بين صناعة الــ "سامسونج.."  ومحاسبة الرئيس

تاريخ النشر: 07.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 07.04.2018 | 11:26 دمشق

العقول وحدها والسواعد لا تنتج ولا تقيم بلداً بالمقاييس الحضارية التي تضمن الحياة الكريمة للشعوب، بالعقول وحدها لا تبنى الأمم، لا بد من عدالة ومساواة وتكافؤ فرص، والأهم لا بد من حكم رشيد يرفع البلاد -أي بلاد- إلى مصاف الأوائل، فلم تؤكد أي دراسة أو بحث على مدار التاريخ أن عقول البشر ومستويات ذكائهم وإبداعهم ترتبط بعرق أو دين، ولم يثبت تاريخيا أن شعبا أذكى أو أفضل من آخر بالجينات الوراثية، فتلك كوريا الجنوبية التي كانت مجرد حلم في ذيل ذاك البيان (إعلان القاهرة - 1943) الذي صدر في الأول من ديسمبر عام 1943 من عاصمة المملكة المصرية وقت ذاك، وكان مرتبطا بموقف الحلفاء من اليابان، ونص الإعلان على استمرار نشر قوة عسكرية في اليابان والأراضي التي كانت تحتلها حتى تعلن استسلامها الكامل، و كُتب في نهايته على عجل "وفي أقرب وقت مناسب تصبح كوريا حرة مستقلة." وقتها إذاً لم يكن هناك كوريا التي نعرفها الآن، ولم يكن حتى جذرها التاريخي قد وجد؛ إذ تبع ذلك انقسام الجغرافيا المسماة كوريا إلى كيانين سياسيين عام 1948 صمدا هادئين مؤقتا حتى 1950، حيث اندلعت الحرب الكورية واستمرت حتى 1953، تلاها تقسيم شبه الجزيرة إلى الدولتين التي تعرف الآن الشمالية والجنوبية، في تلك الأيام كانت سوريا تعيش في فترة سميت لاحقا "ربيع الديمقراطية"، دولة حرة مستقلة فيها نظام شرعي ودستور وبرلمان وحياة سياسية واقتصادية واجتماعية كاملة الاتساق مع دول العالم الأول الخارجة لتوها من حروبها لكن ما تلا ذلك كان أن سار قطار التنمية في تلك البلاد ودارت عجلة الديمقراطيات وأنتجت عالما أولا ولفظت بلادنا إلى قاع العوالم.

تلك مصر التي احتضنت ذاك الاجتماع وأقر فيها نشأة بدائية لدولة تسبقها اليوم بكل شيء، تلك مصر وهذه كوريا الجنوبية أي مقارنة بينهما هي محط سخرية اليوم، وما الحال، حال بلادنا إلا أسوأ بعد أن جُبل ترابها بدم مئات الآلاف من السوريين لا ذنب لهم سوى أنهم قرروا أن يفتحوا صفحة جديدة مع حياتهم تفضي بهم إلى ما سبقتهم إليه الشعوب، تلك التي ليست أفضل منهم بشيء، فكل شيء لديهم لكن لا حكما رشيدا بل نظامَ حكم قاتل فاجر؛ ومن أوصل كوريا الجنوبية إلى بيوتنا وجيوبنا وأيدينا وعقولنا هو ما أنتجته من تكنولوجيا وغيرها في ظل حكم أتاح للشعب أن يمضي قدما في إبداعه، بينما ضيق نظام حكمنا على مدار السنين على الناس وراقب حتى أحلامهم وحاسبهم عليها وقتل منهم وشرد ودمر مقابل ألا يحاسب، وإلا لماذا لم نصنع نحن السامسونج (من بيننا أب لصانع منافسه الأيفون)، فالعقل والابتكار ابن بيئته وليس ابن أبيه فقط، ابن العدالة والمساواة والكرامة والحرية.

اليوم كوريا الجنوبية تصنع السامسونج بيد وتحاسب رئيستها المعزولة بارك غيون بيد، وتعاقبها محكمة في العاصمة سيول وتصدر بحقها حكما بالسجن 24 عاما، بعد أدانتها بتهم إساءة استخدام السلطة وتلقي رشى بالإكراه، وهذا بلا شك مرتبط بذاك فما كان لكوريا ولا للكوريين الجنوبين أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه لولا أنهم آمنوا وعملوا ووصلوا إلى محاسبة ومقاضاة الرئيس وأقاموا عدلا يمنح لكل فرصته وحقه، لا دم ولا دمار ولا تشريد لشعب كامل يقتلع اليوم من أرضه بعد أن فقد كل شيء وأصبح أتعس شعوب الأرض هو الذي طالب يوما بالمحاسبة فقط، تلك بلاد نشتهي عدلها وننتظره فبمثله تبنى الأمم وتنمو وتكبر وتنتج وتصبح نمرا آسيويا اقتصاديا، بينما يبقى لدينا أسد قاتل فتاك، وسامسونج كوري جنوبي المنشأ يوثق موتنا وتهجيرنا.

كلمات مفتاحية