icon
التغطية الحية

بين نيتشه الزند وميكافيلي الجنرال.. مفهوم السلطة القسرية في الدراما السورية

2023.04.02 | 11:20 دمشق

مسلسل "الزند" ومسلسل "ابتسم أيها الجنرال"
مسلسل "الزند" ومسلسل "ابتسم أيها الجنرال"
+A
حجم الخط
-A

لم يكد السباق الدرامي الرمضاني يصل يومه العاشر، حتى كان الغليان والحماسة في أوجهما. فبالنظر إلى الكم الهائل من الأعمال الرمضانية يتربع عملان على سلّم الاهتمام الجماهيري هما: "ابتسم أيها الجنرال" من بطولة مكسيم خليل وتأليف سامر رضوان وإخراج عروة محمد وإنتاج "ميتافورا"، ومسلسل "الزند" من بطولة تيم حسن وتأليف عمر أبو سعدة وإخراج سامر البرقاوي ومن إنتاج "الصباح أخوان".

قصة الزند والجنرال

تدور أحداث مسلسل "ابتسم أيها الجنرال" حول أسرة حاكمة متجبرة مستولية على مقاليد الحكم في البلد، وينشأ صراع بين أخوين، أحدهما ورث الرئاسة عن أبيه، ومحور الصراع يتمركز حول السلطة والنفوذ في البلد من دون مراعاة مصلحتها ومصلحة المواطنين.

بينما تنناول قصة "الزند" حياة شاب يعيش في إحدى مجتمعات الفلاحين الإقطاعية قتل والده أمام عينيه من رجال الباشا الذي يحاول الاستيلاء على الأراضي، فيهرب بعد أن يحاول قتل من قتل والده، ويسافر ويتم خدمته العسكرية في جيش السلطنة العثمانية ليعود لاحقاً ويحاول الانتقام واستعادة أرضه.

الزند
بوسترات مسلسل "الزند" ومسلسل "ابتسم أيها الجنرال"

فإذا كانت أحداث الزند تدور في مجتمع المسحوقين وتطلّعهم إلى بصيص ثورة في ظل حكم متهاوٍ اقترب أجله (نهاية الدولة العثمانية) فإن أحداث "الجنرال" تدور في أروقة القصور الرئاسية والمكاتب والفلل الفخمة التي تدار منها البلاد، وتحديداً رأس الدولة (رئيس الجمهورية) الذي ورث الحكم بنفس المنطق الذي ورث فيه الباشا الحكم في الزند.

خط متصل

ورغم ما يمكن أن يبدو بعداً زمانياً بين أحداث العملين (الجنرال 2005، الزند -1916- 1879) فإن ثمة خيطا واحدا جليّا مشتركا بدا يبزغ مع أولى الحلقات التي قدمها العملان، ألا وهو مفهوم السلطة، بكلّ تعقيداته وفلسفته الكامنة وراء سلسلة متصلة من مفردات الحكم وكيفية فرض قسري لهذا الحكم، ليغدو سيفاً مُصلتاً على رقاب الرعية مهما كان شكلها (فلاحين أو مدنيين)، وبمعنى أدقّ "إرادة القوة" المصطلح الأشهر الملهم لفلسفة الألماني "فريدرك نيتشه".

والممتدة –يا للمفارقة- بقوة وإن كانت بأشكال مختلفة عند نيكولو ميكافيلي الفيلسوف الإيطالي الشهير وصاحب مقولة "الغاية تسوّغ الواسطة".

إن فلسفة ميكافيلي خارج حدود السياسة تشبه فلسفة نيتشه من حيث إنها تدعو للعقلانية في اتخاذ القرارات بعيدًا عن المُثل الملائكية وكلا الفيلسوفين يدعوان إلى التعامل مع العالم كما هو وليس كما نريده أو نتخيله أن يكون، بمعنى أدقّ لا أخلاق في السياسة والحكم، والناس ليسوا سواسية!

وهنا تتربّع مقولة "الغاية تسوّغ الواسطة" التي استخدمتها سلطة الأمر الواقع في كلا العملين، فالأول (ابتسم أيها الجنرال) تبدأ حلقاته دائماً بحكمة لميكافيللي مقتبسة من كتابه الأشهر "الأمير" لنكتشف لاحقاً أن ثمة تجلّيا صارخا للمقولة في الحلقة نفسها، وفي الوقت نفسه تزخر حلقات الثاني (الزند) بعبارات نيتشه على لسان بطله "عاصي" الجندي الذي سافر وحارب وعاد لاستعادة حقه في أرضه من ظلّامه وقتلة والده.

عاصي
"الزند" بعد مقتل والده

ورغم النقد الذي طال "الزند" بسبب عدم منطقية معرفة الشخصية الرئيسية (عاصي– تيم حسن) بنيتشه كونه ابن فلاح وفي ذلك الزمان أنّى له أن يسمع بنيتشه، فإن صناع العمل قدموا مبرراً درامياً كافياً باعتقادنا لذلك، إذ سافر عاصي لمدة تصل إلى 15 عاماً غاب فيها عن مجتمعه المنغلق وحارب في بلاد البلغار وغيرها من حروب السلطنة في عهدها الأخير ووطد علاقات طيبة مع كبار الضباط (مثال صداقته مع قائد درك حمص) ولذلك تهيأت له فرص كبيرة ليسمع مقولة هنا وهناك لنيتشة من قبل ضابط أو باشا أو قائد عسكري كبير، فنيتشه الذي توفي عام 1900 ورغم أن نظريته لم تكن قد جابت العالم فإن أفكاره كانت تتداول على الألسن في أوروبا قاطبة.

تيم
تيم حسن في مسلسل الزند

أما في "ابتسم أيها الجنرال" الذي تعرض لانتقادات كثيرة حتى قبل عرضه، من أبرزها انتهاج مبدأ الفانتازيا حيث لا زمان ولا مكان للأحداث، إذ لم يقدم صناع العمل اسماً حقيقياً لدولتهم أو للدولة الجارة (الغربية) ولا لاسم جنرالهم (فرات).

لن نخوض في سرد "الحدوتة" لكلا العملين فهما معروفان للمتابعين، ولكن عشر حلقات من كل عمل كانت كفيلة برسم تصوّر واضح لمفهوم السلطة المعالج فيهما.

في "ابتسم أيها الجنرال" صراع محتدم على السلطة بطله الميكافيلية بكلّ تجلياتها فتبدأ الحلقة الأولى منه بمقولة أن "الأسس الرئيسية في كل دولة، هي القوانين الجيدة والأسلحة الجيدة وحيثما توجد الأسلحة الجيدة، هناك قوانين جيدة حتماً"، لتتبعها في الحلقة الثانية مقولة "من الأكثر أماناً أن يخافك الناس على أن يحبوك".

حليب
مكسيم خليل في مسلسل ابتسم أيها الجنرال

وعلى ذلك، يبدو الجنرال حريصاً على زرع الرعب في من حوله بدافع طفولي أناني عبّر عنه صناع العمل في أول لقطة في المسلسل برشفة مفاجئة لكأس الحليب المركون على مكتب الرئيس، فالرئيس الطفل في مأزق ولن يسعفه في الخروج منه هذا الحمل الثقيل الذي ورثه عن والده إلا الرعب والقتل إن دعت الحاجة إليه، فالغاية تسوّغ الواسطة أو كما يقال: الغاية تبرر الوسيلة، وهذه الحكمة الميكافيلية كانت عنوان الحلقة السادسة التي يقتل فيها الجنرال فرات العميد أصلان المعارض لميراثه لحكم أبيه الراحل داخل أحد المساجد، رغم ورود الجملة على لسان القاتل قبل لحيظات بأنه "ما بدنا دم في الجامع"، إلا أن ما حدث هو الدم بالفعل والذي أريق على سجاد الجامع بكل ما يحمل من رمزية قدسية تحت مبرر ميكافيللي وحيد: "الغاية تبرّر الوسيلة".

مكسيم
مكسيم خليل من مسلسل ابتسم أيها الجنرال

في حين تظهر سمات الفلسفة الهتلرية النيتشاوية –إن صح التعبير- في شخصية عاصي الشقيق الأهوج والذي يرى أن سلالته الحاكمة أرفع من أن يتمّ تناولها بكلمة واحدة، فهو على استعداد أن يقتل ويذبح بل ويرسل ميليشيات لتفجر قناة تلفزيونية في دولة أخرى، "لما يكون الموضوع بخص شرف العيلة مافيني إسكت"، فالآخرون أقزام وعبيد والعائلة هي النخبة وهي صاحبة الدم الأزرق.

وربما لهذا السبب لم يتطرق المسلسل -حتى الآن على الأقل- إلى عامة الشعب، فجميع الشخصيات التي وردت حتى الحلقة العاشرة هي من أصحاب السلطة والمال والتي تدير شؤون البلاد سياسياً وأمنياً واقتصادياً، من دون المرور على عامة الشعب أو رصد أو تصوير أي لقطة تظهر ما كان الوضع عليه.

وبالرغم من أن منطق القوّة هو الراسخ لدى الجنرال في التعامل مع أي طارئ، فإنه لا يمكن أن يكون مبدأ دائماً، رغم أنه حاول استخدامه ضد شقيقه (عاصي) في مشهد اقتحام بيته، ليعود ويتراجع ويحتكم إلى مقولة ميكافيللي التي افتتحت بها الحلقة التاسعة: "لا تحاول أبداً أن تكسب بالقوة ما يمكن أن تكسبه بالخداع".

كتاب
نورس باشا في مسلسل الزند

على المقلب الآخر في مسلسل الزند ينهض "نورس باشا" من رأس الطاولة في مأدبة عشاء دعا إليها الباشاوات وأصحاب المقامات الرفيعة ليقول إن "ولاد الفلاحين ما ممكن يتعلموا"، ويتجه إلى مكتبته ويتناول كتابَ "مقال في عدم مساواة الأجناس البشرية" للكاتب الفرنسي آرثر دو غوبينو الصادر عام 1853، ويتلو على الحضور نظريته المؤمن بها والمتلخصة في أن الجنس البشري ليس واحداً إطلاقاً بل هو عبارة عن طبقتين: طبقة النخبة (كالجالسين في المأدبة)، وطبقة العبيد (كالفلاحين) الذين لا يمكن لعقلهم أن يستوعب التعليم أو الوعي، ولذلك لا يوجد داع لبناء المدارس لهم بل من الأفضل أن يبقوا بلا تعليم.

زند
آرثر دو غوبينو (1816-1882)

"نيتشه وميكافيلي" قد يكونان اسمين مغيّبين لدى كثير من عامة السوريين، لكنهما ومع عرض العملين عادا إلى الحياة وعاد اسمهما إلى محركات البحث من جديد، وهذه إيجايبة تحسب للعملين، بصرف النظر عن الانتقادات الفنيّة الموجهة لهما.

السلطة الديكتاتورية تنظر للعامة بعين السيد الذي يحكم قطعاناً لا حول لها ولا قوّة ولا صوت لها طالما أنها تأكل وتشرب (كنا عايشين) وهو مفهوم مشترك بين العامة في كلا العملين، ولا ينتشل هذه القطعان من عبوديتها إلا من يسبح عكس تيارها ليكون "عاصياً" لها موقداً شرر الثورة وهذا حرفياً ما بدأ "الزند" بالتمهيد له، وما هو متوقع من نهاية لـ "الجنرال".