icon
التغطية الحية

بين عقود الاستبداد وآثار الحرب.. كيف تأثر تصنيف دمشق في مؤشر "الإيكونوميست"؟

2026.08.07 | 18:47 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.09 | 13:00 دمشق

1
دمشق المدينة الأقل قابلية للعيش في العالم حسب (الإيكونوميست ) - (CNN)
يزن البوش - تلفزيون سوريا
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- احتلت دمشق المركز الأخير في مؤشر قابلية العيش لعام 2026، حيث حصلت على 32 نقطة من أصل 100، مما يعكس تدهورًا في الاستقرار والرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية والثقافة والبيئة.
- قبل الثورة السورية، كان الاقتصاد السوري يواجه تحديات هيكلية مثل ارتفاع البطالة واعتماد كبير على القطاع العام، وتفاقمت هذه التحديات بعد 2011 بسبب الحرب، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية ونزوح الملايين.
- بعد 2024، شهدت دمشق تحسنًا في بعض القطاعات مثل الرعاية الصحية، لكن التحسن الشامل يتطلب معالجة قضايا معقدة مثل الاستقرار الأمني والاقتصاد والتعليم.

لم يكن احتفاظ دمشق بالمركز الأخير عالميا في مؤشر قابلية العيش لعام 2026 مفاجئا بقدر ما أثار الطريقة التي فسّر بها التقرير أسباب هذا الترتيب. ففي حين أشار مؤشر قابلية العيش الصادر عن وحدة المعلومات الاقتصادية التابعة لمجلة "الإيكونوميست"، الخميس، إلى أن العاصمة السورية تواصل التعافي، وربط أول تحسن ملحوظ في قطاع الرعاية الصحية بسقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، يرى مختصون أن هذا التفسير، رغم استناده إلى تطورات حديثة، لا يحيط بجميع العوامل التي أوصلت دمشق إلى ذيل التصنيف العالمي.

فالمؤشر، الذي يعد أحد أبرز المراجع الدولية المستخدمة من قبل الشركات متعددة الجنسيات لتقييم بيئات العمل وتحديد بدلات الموظفين العاملين في الخارج، منح دمشق 32 نقطة فقط من أصل 100، لتأتي في المرتبة 173 والأخيرة بين 173 مدينة شملها التصنيف، بعدما حصلت على 20 نقطة في الاستقرار، و33 في الرعاية الصحية، و33 في التعليم، و32 في البنية التحتية، و41 في الثقافة والبيئة.

ما الذي يقيسه المؤشر؟

يؤكد الخبير الاقتصادي أيمن الشيخ في حديث لموقع "تلفزيون سوريا" أنه قبل مناقشة ترتيب دمشق، من الضروري فهم طبيعة المؤشر نفسه.

فمؤشر قابلية العيش الذي تصدره وحدة المعلومات الاقتصادية (EIU) لا يقيس مستوى دخل السكان، ولا كلفة المعيشة، ولا معدلات الفقر أو البطالة، كما لا يصنف الدول وفق مستوى الديمقراطية أو الحريات السياسية بصورة مباشرة.

بدلا من ذلك، يقيس قدرة المدينة على توفير بيئة مستقرة ومناسبة للحياة والعمل، من خلال أكثر من ثلاثين مؤشرا فرعيا موزعة على خمسة محاور رئيسية هي:

  •  الاستقرار.
  •  الرعاية الصحية.
  •  التعليم.
  •  الثقافة والبيئة.
  • البنية التحتية.

ويمنح المؤشر وزنا كبيرا لمحور الاستقرار، الذي يمثل ربع النتيجة النهائية تقريبا، ويشمل تقييم المخاطر الأمنية، والاضطرابات المدنية، واحتمالات النزاعات، ومستويات الجريمة والإرهاب. ولهذا فإن أي تراجع في هذا المحور ينعكس مباشرة على الترتيب العام للمدينة.

وهذا ما يفسر إلى حد بعيد بقاء دمشق في المرتبة الأخيرة، بعدما حصلت على 20 نقطة فقط في الاستقرار، وهي أدنى درجاتها بين جميع المحاور.

أول إشارة إيجابية منذ سنوات

ورغم النتيجة المتأخرة، حمل تقرير هذا العام تطورا لافتا لم يرد في النسخ السابقة، إذ أشار للمرة الأولى إلى أن العاصمة السورية تشهد تحسنا في قطاع الرعاية الصحية، وربط ذلك بالمتغيرات التي أعقبت سقوط النظام نهاية عام 2024.

غير أن التقرير لم يقدم أرقاما توضح حجم هذا التحسن، ولم يبين إن كان ناجما عن إعادة تشغيل المستشفيات، أم تحسن الإمدادات الطبية، أم توسع خدمات الرعاية، واكتفى بوصفه بأنه تحسن ملحوظ.

وبالنسبة إلى كثير من المختصين، فإن هذه الملاحظة تعكس بداية تغير في بعض المؤشرات الخدمية، لكنها لا تعني بالضرورة أن المدينة تجاوزت آثار سنوات طويلة من التدهور، إذ ما تزال بقية القطاعات تسجل مستويات منخفضة للغاية.

ماذا كانت تقول المؤشرات الدولية عن سوريا قبل 2011 ؟

إذا كان تقرير "الإيكونوميست" يربط جانبا من واقع دمشق الحالي بسنوات الثورة السورية، فإن مراجعة المؤشرات الدولية الصادرة قبل عام 2011 تكشف أن عددا من المشكلات التي تقيسها هذه المؤشرات لم تكن وليدة سنوات الحرب بل كانت قائمة بدرجات متفاوتة قبل اندلاع الثورة، ثم تفاقمت بصورة كبيرة بعد عام 2011 .

وهنا تبرز نقطة مهمة؛ فالتفريق ضروري بين أسباب التدهور البنيوي والعوامل التي سرّعت الانهيار. فممارسات النظام المخلوع الإجرامية خلال سنوات الثورة دمّرت البنية التحتية، وأدت إلى نزوح ملايين السوريين، وألحقت خسائر اقتصادية واجتماعية هائلة، لكنها جاءت في دولة كانت تواجه بالفعل تحديات تتعلق بالإدارة والحوكمة والاقتصاد.

اقتصاد يعاني قبل عام 2011

يضيف الخبير الاقتصادي أيمن الشيخ أنه خلال العقد الأول من الألفية، حقق الاقتصاد السوري معدلات نمو متباينة، مدفوعة إلى حد كبير بارتفاع أسعار النفط وبعض الإصلاحات المحدودة، إلا أن تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أشارت آنذاك إلى تحديات هيكلية، من أبرزها:

  •  ارتفاع معدلات البطالة، خصوصا بين الشباب.
  •  اعتماد كبير على القطاع العام وضعف مساهمة القطاع الخاص.
  •  تباطؤ وتيرة الإصلاحات الاقتصادية.
  •  اتساع الفوارق التنموية بين المحافظات.
  •  تراجع إنتاج النفط، الذي كان يمثل موردا رئيسيا للإيرادات العامة.

كما شهدت البلاد بين عامي 2006 و2010 موجة جفاف شديدة أثرت في القطاع الزراعي، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من سكان المناطق الريفية إلى أطراف المدن، ما زاد الضغط على الخدمات والبنية التحتية في دمشق وحلب ومدن أخرى، بحسب تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي.

ورغم أن تلك المؤشرات لم تكن كافية لتفسير ما جرى لاحقا، فإنها تعكس أن الاقتصاد السوري كان يواجه تحديات متراكمة قبل اندلاع الثورة.

الحوكمة والفساد ..مشكلات سبقت الثورة 

وتعد الحوكمة أحد العناصر التي تؤثر بصورة غير مباشرة في معظم المؤشرات الدولية الخاصة بجودة الحياة بحسب الشيخ، لأنها تنعكس على أداء المؤسسات العامة، ومستوى الخدمات، وكفاءة الإنفاق، وسيادة القانون.

وفي هذا السياق، أظهرت مؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي خلال السنوات التي سبقت عام 2011 أن سوريا سجلت مستويات متدنية في عدة مجالات، منها:

  • فعالية الحكومة.
  •  جودة التشريعات.
  •  سيادة القانون.
  •  المساءلة.
  •  مكافحة الفساد.

ويضيف الشيخ لا يعني ذلك أن سوريا كانت الأسوأ عالميا في جميع هذه المؤشرات، لكنها كانت ضمن الدول التي تواجه تحديات مؤسساتية واضحة، وهو ما ينعكس عادة على الخدمات العامة والبنية الإدارية.

إضافة إلى ذلك أن سوريا احتلت أيضا قبل الثورة مراتب متأخرة نسبيا في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، وهو مؤشر يقيس تصورات خبراء ورجال أعمال حول مستويات الفساد في القطاع العام.

ومع اندلاع الثورة، تراجعت البلاد بصورة أكبر في هذا المؤشر، في ظل انهيار مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، وازدياد الاقتصاد غير الرسمي، وتوسع شبكات التهريب والسوق السوداء.

ورغم أن مؤشر الفساد لا يقيس جودة الحياة بصورة مباشرة، فإنه يرتبط بكفاءة الخدمات العامة، وسرعة إنجاز المعاملات، وجذب الاستثمار، وهي عوامل تؤثر في البيئة التي يقيسها مؤشر “الإيكونوميست”.

دمشق… أقل تضرراً من مدن أخرى 

ورغم أن دمشق لم تشهد مستوى الدمار الذي طال مدنا مثل حلب أو حمص أو الرقة وغيرها، فإنها تأثرت بمجموعة من العوامل التي انعكست مباشرة على الحياة اليومية، منها:

  •  الضغوط الكبيرة على البنية التحتية نتيجة لانتقال مئات الآلاف من النازحين إليها.
  •  تراجع إنتاج الكهرباء والمياه والخدمات العامة.
  •  ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية.
  •  نقص الوقود والمواد الأساسية في فترات متعددة.
  •  هجرة أعداد كبيرة من الكفاءات الطبية والهندسية والتعليمية.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن خسارة رأس المال البشري كانت من بين أكثر النتائج عمقا للحرب، إذ غادر مئات آلاف المتخصصين البلاد، ما أثر في جودة الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية حتى في المناطق التي لم تشهد معارك مباشرة.

إلى جانب ذلك، لعبت العقوبات الغربية دورا في تعقيد المشهد الاقتصادي، وإن كانت موضع جدل بين الخبراء حول حجم تأثيرها مقارنة بأثر الحرب والسياسات الاقتصادية الداخلية.

ففي حين تؤكد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن العقوبات تستهدف شخصيات وكيانات محددة مع استثناءات إنسانية، ترى الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدولية أن القيود المالية والمصرفية وصعوبة التحويلات أثرت بصورة غير مباشرة في قدرة المؤسسات على استيراد المعدات الطبية وقطع الغيار والمواد اللازمة لإعادة الإعمار.

لماذا بقيت دمشق في المركز الأخير؟

قد يبدو مستغربا أن تظل دمشق في المرتبة الأخيرة عالميا رغم انتهاء المعارك في معظم أنحاء البلاد وتسجيل بعض المؤشرات الصحية تحسنا، إلا أن تفسير ذلك يرتبط بطبيعة المؤشر نفسه.

فمؤشر "الإيكونوميست" لا يقيس وتيرة التحسن، بل يقيس المستوى الحالي مقارنة بالمدن الأخرى. بمعنى أن المدينة قد تشهد تقدما في بعض القطاعات، لكنها تبقى في ذيل التصنيف إذا كان مستوى الخدمات والاستقرار والبنية التحتية لا يزال أقل من بقية المدن المشمولة بالمؤشر.

وهذا ما حدث مع دمشق؛ إذ أشار التقرير إلى تحسن في الرعاية الصحية، لكنه أبقى تقييم الاستقرار عند مستوى متدنٍ للغاية، كما استمرت درجات التعليم والبنية التحتية والثقافة والبيئة ضمن الفئات المنخفضة.

هل يكفي سقوط النظام لتغيير المؤشرات؟

في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" يؤكد ظهير العدنان الخبير في التنمية الاقتصادية أن المؤشرات التي تقيس جودة الحياة في المدن لا تتغير عادة خلال أشهر، بل تحتاج إلى سنوات من الاستثمار وإعادة بناء المؤسسات وتحسين الخدمات العامة.

فإعادة تأهيل مستشفى أو افتتاح طريق أو تحسن الإمدادات الدوائية قد ينعكس تدريجيا على بعض المؤشرات، لكن تحسين ترتيب مدينة بأكملها يتطلب معالجة ملفات أكثر تعقيداً، مثل الاستقرار الأمني، والاقتصاد، والتعليم، والنقل، والإدارة المحلية، وجذب الاستثمارات.

ولهذا، فإن التحسن الذي سجله التقرير يمكن النظر إليه باعتباره إشارة أولية إلى تغير في بعض الخدمات، لا دليلاً على تحول شامل في واقع المدينة.

كذلك، تقرير "الإيكونوميست" لم يهدف إلى كتابة تاريخ دمشق أو تفسير جذور أزماتها، بل إلى قياس مستوى قابلية العيش في لحظة زمنية محددة.

لذلك، فإن غياب الحديث عن عقود من التحديات الاقتصادية والإدارية لا يعني بالضرورة أن التقرير ينكر وجودها، بل يعكس طبيعة المؤشر نفسه، الذي يركز على النتيجة الحالية أكثر من تركيزه على المسار التاريخي الذي قاد إليها.

وفي المقابل، فإن أي قراءة صحفية تعتمد على هذا المؤشر وحده لتفسير أسباب تراجع دمشق ستكون قراءة ناقصة، لأنها تغفل عناصر أساسية وثقتها مؤسسات دولية أخرى على مدى سنوات.

خلاصة أولية

يرى العدنان أنه عند جمع نتائج المؤشرات المختلفة، تتشكل صورة أكثر توازنا:

  • الإيكونوميست يقيس جودة الحياة الحالية في المدينة.
  • البنك الدولي يرصد أداء الاقتصاد والحوكمة عبر الزمن.
  •  برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يتابع مسار التنمية البشرية.
  • منظمة الشفافية الدولية تقيس تصورات الفساد.
  • مشروع العدالة العالمي يقيس سيادة القانون والمؤسسات.

ولا يتناقض أي من هذه المؤشرات مع الآخر، بل يكمل كل منها جانبا من الصورة. ولهذا، فإن تفسير واقع دمشق يتطلب قراءة هذه المؤشرات مجتمعة، بدلا من تحميل مؤشر واحد مسؤولية تفسير تاريخ مدينة ودولة بأكملها.

هل أنصف “الإيكونوميست” دمشق؟

بعد مراجعة منهجية المؤشر ومقارنته بمؤشرات دولية أخرى، يصعب الجزم بأن تقرير "الإيكونوميست" كان منصفا أو مجحفا بصورة مطلقة.

فمن جهة، يعكس التقرير واقعا حقيقيا تعيشه العاصمة السورية اليوم من حيث تراجع جودة الخدمات والاستقرار مقارنة بمعظم المدن العالمية.

ومن جهة أخرى، فإن تفسير هذا الواقع من خلال الحرب وحدها قد لا يقدم الصورة التاريخية الكاملة، لأن كثيرا من التحديات التي تواجهها دمشق تعود إلى سنوات طويلة سبقت عام 2011، ثم تعمقت بصورة غير مسبوقة خلال سنوات الثورة .

وبمعنى آخر، فإن نتيجة المؤشر قد تكون منسجمة مع الواقع الحالي، لكن تفسير أسبابها يحتاج إلى سياق أوسع من ذلك الذي يقدمه التقرير نفسه.

في النتيجة تكشف مراجعة المؤشرات الدولية أن دمشق لم تصل إلى المرتبة الأخيرة بسبب عامل واحد، كما أنها لن تغادرها بقرار واحد. فالعاصمة السورية تقف اليوم عند تقاطع ثلاثة مسارات متراكمة:

  • تحديات بنيوية تراكمت عبر عقود في الإدارة والاقتصاد ومؤسسات الدولة.
  •  آثار حرب مدمرة ألحقت أضرارا واسعة بالبنية التحتية ورأس المال البشري والاقتصاد.
  •  مرحلة انتقالية بدأت بعد عام 2024، لا تزال نتائجها المباشرة محدودة في المؤشرات الدولية، وإن ظهرت بوادر تحسن في بعض القطاعات، مثل الرعاية الصحية.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا جاءت دمشق في المرتبة الأخيرة؟ بل: كم من الوقت تحتاج المدينة لاستعادة الحد الأدنى من مقومات العيش التي تقيسها المؤشرات الدولية؟

الإجابة لن تحددها التقارير السنوية وحدها، بل ستحددها قدرة المؤسسات السورية على تحويل أي استقرار سياسي إلى إصلاحات مستدامة في الإدارة، والخدمات، والاقتصاد، وسيادة القانون، وهي معايير ستظل المرجع الأساسي في أي تصنيف دولي لجودة الحياة خلال السنوات المقبلة.