icon
التغطية الحية

بين قاعة التراث وجناح الحداثة.. مساران في معرض دمشق الدولي للكتاب

2026.02.12 | 18:13 دمشق

من أجنحة معرض دمشق الدولي للكتاب
من أجنحة معرض دمشق الدولي للكتاب ـ تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- شهد المعرض الدولي للكتاب بدمشق حضورًا كبيرًا وتنظيمًا جيدًا، لكن بعض الفعاليات أثارت تساؤلات حول التوازن الثقافي، مثل ظهور شعارات دينية وغياب شخصيات أدبية بارزة.
- تميز المعرض بتباين في المحتوى الأدبي بين الكتب الدينية والحداثوية، مع غلبة الأمسيات الشعرية الكلاسيكية، مما أثار تساؤلات حول غياب التجديد الأدبي.
- رغم تسجيل مبيعات كبيرة، شكلت الأسعار المرتفعة عائقًا للزوار، وأثار غياب إصدارات الهيئة العامة السورية للكتاب استياءً، مما أثر على نوعية الجمهور وأثار تساؤلات حول العدالة في توزيع الميزات.

في اليوم السادس من المعرض الدولي للكتاب بدمشق، يبدو الوضع طبيعياً ومريحاً، فالزوار يتقاطرون جماعات بأعداد كبيرة جداً، والباصات تقلهم من "باب توما" و"البرامكة" بانتظام، كما قامت الإدارة بوضع مخطط عام للمعرض، حتى يكتشف الزائر أماكن توزع الأجنحة والقاعات..

لكن عند الوصول للساحة التي تتوسط الأجنحة، سيتفاجأ الضيوف، برتلٍ كبير من الأطفال الصغار، يخرج من إحدى القاعات، يقوده شيخ، يهتف بشعاراتٍ دينية، والرتل يرددها وراءه. فيتساءل المتابع، إن كان المشهد طبيعياً، في معرض دولي للكتاب، تشارك فيه 35 دولة، و500 دار نشر عربية ودولية، تقدم ثقافاتٍ متنوعة وآراءً من كل الاتجاهات؟.

الزوار في أحد أجنحة المعرض "تلفزيون سوريا"
الزوار في أحد أجنحة المعرض "تلفزيون سوريا"

تواقيع كتب وضفتان في المعرض

بالمقابل، سيكون من الجيد، العثور على الروائي خليل صويلح، وهو يوقع "جنة البرابرة" في جناح دار "نينوى"، وإلى جانبه الشاعر منذر مصري، يوقع مجموعتة الكاملة، في جناح دار ميسلون، فذلك سيخفف من شعور الزائر بـ"أحادية" معينة، تطبع المعرض منذ افتتاحه في اليوم الأول.

يؤكد أصحاب دور النشر، أن مطبوعاتهم المشاركة في المعرض، لم تخضع للمراقبة نهائياً، وهي نقطة تبعث على الارتياح، لكن بعضهم من العرب، يخبرنا بأنه استبعد طوعياً بعض مطبوعات الدار، لاعتقاده بأنها "غير مناسبة"، لكننا سنعثر في جناح دار "النهار"، في القاعة الثانية، على المجموعة الكاملة للشاعرة اللبنانية جمانة حداد، وكتاب عن خليل حاوي، على عكس القاعة الأولى المسماة قاعة التراث، التي احتشدت فيها الكتب الدينية.

ضفتان متناقضتان حضرتا في المعرض، ضفة الكتب الدينية المختصة بالفقه والمذاهب، ونبش الخلافات الإسلامية منذ مئات السنين، وأخرى حداثوية، أفردت مساحات للفكر والفلسفة والشعر العالمي والعربي الحديث، مع تقنيات السرد في الروايات العالمية.. لكن الاحتفاء بالقصيدة العمودية المغناة بخطابة، قضى عهدها كما يجمع النقاد، سيتصدر مشهد الأمسيات الشعرية، وستبدو قصيدة النثر مقصاة من المنابر، فيتساءل الزائر إن كنا سنعيد الجدل، حول أسئلة نقدية حُسمت منذ منتصف القرن الماضي، عندما كتب السياب قصيدة "مطر"، مع ما كتبته نازك الملائكة، وشكلا معاً بداية لعهد جديد من الكتابة!.

ربما يتحمل المسؤولية في ذلك، دور النشر "الحداثوية" نفسها، التي كان من المفترض أن تدعو لأمسيات شعرية وندوات وتواقيع كتب واحتفاءات، أسوةً بما جرى في ضفة الكلاسيكيات!.

غاب فراس السواح عن المشهد، فلم يُعلن عن توقيع مجموعته الضخمة التي طبعتها دار "التكوين"، والتي تعتبر من الكتب التاريخية والفكرية المهمة، باعتبارها تعود إلى جذور القضايا المختلف عليها فكرياً، مستندة إلى ما اكتُشف من نصوص منقوشة على الرقيمات والفخاريات، في فترات ما قبل الميلاد.

الازدحام في أجنحة معرض دمشق للكتاب "تلفزيون سوريا"
الازدحام في أجنحة معرض دمشق للكتاب "تلفزيون سوريا"

أمسيات شعرية كلاسيكية

حتى إذا ما قسنا الأمر بالنسبة للأمسيات الشعرية المقامة على هامش المعرض، فإن الاحتفاء بنصوص الخطابة والقصيدة العمودية، على حساب غياب قصيدة النثر، كان يؤكد ذلك الانطباع، برجوح كفة الكلاسيكيات والنظم، على كفة نصوص قادمة من جوائز عالمية وعربية، مثل "البوكر" وغيرها. وكم تمنى الجمهور، لو أدرج المعرض جلسة حوارية حول النص السردي الجديد، مع خليل صويلح، الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2018، عن روايته "اختبار الندم"، أو لقاء مع منذر مصري صاحب التجربة المميزة في قصيدة النثر، لكن الجمهور كان مضطراً لاستقبال ندوات وأمسيات شعرية كلاسيكية، لا تضيف للمشهد الإبداعي شيئاً، سوى أن أصحابها تعرضوا للاضطهاد أيام الثورة، وتلك قضية يفترض فصلها نقدياً عن النص، وتقويمه إبداعياً، ومدى الاحتفاء به!.

الأمر يبدو مفهوماً، في أول عودة للمعرض بعد  التحرير. فالكتب الدينية التي عانت من الإقصاء والمنع لفترة طويلة أيام النظام المخلوع، كان من الطبيعي أن تحاول استرداد مكانتها، لتحصل على مكاسب في حجز الأمكنة المتصدرة والنشاطات، لكن المفارقة أننا ونحن نعود أدراجنا نحو ثقافة الماضي، واختلافات الأئمة والمذاهب، ستقدم السعودية وقطر، ضيفتا الشرف في المعرض، شيئاً مختلفاً وأكثر حداثوية، من ذلك الاتجاه الذي غلب في الثقافة السورية. كأننا كنا عائدون إلى مرحلة، سبق أن غادرها أهل الخليج منذ زمن طويل، بعد أن اختبروها فكرياً واجتماعياً وإبداعياً، واستناداً لهذا، كانت بعض المفارقات تشير إلى ذلك، مثل مشاركة الفرق الشعبية السعودية والقطرية، بحفلات ضمن الساحة العامة، يمكن أن يشاهدها الزائرون قبل دخولهم القاعات.

وبينما كان موسيقي سعودي، يعزف على العود بالقرب من الجناح الخاص بدولته، أغنيات شامية شهيرة مثل "يا طيرة طيري يا حمامة"، لم تتمالك بعض النساء الشاميات نفسها، فصدحت حناجرهن بالغناء مع موسيقا العود، لكنهن تعرضن لانتقادات على السوشيال ميديا بعد نشر الفيديو. كانت هذه الحادثة، تمثل ما يفضله الاتجاه الشعبي، المنفتح والممسك بالأصالة والحداثة معاً.

في الجناح السعودي، تشارك النساء بالغناء مع أحد العازفين "تلفزيون سوريا"
في الجناح السعودي، تشارك النساء بالغناء مع أحد العازفين "تلفزيون سوريا"

الأمر يتكرر في الجناح القطري، حيث تعرض وزارة الثقافة القطرية، إنجازاتها الفكرية والأدبية، مع إصدارات تخص الشعر والذكاء الصناعي وتدريب الأطفال على الفكر الحديث، عدا عن إبهارات بصرية ومعروضات، تؤكد منهجهم في تبني التجديد والابتكار الحديث.

صحيح أن أصحاب جميع الاتجاهات كانوا موجودين، من دور نشر وكتب وشخصيات جاء بعضها من الخارج على حسابه، دون دعوات خاصة، لكن المعرض كان يحتاج شيئاً من العدالة في توزيع الميزات، لأن تلك النقطة، أثرت بشكل ما على نوعية الجمهور الزائر للمعرض، حيث غلب بشكل كبير، الجمهور المحافظ، تبعاً لكثرة النشاطات المخصصة له.

أين مطبوعات الهيئة العامة السورية للكتاب؟

لا أحد يختلف على ضرورة القطع مع شعارات النظام البائد، وأسلوبه في إقحام الخطابة والتمجيد المجاني، إلى سوق الإبداع، لكن تلك القاعدة المطبقة في المعرض، ضيّعت الصالح مع الطالح، كما يقول المثل الشعبي. فجناح الهيئة العامة السورية للكتاب، كان فارغاً من الكتب! رغم أنها صاحبة آلاف المطبوعات المهمة في الشعر والنقد والفكر والتراث، وعندما سألنا الموظف: "أين كتب الهيئة؟ هل نفدت كتب حنا عبود وإحسان هندي وفايز خضور.. وغيرهم كثير"، قال الموظف إن المعروضات مقتصرة على إصدارات عامي 2025 و2026!.

كان الزائر محدود الدخل، يتذكر بحسرة، أيام المعارض القديمة، حين كان الجمهور يحتشد أمام جناح الهيئة العامة السورية للكتاب، وجناح اتحاد الكتاب العرب، في يوم الافتتاح، وما إن تفتح الأجنحة أبوابها للبيع، حتى يهرع  الناس لاقتناء أهم الترجمات والمؤلفات بأرخص الأسعار، هكذا حصل كثيرون على كتاب "تاريخ الآداب الأوروبية" بأجزائه الثلاثة، بـ500 ليرة، إضافة لكثير من الروايات العالمية المترجمة، أغلاها بـ100 ليرة و50 ليرة. فهل كان من المفترض القطع مع هذا النوع من الإصدارات وحرمان الجمهور منه، بذريعة أنه من إرث النظام السابق؟.

من حفل توقيع الروائي خليل صويلح "تلفزيون سوريا"
من حفل توقيع الروائي خليل صويلح "تلفزيون سوريا"

ارتفاع الأسعار هو المشكلة

وتبعاً لما قاله سعد نعسان، مدير معرض دمشق الدولي للكتاب، في لقاء مع الإخبارية السورية، فإن المعرض سجل مبيع 60 ألف كتاب، خلال الأيام الأربعة الأولى من انطلاقه، ما اضطر الإدارة لتخصيص فريق يساعد الزوار على حمل كميات الكتب الكبيرة التي اشتروها!. لكن ومن خلال تتبعنا لأسعار دور النشر، فإن متوسط سعر الكتاب وصل إلى 5 دولار، عدا عن بعض العروض التي هبطت إلى 2.5 دولار، واعتماداً على ذلك، يكون السوريون قد دفعوا ما يقارب 300 ألف دولار، ثمناً للكتب التي اشتروها خلال الأيام الأربعة الأولى!. لكن جميع من التقيناهم، اشتكوا من ارتفاع الأسعار، مقارنة بالدخل المتواضع للمواطن السوري، فمن الذي اشترى 60 ألف كتاب خلال 4 أيام إذن؟ خاصة أن راتبه لا يتجاوز 90 دولاراً؟.

أحد الأجنحة، وضع لافتة عريضة كُتب عليها: "جناح الكتب المخفضة"، ثم وزع عدة إعلانات جانبية تقول: "أي كتاب بـ250 ليرة"، وكانت الناس تقبل بسرعة، وتتنقل بين الرفوف حاملة عدة كتب، لكنها عندما تعلم أن المقصود بـ250 ليرة، هي الليرة السورية الجديدة، أي 25000 ألف ليرة قديمة، كانت تعيد الكتب لأماكنها، إلا من كان قادراً على التضحية بـ100 ألف ليرة لقاء 4 كتب!.

سعيدون فعلاً بعودة معرض الكتاب، فإحياء هذا الطقس، جزء من عودة البلاد للحياة الطبيعية بلا شك، ورغم العثرات والثغرات العديدة في المعرض، إلا أن إنجازه هذا الشهر، وربما بمدة قصيرة، يعتبر باعث اطمئنان، لكنه لا يغشي عيوننا عما يفترض تجاوزه لاحقاً، وذلك حتى يأتي "خير جليس" فيجتمع بالأنام، ولا يتفاجأ بأنهم "نيام"!.