره بنجامين فرانكلين، والتي تقول:

"بسبب غياب مسمارٍ فُقِدت الحدوة،

بسبب غياب الحدوة فُقِد الجواد،

بسبب غياب الجواد فُقِد الفارس،

إذ اختطفه العدو وذبحه

ولعدم وجود فارس هُزِموا في المعركة"

وبحسب سميث، وأيضاً فرانكلين، فإن هذه الأغنية البسيطة والتي تبني سردية كبيرة بناء على حدث صغير، ويتم تكرارها في "سياق التحذيرات من الفوضى في كل مكان، وحتى في دور الحضانة" تؤكد على فقدان المملكة لوجودها بسبب حدوة الحصان المفقودة!

ومن الأمثلة المحلية المستخدمة بكثرة في يومياتنا السورية قول البعض بأن سجن النظام لأطفال درعا هو سبب انطلاق الثورة السورية، فيفترضون أن زيارة مفترضة لبشار الأسد للمدينة، كانت تكفي، لكيلا تستمر التظاهرات! متجاهلين الظروف الاقتصادية والسياسية الرازحة في سوريا طيلة عقود، إضافة إلى سياسة الإفقار التي اتبعها النظام بحق كل السوريين، وصولاً إلى لحظة الانفجار الكبير الذي شهدته المنطقة والذي نعرفه باسم الربيع العربي، ويغيب عن هؤلاء أساساً أن النظام لا يقبل أبداً أن يقف أحد في وجهه ليقول؛ لا! ولهذا كان يريد قتل الثائرين، وقد فعل، فتدحرجت كرة النار صوب كل البلاد!

ومن الأمثلة أيضاً، القول بأن مقتل القائد الميداني عبد القادر صالح (حجي مارع) هو السبب الذي أدى إلى عودة سيطرة النظام على الأحياء الثائرة في مدينة حلب، حيث يتم نسيان الظروف التي رافقت دخول الفصائل المسلحة إلى المنطقة، ومحاولات "القوى المتطرفة" انتزاع السيطرة من الجيش الحر، مروراً بالقصف البراميلي الأسدي اليومي، الذي أحال حياة الحلبيين إلى جحيم، وتقاعس الدول عن حماية المدينة من هذا الإجرام!

وطبعاً هناك استخدامات متداولة لمفهوم تأثير الفراشة بين المثقفين والسياسيين على حد سواء، تستند في ديناميكيتها إلى الوعي الشعبي ذاته، ولكنها تغلف نفسها بأطر مزوقة، ولغة منمقة. ومن نماذجها، ادعاء البعض بأن سقوط النظام في سوريا لو حصل، كان ومازال، سيؤدي إلى انهيار في النظام العالمي، ولهذا فإن ثمة مؤامرة عظمى، تشترك فيها كل الأطراف الدولية والإقليمية والعربية، تهدف إلى إفشال ثورة السوريين!

وطبعاً لا تخلو طروحات كثيرين من الجدية، حينما تفترض أن الدعم الخليجي للقوى المسلحة، كان هو رأس الحربة في مستقر زورق الثورة في نهرها المتلاطم، من الضفة الديموقراطية المدنية إلى ضفة الإسلام السياسي، ما أدى في المحصلة إلى وضع مستهجن؛ سيطرت فيه الفصائل الجهادية على الأرض، وتراجع الدعم الدولي، واستغلال النظام وروسيا للواقع، والعمل على استعداء العالم للثورة وللثائرين!

بينما تقول الحقائق: إن المجتمع السوري ذاته حمل في وعي فئات كثيرة من أفراده، ولأسباب تاريخية، ساهمت فيها التطورات السياسية المحلية، وعوامل تأثير مختلطة بين الداخلي والعربي الإسلامي حول العالم، إمكانية الانسياق إلى الأفكار الجهادية، ذات التجليات العنفية، والتي يسر النظام تناميها، كما استغل في الوقت نفسه، العنف لدى المنظمات اليسارية المتطرفة، من أجل أن يدفع كل القوى السياسية صوب الهاوية، وصولاً إلى إجباره المجتمع بشكل كامل، على الاستقالة من السياسة!

مشكلة هذا التحليل القاصر، هي أنه لا يرى السياقات المتعددة المكونة لحركية التاريخ، وينظر إلى الواقع بوصفه حالة سكونية، يطرأ الحدث عليها، ولا يربط بين العوامل التكوينية في نشوء أي قضية أو أزمة، وبالإضافة إلى ذلك، يعزل حركية الوقائع عن إرادة الفاعلين، ويعتمد الصدفة غير المتوقعة، ولا يرى الضرورة!

ولما كان تحليل الظواهر العلمية يحتاج إلى أدوات ومناهج ذات نوعية خاصة، فإن استخدامها ذاتها في قراءة السياسة سيحول العلاقات في مسار التاريخ إلى حركية ميكانيكية، ساذجة!

وبمعنى مبسط؛ أصل فساد هذا التفكير يبدأ من أنه لا يبذل جهداً في دراسة التفاصيل، ولا يسعى أصلاً لمعرفتها بوصفها سلسلة مترابطة، بل تستهويه مواضع انكسار حلقاتها، ليجعل منها مادة أو بؤرة الانطلاق لما جرى ويجري، فيحيل النصر إلى إرادة غيبية غير بشرية، ويجعل الهزيمة شأناً دنيوياً، يصنعه الفرد، وتتورط فيه الجماعة، بشكل قدري، دون إرادتها!

كلمات مفتاحية